الزوارق الانتحاريَّة.. عودة الماضي العسكري

النموذجان اليمنيان من الزوارق المفخّخة أحيا مرة أخرى تكتيكات الهجوم الانتحاري على القطع البحرية المعادية، والتي كانت أغلب جيوش العالم قد تخلَّت عنها منذ سبعينيات القرن الماضي.

  • طريقة استخدام هذه الزوارق ميدانياً كانت ثورية
    طريقة استخدام هذه الزوارق ميدانياً كانت ثورية

 

في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1956 نفّذ الضابط البحري السوري جول جمال، هجوماً يعدّ من أشهر الهجمات التي شهدتها الحروب البحرية على مر العصور، بعد أن هاجم بزورق الطوربيدات الذي يقوده الطراد التابع للبحرية الفرنسية "جان بارت"، وذلك عن طريق الاصطدام به بشكل مباشر بهدف إلحاق أضرار به، نتيجة انفجار الشحنات المتفجرة الموجودة على متن الزورق الذي كان ضمن تشكيل بحري مصري كان يحاول التصدي للقطع البحرية الفرنسية والإنجليزية التي كانت في طريقها إلى السّواحل المصريّة.

هذا الهجوم لم يكن الأول من نوعه على مدى التاريخ، فبالعودة إلى العقود الماضية، سنجد أن جذور فكرة استخدام الزوارق المفخخة في تنفيذ هجمات انتحارية على القطع البحرية الضخمة، كانت تعود إلى حقبة الحرب الأهلية الأميركية، التي شهدت فعلياً الظهور الأول لفكرة استخدام زوارق انتحارية متفجرة، كوسيلة لاستهداف القطع البحرية المعادية.

 

الحرب الأهلية الأميركية... الظهور الأول للزوارق الانتحارية

  • ظهرت هذه الزوارق للمرة الأولى في تسليح قوات الولايات الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأميركية
    ظهرت هذه الزوارق للمرة الأولى في تسليح قوات الولايات الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأميركية

 

كانت زوارق الفئة "دايفيد" هي أول تطبيق قتالي عملي لفكرة استخدام الزوارق كوسيلة لإيصال العبوات المتفجرة إلى أقرب نقطة من الهدف، بشكل يقترب بشكل كبير من فكرة العمليات الانتحارية. ظهرت هذه الزوارق للمرة الأولى في تسليح قوات الولايات الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأميركية، وتحديداً في العام 1863، وكانت عبارة عن زوارق بخارية شبه غاطسة تحمل شحنة متفجرة تزن 60 كيلوغراماً، تم تثبيتها في الصاري الذي يقع في الجزء الأمامي لهذه الزوارق، التي كان بدنها أسطواني الشكل بطول 15 متراً، وكانت تحمل طاقماً مكوناً من 4 أشخاص.

طريقة استخدام هذه الزوارق ميدانياً كانت ثورية بشكل جعلها مرجعاً لكل التكتيكات الهجومية البحرية خلال العقود اللاحقة، حيث كانت تبحر إلى أقرب مسافة ممكنة من الهدف بالسرعة القصوى، من ثم تقوم بتحرير الشحنة المتفجرة وإطلاقها في اتجاه الهدف المراد تدميره، ومن ثم تفجير هذه الشحنة عن طريق زناد للتفجير متصل بالشحنة عن طريق كابل، في التوقيت نفسه الذي تغادر إلى مسافة آمنة بعيدة عن الهدف. 

الهجوم الأول الذي تم فيه استخدام هذه الزوارق كان في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 1863، واستهدف الطراد "أرونسايد"، ما أدى إلى غرقه، على الرغم من أن الزورق المهاجم نفسه عانى بعض الأضرار بسبب تأثره بالموجة الانفجارية.

نجاح هذه التجربة الذي يُعزى بشكل أساسي إلى استخدام تكتيكات التمويه الدخاني، وكذا استخدام نوع خاص من أنواع الفحم في تشغيل مراجل هذا النوع من الزوارق، تنتج منه أدخنة محدودة، ما يؤدي إلى عدم اكتشاف وجود الزورق المهاجم من جانب الطراد المستهدف إلا بعد فوات الأوان، جعل القوات الكونفدرالية تعكف على بناء المزيد من هذه الزوارق بتصميمات مختلفة أكبر وأطول في البدن.

رغم ذلك، لم يتكرر هذا الهجوم الناجح، وفشلت المحاولات اللاحقة للهجوم على قطع بحرية معادية، مثل الهجوم على حاملات الطائرات "ممفيس" في آذار/مارس 1864، والفرقاطة "واباش" في نيسان/أبريل من العام نفسه، لكن كانت هذه الفترة مدخلاً تاريخياً استقت من خلاله بحريات العالم تكتيكات العمليات البحرية الخاصة.

 

الحرب العالمية الأولى.. زوارق ألمانيا الإمبراطورية 

  • استخدام الزوارق الانتحارية تلقى دفعة كبيرة إلى الأمام خلال الحرب العالمية الأولى
    استخدام الزوارق الانتحارية تلقى دفعة كبيرة إلى الأمام خلال الحرب العالمية الأولى

 

استخدام الزوارق الانتحارية على المستوى القتالي تلقى دفعة كبيرة إلى الأمام خلال الحرب العالمية الأولى، عبر ابتكار البحرية الإمبراطورية الألمانية أول زورق انتحاري موجّه عن بعد في التاريخ العسكري، هو الزورق "فيرنلينكبوت"، وهو عبارة عن زورق بطول 13 متراً، يحتوي شحنة متفجرة ضخمة تصل زنتها إلى 700 كيلوغرام، ومزود بمحركين من تصنيع شركة "مايباخ" يعملان بالبنزين، تبلغ قدرتهما الإجمالية 210 أحصنة، ما أعطاه سرعة قياسية بمعايير ذلك الوقت تصل إلى 30 عقدة بحرية.

التطور الثوري في تصميم هذا الزورق الذي ظهر للمرة الأولى في العام 1915، جعل توجيهه يتم بالكامل عن بعد، عن طريق كابل بحري متصل بأسفله، يتم من خلاله توجيه الزورق والتحكم بسرعته واتجاهه من نقطة تمركز على الشاطئ الألماني. والأكثر إثارة هنا أن البحرية الألمانية أجرت تجارب على هذا الزورق بمشاركة طائرة كانت تزود محطة التوجيه لاسلكياً بتحديثات لمواقع السفن المعادية.

نفَّذت هذه الفئة من الزوارق التي تم تصنيع 17 زورقاً منها في الفترة ما بين العامين 1915 و1918، هجوماً وحيداً ناجحاً ضد القطع البحرية البريطانية التي كانت تحاصر السواحل الألمانية، إذ هاجم أحدها الطراد البريطاني "أيريباس" في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 1917، ما أسفر عن أضرار متوسطة في قوس المقدمة الخاص بالطراد البريطاني.

تم في أواخر العام 1918 إيقاف برنامج تصنيع هذا النوع من الزوارق بسبب كلفتها العالية ومرونتها العملياتية المحدودة، لكن دشنت هذه الحقبة أسس استخدام الأنظمة المسيّرة عن بعد في المجال البحري.

 

الحرب العالمية الثانية.. أنواع متعدّدة من الزوارق الانتحاريّة

  • اهتمت البحرية الإيطالية بتشكيل وحدات بحرية خاصة أطلقت عليها اسم
    اهتمت البحرية الإيطالية بتشكيل وحدات بحرية خاصة أطلقت عليها اسم "ماس"

 

توسّع استخدام الزوارق الانتحارية في العمليات البحرية خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت القوات الإيطالية صاحبة قصب السبق في هذا المجال، إذ اهتمت البحرية الإيطالية بتشكيل وحدات بحرية خاصة أطلقت عليها اسم "ماس"، استخدمت زوارق انتحارية تم تطويرها من الزوارق البخارية السياحية التقليدية التي كانت شائعة في ذلك التوقيت، وارتكز التطوير على المبادئ التي تم الاعتماد عليها في تطوير الزوارق المماثلة خلال الحرب الأهلية الأميركية، وأطلق الإيطاليون على هذا التطوير اسم "أم تي"، وبدأوا بالإنتاج الكمي له خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

بلغ طول هذا النوع من القوارب نحو 6 أمتار، وكان تصميمه مبنياً على تزويده بمحرك سريع وشحنة متفجّرة كبيرة في مقدمته، بحيث يتمّ توجيه الزورق باتجاه الهدف عبر عنصر بشري، ومن ثم يقوم بالقفز منه قبل اصطدامه به (هذا المبدأ ظل أساسياً في كل الأنواع التي تم تصنيعها من الزوارق الانتحارية على مدار العقود اللاحقة، وصولاً إلى النماذج التي قامت جماعة أنصار الله في اليمن بتطويرها).

لإنجاح هذا التصميم، تم تزويد هذه الفئة من الزوارق بمحرك خارجي من إنتاج شركة "ألفا روميو"، تبلغ قدرته نحو 100 حصان. وقد تميز هذا المحرك بإمكانية رفع الدفة ومروحة الدفع الخاصة به إلى الأعلى أثناء الإبحار، ما مكَّنه من تفادي الشباك المضادة للطوربيدات التي كان استخدامها شائعاً لحماية الموانئ والقطع البحرية.

بالنسبة إلى الشحنة المتفجرة، فقد بلغت زنتها 300 كيلوغرام، وتم تصميم آلية انفجارها بحيث تتم عند الاصطدام بالهدف أو بعد وصولها إلى عمق معين في حال تعطلت آلية الانفجار التصادمي. أما العنصر البشري الذي يوجّه الزورق أثناء الهجوم، فقد كان موقعه في الجزء الخلفي منه. وقد تم تصميم هذا الجزء، بحيث ينفصل يدوياً عن بدن الزورق عند اقترابه من الهدف، ما يساهم في نجاة الملاح الموجود على متنه، إذ كان يغادر موقع الهجوم عبر عوامة صغيرة كان يقوم بفتحها عقب نزوله إلى الماء.

  • توسّع استخدام الزوارق الانتحارية في العمليات البحرية خلال الحرب العالمية الثانية
    توسّع استخدام الزوارق الانتحارية في العمليات البحرية خلال الحرب العالمية الثانية

 

التجربة الأولى لهذا النوع من الزوارق الانتحارية كانت أواخر آذار/مارس 1941، حين انطلقت مدمرتان إيطاليتان في اتجاه خليج سودا شمال غرب جزيرة كريت من قاعدتهما في جزيرة ليروس الواقعة في بحر إيجة، وكانت كل مدمرة تحمل 3 زوارق انتحارية تم تثبيتها على رافعات خاصة، بهدف إطلاقها في اتجاه سفن الشحن والقطع البحرية البريطانية المتواجدة حول خليج سودا وفيه. 

انطلقت الزوارق الستة في اتجاه أهدافها، وتمكَّنت من تجاوز الشباك الدفاعية حول الخليج، واستهدف زورقان منها الطراد البريطاني الثقيل "يورك" بنجاح، ما أدى إلى تضرره بشكل جسيم وخروجه في النهاية من الخدمة. كما تم في هذا الهجوم إغراق سفينة تزويد بالوقود وسفينتي شحن بريطانيتين.

  • التجربة الأولى لهذا النوع من الزوارق الانتحارية كانت أواخر آذار/مارس 1941
    التجربة الأولى لهذا النوع من الزوارق الانتحارية كانت أواخر آذار/مارس 1941

 

النتائج الباهرة لهذا الهجوم الذي يعد الأنجح على مر التاريخ للزوارق الانتحارية، دفع البحرية البريطانية إلى إنتاج نسختها من هذه الزوارق. وبحلول منتصف العام 1943، كانت هذه النسخة قيد الاختبار ضمن تسليح وحدة خاصة تمت تسميتها "بوم باترول". وعلى الرغم من الاختلاف في معظم التفاصيل بين النسختين الإيطالية والبريطانية، فإنَّ الارتباط بالتصميم الإيطالي كان واضحاً.

الفكرة البريطانية كانت تقتضي أن يتم إنزال الزورق الانتحاري إلى الماء عن طريق إسقاطه بالمظلة عن متن قاذفة من طراز "لانكستر"، ثم التوجه نحو الهدف بسرعة كبيرة تصل إلى 40 عقدة بحرية، ثم مغادرة الملاح الزورق بطريقة التصميم الإيطالي نفسها، لكن التجارب الأولية على هذه الفكرة أوضحت أن المخاطر التي تكتنفها كبيرة للغاية ما بين إمكانية رصد القاذفة وإسقاطها، نظراً إلى تحليقها على ارتفاع منخفض أو حتى إمكانية ضرب الزورق أثناء هبوطه بالمظلة نحو الماء، فتم التخلي عن الفكرة بشكل سريع، ولم تدخل إلى الميدان العملياتي بشكل فعلي.

  • الفكرة البريطانية كانت تقتضي أن يتم إنزال الزورق الانتحاري إلى الماء عن طريق إسقاطه بالمظلة
    الفكرة البريطانية كانت تقتضي أن يتم إنزال الزورق الانتحاري إلى الماء عن طريق إسقاطه بالمظلة

 

من جانبهما، كانت لألمانيا واليابان إسهامات مهمة في هذا المجال أيضاً خلال الحرب العالمية الثانية، فقد أنتج سلاح البحرية الألماني الزورق الانتحاري "لينس"، الذي كان تصميمه أبسط من التصميمات الإيطالية، حيث كان موقع الملاح في منتصف القارب تماماً، وكان محرك الزورق محركاً مخصصاً للسيارات، وكانت آلية الهروب من الزورق تقتضي أن يقفز الملاح من الزورق أثناء تحركه، لكن اتسمت آلية التوجيه بنقطة ثورية تم تطبيقها أيضاً في الآليات الألمانية المتحكم بها عن بعد، وهي أن يستمر توجيه الزورق الانتحاري بعد مغادرة الملاح له، وذلك عبر التحكم لاسلكياً به من زورق مرافق، يتم من خلاله أيضاً إنقاذ الملاح بعد نزوله إلى الماء. لم يُكتب النجاح لهذا التصميم على المستوى الميداني، نظراً إلى بطء حركته.

  •  أنتجت اليابان نوعين من أنواع الزوارق الانتحارية
    أنتجت اليابان نوعين من أنواع الزوارق الانتحارية

 

أما في ما يتعلَّق بالبحرية الإمبراطورية اليابانية، فقد كانت تجربتها مهمة في هذا المجال خلال فترة الحرب العالمية الثانية، إذ أنتجت نوعين من أنواع الزوارق الانتحارية؛ الأول كان مخصصاً لتسليح القطع البحرية، وتمت تسميته "شينيو"، والثاني كان مخصصاً لخدمة وحدات الجيش، وتمت تسميته "مارو – ني".

هذان الزورقان كانا ضمن تطبيقات الجيش الياباني لمبدأ "الكاميكازي"، إذ لم يكن كلا التصميمين يحتوي آلية لهروب الملاح قبل الاصطدام. فكرة تطوير مثل هذه الزوارق بدأت بالتبلور لدى قيادة البحرية اليابانية أواخر العام 1943، وبدأت في آذار/مارس 1944 بإنتاج مئات الزوارق من كلا النوعين، وكانت في البداية تستخدم الفولاذ في صناعة بدنها، لكن نظراً إلى النقص في الموارد، تم التحول إلى مادة الخشب كي تكون المادة المستخدمة في التصنيع، وتم تثبيت الشحنة المتفجرة في القوس الأمامي لهذه الزوارق.

من الأمور اللافتة في تطوير اليابان لهذه الزوارق، حقيقة أنَّ محركاتها كانت صناعة أميركية، فقد أمَّمت الحكومة اليابانية في بدايات الحرب العالمية الثانية مصنعاً للسيارات تابعاً لشركة "شيفروليه" الأميركية كان موجوداً على الأراضي اليابانية، وتمكنت من خلاله من إنتاج المحركات التي تم تزويد الزوارق الانتحارية بها، والتي وفرت لها سرعة قصوى تصل إلى 30 عقدة بحرية، وكانت هذه السرعة تزيد بشكل أكبر في اللحظات الأخيرة قبل اصطدام هذه الزوارق بأهدافها، نتيجة لاستخدام صاروخين من عيار 120 ملم لدفع الزوارق بشكل أكبر نحو أهدافها.

تم تصنيع نحو 9 آلاف زورق انتحاري ياباني خلال الحرب العالمية الثانية، وتم استخدام نحو 400 زورق منها بشكل ميداني، في حين تم تخزين البقية لاستخدامها في مواجهة السفن الحربية للحلفاء، والتي كان يتوقع أن تهاجم الأراضي اليابانية.

تمكّنت الزوارق اليابانية خلال الفترة ما بين العامين 1944 و1945 من إغراق وإعطاب 21 بارجة حربية تابعة لقوات الحلفاء، لتصبح بذلك الزوارق الانتحارية الأكثر فعالية على مدار التاريخ العسكري، نظراً إلى مرونتها العملياتية، حيث كان يثبت عليها أيضاً رشاشات متوسطة تمكن طاقمها من تقديم الدعم الناري للسفن الحليفة، كما أن الشحنات المتفجرة التي كانت تحملها كانت مصممة للانفجار تحت سطح الماء وعلى أعماق ضحلة، ما كان يتسبب بأضرار بالغة في السفن المعادية، وخصوصاً في المناطق الغاطسة من بدنها، ما كان يصعب كثيراً من المحاولات الميدانية لإصلاحها.

 

الزوارق الانتحارية في الشرق الأوسط والبلقان وسيرلانكا

  • التجربتان الإيطالية واليابانية في الحرب العالمية الثانية كانت ملهمة لعدة بحريات
    التجربتان الإيطالية واليابانية في الحرب العالمية الثانية كانت ملهمة لعدة بحريات

 

كانت التجربة الإيطالية واليابانية في الحرب العالمية الثانية في مجال استخدام الزوارق الانتحارية ملهمة لعدة بحريات في الشرق الأوسط وآسيا من أجل تطبيق المبدأ نفسه. مثلاً، تمكّنت البحرية الإسرائيلية من الحصول على أعداد من الزوارق الانتحارية الإيطالية، واستخدمتها لفترة وجيزة خلال حرب فلسطين لتهديد السفن الحربية المصرية، وعادت خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 إلى استخدام الزوارق الانتحارية، وذلك عبر زوارق طورتها محلياً منذ العام 1969 تحت اسم "باتزيشان"، عن طريق تعديل بعض الزوارق الهجومية السريعة التي تمتلكها، بحيث يتم تزويدها بعبوة ناسفة زنتها 300 كيلوغرام، ويقوم ملاح بتوجيه الزورق إلى هدفه اعتماداً على توجيه من زورق مصاحب له، يقوم بعد ذلك بانتشال الملاح بعد أن يقفز من الزورق الانتحاري أثناء توجهه إلى هدفه، لكن التجارب العملياتية لهذه الزوارق لم تكن ناجحة، وأشهرها محاولة تمت في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1973، للإغارة على قاعدة لنشات الصواريخ المصرية في مدينة الغردقة.

  • من النماذج التاريخية لتطوير الزوارق الانتحارية ما قامت به إيران
    من النماذج التاريخية لتطوير الزوارق الانتحارية ما قامت به إيران

 

من النماذج التاريخية الأخرى لتطوير الزوارق الانتحارية، ما قامت به إيران خلال فترة حربها مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، حين طورت زوارق سريعة مزودة بعبوات ناسفة، كما قامت كرواتيا خلال حرب استقلالها عن يوغسلافيا بمحاولات لصنع زوارق انتحارية، مثلها في ذلك مثل متمردي "نمور التاميل" في سريلانكا، الذين نجحوا في صناعة زوارق انتحارية خاصة، تمكنوا من خلالها طيلة فترة الحرب مع الجيش السريلانكي، التي امتدت منذ العام 1983 وحتى العام 2009، من إغراق عدة قطع بحرية وإعطابها.

 

التجربة اليمنية 

  • نفذّت جماعة أنصار الله سلسلة من الهجمات عبر الزوارق قابلة السواحل اليمنية
    نفذّت جماعة أنصار الله سلسلة من الهجمات عبر الزوارق قابلة السواحل اليمنية

 

منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، هاجم زورقان انتحاريان منصة تفريغ المشتقات النفطية العائمة قبالة ساحل مدينة جيزان في الحد الجنوبي السعودي. وقد أدى اعتراض هذين الزورقين وانفجار الشحنات المتفجرة الموجودة على متنهما إلى أضرار في التجهيزات التابعة لهذه المنصة. 

أما قبالة السواحل اليمنية فقد نفذّت جماعة أنصار الله سلسلة من الهجمات، كانت بدايتها الفعلية أواخر كانون الثاني/يناير 2017، حيث هاجم زورق مفخخ من هذا النوع فرقاطة من فئة "المدينة المنورة" تابعة للبحرية السعودية، معيداً إلى الأذهان تجربة الهجوم الذي شنّه تنظيم "القاعدة" على المدمرة الأميركية "كول" في ميناء عدن اليمني أوائل العقد الماضي.

بشكل عام، تمتلك جماعة أنصار الله 3 نماذج من الزوارق الانتحارية المتحكّم بها عن بعد. الأول ظهر للمرة الأولى خلال الهجوم على الفرقاطة السعودية، وكذلك في هجمات أخرى تم شنها في العام 2017، استهدفت منصة نفط سعودية وقطعاً بحرية إماراتية، وهو عبارة عن زورق سريع يتم التحكم به عن بعد، ويبلغ طوله نحو 10 أمتار، ويمتلك محركين يوفران له سرعة قصوى تبلغ 45 عقدة في الساعة، وتم تزويده بشحنة متفجرة تبلغ زنتها 450 كيلوغراماً، يعتقد أنها مستخرجة من صواريخ "ستايكس" السوفياتية المضادة للسفن التي امتلكتها البحرية اليمنية في ما مضى.

  • الزوارق المفخّخة اليمنية أحيت تكتيكات الهجوم الانتحاري على القطع البحرية المعادية
    الزوارق المفخّخة اليمنية أحيت تكتيكات الهجوم الانتحاري على القطع البحرية المعادية

 

النموذج الثاني ظهر للمرة الأولى في أيار/مايو 2018، حين حاولت 3 زوارق مفخخة الهجوم انطلاقاً من ميناء الحديدة اليمني على قافلة تضم 3 ناقلات نفط وقطعتين حربيتين سعوديتين. 

هذا النموذج مصنّع من الألياف الزجاجية، وتبلغ سرعته 30 عقدة في الساعة، ويستخدم بشكل أساسي في بث الألغام البحرية، لكن لوحظ من منتصف العام 2018 استخدامه في الهجمات الانتحارية على السفن في البحر الأحمر، عن طريق تجهيز عبوات ناسفة داخل بدن الزورق، ومن ثم توجيهه بطاقم بشري في اتجاه الهدف المراد تدميره، ومن ثم يغادر الطاقم المكون من فرد أو فردين الزورق أثناء تحركه، بعد أن يقترب مسافة كافية من الهدف.

هذان النموذجان من الزوارق المفخّخة أحيا مرة أخرى تكتيكات الهجوم الانتحاري على القطع البحرية المعادية، والتي كانت أغلب جيوش العالم قد تخلَّت عنها منذ سبعينيات القرن الماضي، وأثبتا أنها ما زالت صالحة للاستخدام المعاصر، وهو ما يفتح باباً جديداً أمام عودة إنتاج أنواع مختلفة من الزوارق الانتحارية على مستوى العالم خلال السنوات المقبلة.

محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

إقرأ للكاتب

تحدّيات شرق المتوسّط.. أثينا تعيد التسلّح

رغم التحدّيات الماليّة واللوجستيّة، وفي ظلّ تصاعد التوتّر بينها وبين أنقرة، تسير أثينا حثيثاً في...

الاشتباكات الحدوديّة بين السودان وإثيوبيا.. مخلّفات الاستعمار

تعود خلفية الاشتباكات الحدودية الأخيرة بين السودان وإثيوبيا إلى حقبة الاستعمار البريطاني التي تم...

الحظر التّسليحيّ الغربيّ على أبو ظبي والرّياض.. ما الحقيقة؟

تبقى الخطوات الغربية في مجال حظر التسليح على الرياض وأبو ظبي ضعيفة لاعتبارات اقتصاديّة وبسبب...

الألغام البحريَّة.. الأسلحة الزهيدة تطفو من جديد

عادت التهديدات الناجمة عن الألغام البحرية بقوة في السنوات الأخيرة، ليبقى هذا السلاح الأقل كلفة...

"إسرائيل" وإثيوبيا … علاقات عسكرية متصاعدة والهدف هو أفريقيا

كانت المساعدات العسكرية هي الأداة الرئيسية التي اقتحمت بها "إسرائيل" الساحة الإثيوبية، وذلك...

"الرسول الأعظم - 15".. مخاوف تل أبيب تتصاعد

مخاوف تل أبيب من القدرات الصّاروخية لحركة أنصار الله في اليمن تعزّزت بشكل أكبر من خلال مطالعة...