سفن السطح غير المأهولة.. أميركا تتفادى الغرق في بحر الصين

مفارقة لافتة أن تفاجئ الصين الجميع هذا الشهر بالكشف عن أول زورق غير مأهول من إنتاجها، وذلك بعد تسريب صور له أثناء اختبارات الإبحار. والمثير هنا أن تصميمه يطابق بشكل واضح الزورق الأميركي غير المأهول "سي هانتر".

  • يتزايد اهتمام البحرية الأميركية بشكل كبير بالزوارق السطحية القتالية غير المأهولة

تتزايد باطراد أهمية استخدام الأنظمة البحرية المسيّرة بشكل عام، التي تتعدَّد أوجه استخدامها، سواء على المستوى المدني أو العسكري. ويتزايد اهتمام البحرية الأميركية بشكل كبير بهذه الأنظمة، وعلى وجه التحديد الزوارق السطحية القتالية غير المأهولة، التي يمكن اعتبارها بمثابة "درونز قتالية" بحرية.

في السنتين الأخيرتين، فشل البنتاغون في إقناع الكونغرس برفع قيمة الدعم المالي المخصّص لبرنامج البحوث والتطوير الخاص بالزوارق القتالية غير المأهولة، ما أدى إلى تزايد مخاوفه من عدم استجابة الكونغرس لطلب زيادة الميزانية المخصصة لهذا البرنامج ضمن ميزانية الدفاع الوطني الخاصة بالسنة المالية 2021-2022، فعلى الرغم من إظهار الأخير في السابق دعماً مبدئياً لهذا البرنامج في بداياته، فإنَّ عدم تمكّن البنتاغون من إثبات أهمية هذا النوع من أنواع الأنظمة القتالية، ومدى التقدّم الحالي الَّذي تم إحرازه في الأبحاث الخاصّة به، أدى إلى إحباط الكونغرس كل المحاولات التي تمت خلال العامين الماضيين لزيادة المخصصات المالية الخاصة بهذا البرنامج.

الذهنية الأساسية للبحرية الأميركية في تطوير مثل هذا النوع من الأنظمة القتالية البحرية، تتمحور بشكل أساسي حول دور البحرية الصينية، وهو ما يتم الترويج له على المستويات الداخلية في الولايات المتحدة، فبحسب بيت صامويل، مدير برنامج تطوير "الدرونز" البحرية القتالية الأميركية، فإن اعتماد البحرية الأميركية على تطوير الأنظمة البحرية المسيرة يأتي لمواجهة ما وصفه بـ"تسونامي" البحرية الصينية، المتمثل في أعداد متزايدة من القطع البحرية الجديدة، وميزانية ضخمة للبحوث والتطوير البحري.

وأضاف صامويل في هذا الصدد، أنَّ قيادة البحرية الأميركية ترغب بشكل أساسي في تطوير أنظمة بحرية مسيرة بعيدة المدى، تمتلك القدرة على عبور المحيطات وتنفيذ كل العمليات القتالية المنوطة بها، وهو ما يجعل مسألة التمويل المتاح لبرنامج تطوير هذه الأنظمة أمراً أساسياً من أجل نجاح هذا المسعى، لأن محاولة تطوير أنظمة للعمل في محيطات واسعة مثل المحيط الهادئ، تجعل الحاجة ماسة لوجود مخصصات مالية ضخمة.

يضاف إلى ذلك أنّ التحديات التي تفرضها الأهداف الأميركية من هذا البرنامج، تجعل وتيرة التقدم فيه تبدو أقل من المطلوب، فالبحرية الأميركية كانت في البداية تريد تصميم قطع بحرية كبيرة غير مأهولة بشكل جزئي، بمعنى أنه ستكون هناك طواقم بشرية على متنها، لكن في أضيق الحدود، بحيث تكون الأنظمة القتالية غير مأهولة بشكل كامل، لكنَّها حالياً ترغب في تطوير قطع بحرية غير مأهولة بشكل كامل، تتميز بقدرات قتالية كبيرة، وهذا يضيف تحديات جديدة، منها كيفية الحفاظ على أداء الأنظمة الخاصة بهذا النوع من القطع البحرية خلال فترات عملها خارج الموانئ، والتي قد تصل إلى 6 أشهر، وخصوصاً الأنظمة الميكانيكية. 

البحرية الأميركية تهرول في برنامج "الدرونز" البحرية

  • 2
    زورق سطحي غير مأهول

فعلياً، بدأ برنامج سفن السطح الأميركية غير المأهولة في أوائل العام 2005، إذ طوّرت شركتا "جنرال داينمكس" و"تيكسترون" الأميركيتان فئة من فئات سفن السطح المضادة للألغام تحت اسم "فليت"، وهي فئة غير مأهولة تعمل على متن قطع بحرية قتالية كبيرة، بهدف تنفيذ عمليات كسح الألغام البحرية ونشرها. وقد دخل الخدمة من هذه الفئة أكثر من 26 سفينة منذ العام 2008 وحتى الآن.

  • 3

تلقى هذا البرنامج دفعة مهمة في نيسان/أبريل 2016، حين أدخلت البحرية الأميركية بنجاح في الخدمة أول سفينة سطح غير مأهولة متوسطة الإزاحة، سميت "سي هنتر"، وهي حصيلة مجموعة من التجارب والأبحاث التي امتدت منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن.

هذه السفينة تعد عماد برنامج سفن السطح الأميركية غير المأهولة، وتبلغ إزاحتها الكلية 135 طناً، ومداها الأقصى يبلغ 19 ألف كيلومتر، وتستطيع الإبحار بصورة متواصلة لمدة تصل إلى 3 أشهر، بسرعة قصوى تبلغ 50 كيلومتراً في الساعة. الأساس الذي تم تصميم هذه السفينة عليه، هو تنفيذ عمليات الاستطلاع والمراقبة، ورصد الغواصات المعادية. ويتم استخدامها أيضاً لاختبار التقنيات الحديثة لمكافحة الغواصات.

  • برنامج أميركي شامل لتطوير 4 فئات رئيسية من سفن السطح غير المأهولة

في العام 2018، أطلقت البحرية الأميركية برنامجاً شاملاً للبحوث والتجارب، بهدف تطوير 4 فئات رئيسية من سفن السطح غير المأهولة، مقسّمة بحسب الحجم إلى سفن كبيرة، وسفن متوسطة، وسفن صغيرة، وزوارق أصغر. التجارب بدأت منذ ذلك التاريخ على سفن الفئة الكبيرة، إذ تم تحوير سفينتي إمداد مخصصتين لدعم سفن الشحن المدنية، لتكونا منصتين لاختبار أنظمة التشغيل غير المأهولة الخاصة بسفن هذه الفئة، التي تمّت تسمية برنامج تطويرها "أوفرلورد".

  • تم اختبار أنظمة التشغيل والملاحة الذاتية 

المرحلة الأولى لاختبارات هذه الفئة تم اختتامها في أيلول/سبتمبر 2019، وتم فيها اختبار أنظمة التشغيل والملاحة الذاتية، ومدى توافقها مع الأنظمة الميكانيكية والكهربائية لكل من السفينتين، كذلك تم اختبار مدى إمكانية تفادي التصادم مع السفن الأخرى في الممرات الملاحية المختلفة، والتحرك في ممرات ملاحية معقدة، بما مجموعه 600 ساعة اختبارية، وقد أكملت إحدى هاتين السفينتين رحلتين مستقلتين من دون تدخل بشري على مدار 4 أيام متتالية، قطعت فيها مسافة تتعدى 3 آلاف ميل بحري.

المرحلة الثانية من اختبارات هذه الفئة من السفن غير المأهولة، سيتم البدء فيها بمجرد إقرار الميزانية الدفاعية للسنة المالية 2021 - 2022، بحيث تكون على النسق نفسه، وهذا ما يجعل البحرية الأميركية متوجّسة من تأثير أيّ خفض في هذه الميزانية، أو إعادة توزيع البنود المخصصة لبرامج الأبحاث البحرية على هذا البرنامج، الذي تطمح البحرية الأميركية من خلاله إلى أن تتمكَّن من تشغيل قطع بحرية كبيرة غير مأهولة، قادرة على حمل وتشغيل أنظمة قتالية أساسية، مثل الصواريخ المضادة للطائرات والقطع البحرية والطوربيدات المضادة للسفن، مع تميزها بالقدرة على التحمل والعمر العملياتي الطويل، وتكاليف التشغيل المحدودة مقارنة بكلفة تشغيل القطع البحرية المأهولة الكبيرة، إذ ستستطيع سفن هذه الفئة غير المأهولة تنفيذ كل المهام القتالية التي تستطيع حالياً تنفيذها فئة المدمرات الرئيسية في البحرية الأميركية، وهي الفئة "إرلي بوراك" التي تكلّف الواحدة منها نحو ملياري دولار.

الفئات الأخرى المتضمّنة في هذا البرنامج (المتوسطة والصغيرة والأصغر)، ستكون في غالبيتها مخصصة لعمليات مكافحة الألغام والغواصات، ومهام الاستطلاع والمراقبة البحرية والساحلية، ومكافحة القرصنة ومهمات الرصد البيئي ورسم خرائط الأعماق، وغيرها من المهام المساندة التي كان تنفيذها يتم سابقاً عن طريق قطع بحرية كبيرة ومكلفة.

والجدير بالذكر أنه تم في ميزانية مخصصات وزارة الدفاع الأميركية للعام المالي 2020-2021، تضمين مبلغ 209.2 مليون دولار لتطوير وشراء أول سفينتين من سفن الفئة الكبيرة غير المأهولة، مع وضع خطط لشراء 8 سفن أخرى خلال السنوات الخمس المقبلة. 

وحالياً، تطالب البحرية الأميركية بتخصيص 21.5 مليون دولار لتمويل الدراسات والأبحاث الجارية حول الشكل الذي ستبدو عليه البحرية الأميركية بحلول العام 2045، حين تكون عدة فئات من الفرقاطات والمدمرات قد خرجت من الخدمة لتقاعدها، وحلت محلها السفن غير المأهولة الجاري تطويرها حالياً، على أن يتم تخصيص جزء من هذا المبلغ، بواقع 33 مليون دولار، للدراسات الجارية حول السفن غير المأهولة الجاري تطويرها في الوقت الحالي.

الصين تلاحق الولايات المتحدة في البحرية غير المأهولة

  • الصين تكشف عن أول زورق غير مأهول 

مفارقة لافتة أن تفاجئ الصين الجميع هذا الشهر بالكشف عن أول زورق غير مأهول من إنتاجها، وذلك بعد تسريب صور له أثناء اختبارات الإبحار. والمثير هنا أن تصميمه يطابق بشكل واضح الزورق الأميركي غير المأهول "سي هانتر"، وهو ما يشكل ربما دافعاً إضافياً للولايات المتحدة كي تسرع من نشاطها في هذا المجال، وخصوصاً أن هذا النشاط كان أساساً بهدف مواجهة التمدد البحري الصيني المتزايد على مستوى الكم والنوع.

يضاف إلى ذلك بعض المزايا الأخرى التي قد تحصل عليها الولايات المتحدة من تطوير هذا البرنامج على المستوى المدني، إذ سيضيف إليها قدرات بحرية أكثر فعالية في مجال مراقبة عمليات الصيد غير المشروعة، وكل الأنشطة البحرية غير القانونية، مثل الهجرة غير الشرعية، وعمليات تهريب المخدرات التي باتت الغواصات من أهم أدواتها حالياً، وهو ما سيوفر نفقات كبيرة تتحملها قوات حرس السواحل الأميركية، فعادةً ما يكلف تشغيل القطع البحرية التابعة لها ما بين 1500 و3000 دولار في الساعة، وتكلّف ساعة الطيران الواحدة التي تنفذها طائرات الدورية البحرية أكثر من 10 آلاف دولار، وبالتالي سيوفر استخدام سفن السطح غير المأهولة، وكذا "الدرونز" الغاطسة، نفقات كبيرة وموارد بشرية ضخمة كان يتم استنزافها لتنفيذ هذه العمليات. 

وعلى المستوى البيئي، يمكن للسفن البحرية غير المأهولة تنفيذ مهام رصد الطقس وتغيراته، والكشف عن الملوثات البحرية، وخصوصاً آثار الوقود والمذيبات وزيوت المحركات.

محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

إقرأ للكاتب

تجارب الصّواريخ الهنديّة.. العين على بكين وإسلام أباد

نفّذت نيودلهي تجربتها الأولى الناجحة في مجال التقنيات العسكرية الأسرع من الصوت، لتصبح فعلياً...

خصائص صاروخ (قدس 2).. الحريق في جدة والقلق في تل أبيب

الصاروخ الجديد أثار بشكلٍ واضحٍ انتباه قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يتابع بقلقٍ منذ عام...

"الدرونز" الانتحاريّة.. المستقبل القديم للحروب الحديثة

خطأ كبير يقع فيه من يعتقد أن فكرة "الدرونز الانتحارية" هي فكرة حديثة العهد أو نتاج للتطوّر...

التعاون العسكريّ بين كييف وأنقرة.. روسيا ليست غافلة

تراقب روسيا تطوّر العلاقات التركية الأوكرانية ولهذه الغاية نفذّت مناورات بعد أيام من إسقاط...

سماء اليمن.. التكنولوجيا الغربية في مواجهة ابتكارات الضرورة

أول إسقاط سجّلتها الدفاعات الجوية اليمنية لطائرات التحالف السعودي كان في أيار/مايو 2015، لمروحية...

كيف تفوّقت إبداعات صنعاء العسكرية على منظومات السلاح الغربية؟

التطور الذي ظهر بشكل كبير خلال السنتين الماضيتين على التسليح اليمني في ما يتعلق بالصواريخ...