الروبوتات القتاليَّة.. مشاة الحروب المستقبليّة

التطبيق الأول لهذه الفكرة كان في أوائل الحرب العالمية الثانية، حين دفعت وحدات الجيش الأحمر السوفياتي بدبابات خفيفة، تم تزويدها بآلية تحكم عن بعد بواسطة اللاسلكي.

  • الروبوتات القتاليَّة.. مشاة الحروب المستقبليّة
    الروبوتات القتاليَّة.. مشاة الحروب المستقبليّة

تعدّ الروبوتات القتالية من أبرز ملامح التطوّر المتوقّع في الحروب المستقبلية التي ستعتمد بشكل كبير على الأنظمة المسيّرة المتحكم بها عن بعد وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء كان ذلك في البحر أو الجو، أو حتى في الحروب البرية التي كان للمشاة الدور الأساسي فيها في العقود السابقة.

هذه التوجّه بدأ بالبروز بشكل أكبر من خلال إعلان عدة دول أوروبية وآسيوية عن نيّتها تشكيل جيوش ضخمة من الروبوتات القتالية خلال العقود المقبلة، ومن بينها بريطانيا، إذ نشرت صحيفة "مترو" البريطانية الشهر الماضي تصريحاً لقائد الجيش البريطاني الجنرال نيك كارتر، بأنّ الرؤية البريطانية المستقبلة في مجال التسليح تستهدف أن يكون ربع تعداد الجيش البريطاني بحلول العام 2030 مكوناً من روبوتات قتالية متعددة المهام، أي نحو 30 ألف روبوت على الأقل.

كوريا الجنوبيّة أعلنت أيضاً عن نيتها إدخال الروبوتات القتالية ضمن تسليح وحدات جيشها بدءاً من العام 2024، إذ أعلن برنامج الاستحواذ الدفاعي التابع لوزارة الدفاع الكورية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي عن 12 مشروعاً يتعلق بالأنظمة المتحكم بها عن بعد، ويتضمَّن طائرات من دون طيار انتحارية واستطلاعية وروبوتات قتالية متعددة الأغراض، بقيمة إجمالية تتعدى 26 مليون دولار.

 

البداية من عشرينيات القرن الماضي

  • البداية كانت من الولايات المتحدة الأميركية حيث تم ابتكار أول سيارة تعمل بالتحكم اللاسلكي عن بعد.
    البداية كانت من الولايات المتحدة الأميركية حيث تم ابتكار أول سيارة تعمل بالتحكم اللاسلكي عن بعد.

 

كانت ضربة البداية في فكرة الروبوتات القتالية بشكل عام نابعة من أول سيارة تعمل بالتحكم اللاسلكي عن بعد، تم الكشف عنها للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأميركية في تشرين الأول/أكتوبر 1921، وشكَّلت نقلة تكنولوجية جبارة فتحت الباب واسعاً أمام إمكانية التحكم بالآليات العسكرية عن بعد في العقود اللاحقة.

  • التطبيق العسكري الأول لهذه الفكرة كان في أوائل الحرب العالمية الثانية
    التطبيق العسكري الأول لهذه الفكرة كان في أوائل الحرب العالمية الثانية

 

التطبيق العسكري الأول لهذه الفكرة كان في أوائل الحرب العالمية الثانية، حين دفعت وحدات الجيش الأحمر السوفياتي بعدة كتائب من الدبابات الخفيفة، وخصوصاً دبابات "بي تي-5" و"بي تي-7"، تم تعديلها وتزويدها بآلية تحكم عن بعد بواسطة اللاسلكي، بحيث يمكن قيادتها وإطلاق النار من مدافعها الرشاشة وقاذفات اللهب المثبتة عليها بواسطة التحكم عن بعد من جانب طاقم دبابة أخرى تبعد عنها مسافة تصل إلى 1500 متر. وقد انخرطت هذه الدبابات بشكل فعلي في المعارك ضد الجيش الفنلندي خلال شتاء العام 1940، وفي معارك الجبهة الشرقية ضد الجيش النازي بدءاً من العام 1941.

البريطانيون كانت لهم تجربة أقل زخماً في هذا الإطار خلال الحرب العالمية الثانية، فقد قاموا بمحاولة تعديل بعض الدبابات المتوسطة من نوع "ماتيلدا-2" بداية من العام 1941، بهدف تحويلها للعمل بالتحكم عن بعد بواسطة اللاسلكي، واستخدامها لتنفيذ مهام ميدانية مساعدة، مثل الاستطلاع، لكن لم يتم تعميم هذا التعديل بشكل كمي، نظراً إلى الكلفة العالية التي اكتنفها هذا البرنامج.

  • ألمانيا النازية كانت لها التجربة الأهم في هذا الصَّدد
    ألمانيا النازية كانت لها التجربة الأهم في هذا الصَّدد

 

ألمانيا النازية كانت لها التجربة الأهم في هذا الصَّدد، والتي تم على أساسها تكوين التصور الأول الذي من الممكن أن تكون عليه الروبوتات القتالية، فقد لفتت أنظار مهندسي الجيش النازي عربات مجنزرة مصغّرة عثروا عليها في فرنسا، حيث كانت جزءاً من برنامج فرنسي لتصنيع روبوتات قتالية، فقاموا بتطوير هذه الفكرة إلى روبوت مجنزر انتحاري تمت تسميته "جولايث"، وتم إنتاج نسختين منه دخلتا الإنتاج الكمي مطلع العام 1942.

التصميم الأساسي لكلا النموذجين كان عبارة عن مركبة صغيرة مجنزرة تحمل 60 كغم من المواد المتفجرة، يتم التحكم بها من خلال وحدة تحكم موصولة بالمركبة عن طريق كابل ثلاثي يبلغ طوله 650 متراً، ويتم توجيهها نحو الهدف المراد تدميره، ومن ثم يتم تفجيرها عن طريق وحدة التحكّم.

 تمّ إنتاج نحو 7500 مركبة من هذا النوع، لكنّها لم تحقق سوى نجاحات محدودة، بفعل أسباب عديدة، منها بطء سرعتها وعدم مناعتها تجاه الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إلا أنها شكلت تطوراً ثورياً في شكل الروبوتات القتالية ووظيفتها بشكل عام خلال هذه الحرب.

  • تم إنتاج نحو ألف مركبة من هذا النوع بأربع نسخ مختلفة
    تم إنتاج نحو ألف مركبة من هذا النوع بأربع نسخ مختلفة

 

أنتج الجيش النازي نوعين آخرين من أنواع الروبوتات القتالية، الأول هو الروبوت الانتحاري "بورجوارد"، الذي كان في الأصل مجنزرة مصممة لنقل الذخيرة، لكن قام مهندسو الكتائب الألمانية المدرعة بتعديلها خلال غزو فرنسا، من أجل تحويلها إلى مركبات تقوم بزرع عبوات ناسفة في مواضع محددة، وذلك بعد أن يقوم عنصر بشري بقيادتها إلى جانب الهدف، ومن ثم يغادرها ويتمّ إيصالها إليه بالتحكم عن طريق اللاسلكي، ثم تقوم العربة بإنزال الحاوية التي تحمل العبوة الناسفة، وتغادر الموقع المستهدف.

تم إنتاج نحو ألف مركبة من هذا النوع بأربع نسخ مختلفة، وبعضها تم تجربة تثبيت كاميرا تلفزيونية عليه من أجل تنفيذ عمليات المراقبة، وبعضها الآخر تم تزويده بصواريخ مضادة للدبابات، وذلك خلال معارك السيطرة على برلين في أواخر الحرب العالمية الثانية. 

  • استفادت الولايات المتحدة بصفة أساسية من المبتكرات النازية في هذا الصدد
    استفادت الولايات المتحدة بصفة أساسية من المبتكرات النازية في هذا الصدد

 

المركبة الثانية كانت مركبة انتحارية أيضاً سميت "سبرينجر"، كانت تحمل شحنة متفجرة تبلغ 330 كيلوغراماً، لكنها كانت تصطدم بالهدف مثلها في ذلك مثل المركبة "جولايث"، ولم يتم صنع سوى 50 مركبة منها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

استفادت الولايات المتحدة بصفة أساسية من المبتكرات النازية في هذا الصدد، وطوَّرت خلال الستينيات أول نموذج متكامل لهيكلية التحكم بوسائط برية عن بعد، وذلك من خلال الروبوت المتحرك "شاكي" الذي تم ابتكاره كدراسة بحثية لوكالة مشاريع الأبحاث الأميركية الدفاعية المتقدمة، وهو عبارة عن منصّة بعجلات فيها كاميرا تلفزيونية وأجهزة استشعار وجهاز كمبيوتر للمساعدة في توجيه مهامها الملاحيّة. وعلى أساس هذا النموذج، طوَّر الجيش الأميركي لاحقاً النماذج الحديثة من الروبوتات القتالية المتعدّدة المهام.

 

التجارب الميدانيَّة في الحروب الحديثة

  • اختبر الجيش الروسي نوعين من أنواع الروبوتات القتالية
    اختبر الجيش الروسي نوعين من أنواع الروبوتات القتالية

 

تحاول بعض الدول في السنوات الأخيرة تجربة الروبوتات القتالية الموجودة في ترسانتها في أجواء معارك حقيقية، تستطيع من خلالها قياس قدراتها على البقاء وعلى الأداء العملياتي. كان لروسيا قصب السبق في هذا المجال خلال المعارك في سوريا، فقد اختبر الجيش الروسي نوعين من أنواع الروبوتات القتالية، الأول هو الروبوت المتعدد المهام "أوران-9" الذي تم نشره بشكل محدود خلال العام 2018، وتم الإعلان بشكل صريح عن نتائج اختباره في سوريا خلال مؤتمر عقدته أكاديمية "كوزنتسوف" البحرية في سانت بطرسبورغ الروسية خلال نيسان/أبريل 2018.

وقد تم تقييم تجربة هذا النوع من الروبوتات بأنها حقَّقت نجاحاً محدوداً جداً، إذ ظهرت مشاكل في آلية عمل المدفع الرئيسي الخاص بهذا الروبوت، وهو من عيار 30 ملم، وفشل في الاستجابة لأوامر التشغيل عدة مرات، وخصوصاً خلال الحركة، كما تعرض الاتصال بين وحدة التحكم والروبوت للانقطاع مرات عديدة، وتقلص مدى الاتصال بينهما إلى أقل من نصف كيلومتر، إضافةً إلى مشاكل أخرى في أجهزة التهديف والاستشعار.

تمَّ الكشف لأول مرة عن هذا الروبوت في أيار/مايو 2018 خلال عرض عسكريّ روسيّ، وتمّ تسليحه بمدفع أوتوماتيكي من عيار 30 ملم، إلى جانب صواريخ "أتاكا" المضادة للدروع التي يصل مداها إلى 6 كيلومتر، ومدفع رشاش من عيار 7.62 ملم. ويستطيع هذا الروبوت التزوّد بصواريخ مضادة للطائرات.

النّوع الثاني من أنواع الروبوتات القتالية الروسية التي تم اختبارها في سوريا هو كاسحة الألغام "أوران-6"، التي استعانت بها وحدات الهندسة العسكرية الروسية في عمليات نزع الألغام والعبوات المتفجرة في مدن مثل حلب وتدمر. وقد حقق نتائج مرضية خلال عمليات نزع الألغام في هذه المناطق.

  • شرعت موسكو في ابتكار بعض الروبوتات الجديدة، ومنها الروبوت القتالي
    شرعت موسكو في ابتكار بعض الروبوتات الجديدة، ومنها الروبوت القتالي "ماركير"

 

في ضوء هذه التجارب، شرعت موسكو في ابتكار بعض الروبوتات الجديدة، ومنها الروبوت القتالي "ماركير"، الذي سيخضع العام المقبل لمرحلة الاختبارات النهائية قبل إدخاله إلى الخدمة رسمياً في الجيش الروسي، إذ تمّ تصحيح الأخطاء التي ظهرت في أداء الروبوت "أوران-9"، وخصوصاً مشاكل التعرف إلى الهدف وسرعة الاستجابة للأوامر. كما أنّ الروبوت الجديد قادر على التمييز بين المدنيين والعسكريين، وسيعمل بالتكامل مع مجموعة من "الدرونز" المصغرة التي ستساعده على وعي التهديدات المحيطة.

وإضافةً إلى ابتكار روبوتات جديدة، تعكف الصناعات الحربية الروسية على إحياء بعض مبتكرات الحرب العالمية الثانية، إذ تبحث في الوقت الحالي إمكانية تحويل أي عربة مدرعة في الترسانة الروسية، لتعمل بالتحكم عن بعد وبمحركات كهربائية. ومن أمثلة هذه المشاريع، مشروع تم الإعلان عنه في العام 2013، لتعديل ناقلات الجند المدولبة من نوع "بي تي آر-90"، لتصبح مسيّرة عن بعد، تحت اسم "كريمسك".

 

الولايات المتحدة.. إدخال الروبوتات القتالية في الخدمة قريباً

  • يعتزم الجيش الأميركي بحلول نهاية العام الجاري اختبار 4 نماذج جديدة من الروبوت القتالي
    يعتزم الجيش الأميركي بحلول نهاية العام الجاري اختبار 4 نماذج جديدة من الروبوت القتالي "ريبسو أم 5"

 

يعتزم الجيش الأميركي بحلول نهاية العام الجاري اختبار 4 نماذج جديدة من الروبوت القتالي "ريبسو أم 5"، تمهيداً لإدخاله إلى الخدمة كأول روبوت قتالي ضمن الترسانة الأميركية، وهو عبارة عن مركبة قتالية مجنزرة يبلغ وزنها 10 أطنان. وقد ظهر للمرة الأولى في معرض "أوسا 2018" للصناعات الدفاعية الذي عُقد في العاصمة الأميركية واشنطن في تشرين الأول/أكتوبر 2019، وهو من إنتاج شركة "تيكسترون" الأميركية.

ومن مميّزات هذا الروبوت قدراته المتفوّقة على التحرك بسرعة ومرونة في كلّ التضاريس والأحوال الجوية، إذ تم تزويده بمحرك تبلغ قدرته 600 حصان يوفر له سرعة تصل إلى 96 كيلومتراً في الساعة.

في ما يتعلَّق بالتسليح، فإنَّ تسليحه القياسي الأساس هو برج مسلح بمدفع أوتوماتيكي من عيار 30 ملم، ويمكن تعديله وتزويده بطائفة واسعة من الأنظمة الدفاعية والهجومية، من بينها صواريخ "جافلين" المضادة للدروع والرشاشات المتوسطة والصواريخ المضادة للطائرات، كما يمكن أن يتحوّل هذا الروبوت إلى منصة لإطلاق الطائرات التكتيكية من دون طيار ذات الإقلاع العمودي، أو لكاسحة ألغام متنقّلة، أو حتى لمنصة رادارية أرضية، أو محطة متنقلة للتشويش الإلكتروني.

  • أنهى الجيش الأميركيّ مؤخراً أول تجربة تشغيلية لعدة ناقلات جند مدرعة من نوع
    أنهى الجيش الأميركيّ مؤخراً أول تجربة تشغيلية لعدة ناقلات جند مدرعة من نوع "أم 113"

 

كذلك، تسير الولايات المتحدة حثيثاً وراء الخطوات الروسية في ما يتعلّق بتحويل ناقلات الجند المدرعة إلى روبوتات قتالية، فقد أنهى الجيش الأميركيّ مؤخراً أول تجربة تشغيلية لعدة ناقلات جند مدرعة من نوع "أم 113"، تم تعديلها لتصبح عاملة بالتحكم عن بعد، وهي تجارب استمرت لمدة شهر كامل، بهدف جمع البيانات اللازمة، للمساعدة في تطوير الأسطول الأميركي المقبل من الروبوتات القتاليّة.

  • طبقت وحدات الرد السريع التابعة للجيش العراقي ابتكاراً صمّمه شاب عراقي في العام 2016
    طبقت وحدات الرد السريع التابعة للجيش العراقي ابتكاراً صمّمه شاب عراقي في العام 2016

 

والجدير بالذكر أنّ دولاً عربية متعددة - على نطاق ضيق - كانت لها محاولات في مجال تصنيع "الدرونز" القتالية، ومنها العراق، الذي طبقت وحدات الرد السريع التابعة له ابتكاراً صمّمه شاب عراقي في العام 2016، وهو عبارة عن روبوت مدولب مزوّد ببدن مدرع، و4 كاميرات للمراقبة والرصد، ومسلّح برشاش متوسط، وقاذف للقنابل اليدوية. وقد تم استخدامه بشكل قتالي خلال معارك الموصل ونينوى ضد تنظيم داعش.

محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

إقرأ للكاتب

الاشتباكات الحدوديّة بين السودان وإثيوبيا.. مخلّفات الاستعمار

تعود خلفية الاشتباكات الحدودية الأخيرة بين السودان وإثيوبيا إلى حقبة الاستعمار البريطاني التي تم...

الحظر التّسليحيّ الغربيّ على أبو ظبي والرّياض.. ما الحقيقة؟

تبقى الخطوات الغربية في مجال حظر التسليح على الرياض وأبو ظبي ضعيفة لاعتبارات اقتصاديّة وبسبب...

الألغام البحريَّة.. الأسلحة الزهيدة تطفو من جديد

عادت التهديدات الناجمة عن الألغام البحرية بقوة في السنوات الأخيرة، ليبقى هذا السلاح الأقل كلفة...

"إسرائيل" وإثيوبيا … علاقات عسكرية متصاعدة والهدف هو أفريقيا

كانت المساعدات العسكرية هي الأداة الرئيسية التي اقتحمت بها "إسرائيل" الساحة الإثيوبية، وذلك...

"الرسول الأعظم - 15".. مخاوف تل أبيب تتصاعد

مخاوف تل أبيب من القدرات الصّاروخية لحركة أنصار الله في اليمن تعزّزت بشكل أكبر من خلال مطالعة...

"إسرائيل" تبحث عن أسواق أسلحة جديدة لتدارك المأزق

تحاول "إسرائيل" تدارك التراجع المستمر في إجمالي صادراتها العسكرية والاستعداد لمحاصرة التأثير...