الثورات... شروط ومصطلحات

ما هي شروط ومصطلحات الثورة منذ أرسطو وحتى اليوم؟ هل يمكن قيام ثورة في المجتمعات الطائفية والمذهبية والإقطاعية أم أن الثورة يجب تقوم لتغيير بنية هذا المجتمعات؟ لبنان وبلاد العرب أمام انتفاضات أم حراكات أم ثورات؟ وهل من ثورة لا تتكئ على فكر وفلسفة؟

المحور الأول:

غسان الشامي: أحييكم، ليست الثورة فكرة أو عملاً طارئاً على البشرية، كما أن الثورات الكبرى في التاريخ الإنساني أُشبعت بحثاً فيما أرسطو يصف منذ القرن الرابع قبل الميلاد الثورة بأنها تغيير كامل من دستور إلى آخر أو تعديل دستور موجود، بينما التوصيف المعاصر يبدو أكثر جذرية ويعني التغيير الشامل، وللثورات الكبرى مصطلحات وأفكار اتكأت على فلسفات تغييرية للمجتمع والدولة، فهل هذا ما يحصل في بلادنا؟ بات الصُراخ بكلمة "ثورة ثورة ثورة" سهلاً للغاية لكن هل من متّكأ معرفي لها في ما يحصل حالياً في لبنان؟ وهل الثورة ممكنة في بلد طائفي ومذهبي وعائلي وعشائري؟ وعلى مَن وكيف؟ هذا ما سنناقشه مع الدكتورة هدى نعمة رئيسة قسم الفلسفة سابقاً في جامعة الروح القدس الكسليك وأستاذة كرسي كمال يوسف الحاج الفلسفي في الجامعة حالياً ولكن بعد تقرير عن الثورات الكبرى في التاريخ.

تقرير: 

ليست الثورات حكراً على شعب أو ثقافة بل تندلع عندما يطيح الظلم والجوع والقهر مستقبل أي شعب، والتاريخ القديم شاهد على ثورات كثيرة منها ثورة العبيد التي قام بها المُصارِع سبارتاكوس وكادت تُسقط روما القديمة. 

الثورة الفرنسية التي انطلقت عام 1489 واحدة من أشهر الثورات لأنها أطاحت الحُكم الملكي المطلق وأعدمت الملك، وأصدرت إعلان حقوق الإنسان والمواطنة ورفعت شعار الحرية والمساواة والأخوَّة، وأطلقت التنوير وألغت الامتيازات الإقطاعية والأرستقراطية والدينية، وبات لعموم الناس والفلاحين دور فاعل.

اتكأت الثورة على مفكّرين مثل فولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو، وفي الوقت عينه شابتها ديكتاتوريّة روبسبيار التي أسفرت عن قتلى كثيرين. 

أما الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 فقادها لينين لإقامة دولة شيوعية أطاحت القيصر ونجمت عنها حرب أهلية أفضت إلى إنشاء الاتحاد السوفياتي على أسس ماركسية لينينية، وذلك انطلاقاً من أهداف القضاء على الإقطاع والرأسمالية وتحقيق الإشتراكية والمساواة بين أفراد الشعب.

الثورة الإسلامية الإيرانية إحدى أحدث الثورات أطاحت الحُكم الملكي الشاهنشاهي وحوّلت إيران إلى جمهورية إسلامية بقيادة آية الله الخميني عام 1979، وجاءت بدستور جديد انطلاقاً من شعاراتها "حرية، استقلالية، جمهورية إسلامية".

طبعاً هناك ثورات لافتة مثل الثورة الكوبية والهاييتية والإنكليزية والأميركية والصينية وثورة مصر والسوادن والثورة التي قادها غاندي.

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، تحية لكِ دكتورة هدى نعمة، أنا بحثت كثيراً كي أجد مفكّراً فيلسوفاً معنياً بالفلسفة لمُقاربة ما يحصل، وبحكم متابعتكِ الحثيثة لما يجري وجدت أنكِ خير مَن يمكن أن يقمّش ما يحصل الآن في هذه البلاد، سيّدتي كما قلنا أرسطو هو مُعلّم الإسكندر المقدوني وصّف هذين الشكلين من الثورات، التغيير الشامل من دستور إلى دستور، كلمة دستور في العام 400 قبل الميلاد كانت مُلفتة أو تعديل هذا بهذا، هل هناك صدىً لهذا التعريف على ما يحدث في لبنان؟  

هدى نعمة: بدايةً مساء الخير وسأتوقّف عند كلمتين، هناك مفكّرون كثيرون في لبنان ولكن يجب أن تجدهم شاشات التلفزة لأنهم يأتون الآن بالمُنظّرين الذين يتجاوبون مع رياح ما يجري في البلد بدلاً من تصحيح المسار. أنا أحيّي الناس التي شاركت في الثورة.

غسان الشامي: أنتِ وصفتيها مباشرة بأنها ثورة.  

هدى نعمة: أنا لا أستطيع أن أعطي إسم ثورة أو صفة ثورة لما يجري ولكنني أجاري الناس، وجدت لديهم الألوان الجميلة، وجدت لديهم الرسوم

 

 والأفكار، وجدت لديهم الإبداع، وجدت عند قسم منهم طهارة، براءة، عنفوان بأنهم ذاهبون نحو التغيير، يريدون الإصلاح والتغيير فلا نستطيع أن ننتزع منهم هذه الصورة الجميلة. حالياً اختلفت المقاييس والمفاهيم في الشارع اللبناني الذي استقبل أحداً لم يُعرف بين مزدوجين وما يُراد له أن يكون ثورة، الثورة بمفهومها كما تفضّلت وقلت من أرسطو إلى اليوم هي ثورة إذا لم يرعها فكر واحتضنتها فلسفة معينة لأن الثورة إذا أخذناها بأصلها الفرنسي أو الغربي هي الرجوع إلى الوراء والعودة من نقطة الانطلاق، إذا أردتَ أن تعود إلى نقطة الانطلاق يجب أن تراجع حساباتك وتعرف لماذا أخفقت ولماذا ستثور ضد النظام القائم وماذا لديك بالمقابل غير المطالبات التي جرى تسخيفها في ثورة لبنان، هناك فئة في الانتفاضة تطالب بالحد الأقصى من المطالب وفئة أخرى تطالب بالحد الأدنى، ولا توجد وحدة في الرؤية أو في النظر، تركوا الساحة للتعبير الحر الذي جاء بسلسلة من الشتائم والتحدّي والفجور، مع هذا كله يحق للشعب أن يعبّر ولا يُلام إذا لم يُحسِن التعبير لأن الشريحة الأكبر من الشعب تعود إلى ال 20 أو ال 25 سنة الأخيرة من لبنان أي أن هناك فئة قليلة من صغار السن ومن كبار السن. خلال هذه ال 25 سنة تم تنظيم تربية التخريب في لبنان، جرى تنظيم كل ما حصل في لبنان إن كان من ناحية التعليم أو التريبة أو الحياة الاجتماعية، أخذت طابعاً من الخطأ وتراكمت الأخطاء ووجد الناس أنفسهم في الخطأ وأرادوا الخروج منه، خطأ على الصعيد الوطني، على الصعيد التربوي، على الصعيد الاقتصادي، على الصعيد الانتمائي، لا يوجد لبنان واحد بل عدّة لبنانات فحصل الانفجار. أما إذا أردنا أن نتحدّث عن الثورات التي أعطت المؤدّى الفلسفي والفكري فهي غير موجودة وغائبة. 

غسان الشامي: فكرياً وفلسفياً هناك مَن يقول هذه ثورة وهناك مَن يقول هذا حراك وهناك مَن يقول انتفاضة، توصيفات، وهذا دليل أيضاً على الارتباك الحاصل في تلمّس ما يحصل، ما هي شروط الثورات فلسفياً؟ 

هدى نعمة: سأعطيك مثالاً يشبه ما يحصل عندنا بالنسبة إلى الثورة التي غيّرت وجه العالم وهي الثورة الفرنسية، هذه الثورة بدأت في القرن السادس عشر، خرجت كتابات حضّرت الناس وحضّرت ذهنيّاتهم للتغيير من إيراسم إلى مونتسكيو، كتاب "آداب الجمهورية"، الرسائل والقوانين عند مونتسكيو.     

غسان الشامي: فولتير، نقد السلطة الدينية.

هدى نعمة: نقد السلطة الدينية كان واضحاً، نقد التحالف القائم بين الكنيسة الكاثوليكية وسلطة الملوك، السلطة المطلقة. بدأ فولتير يطالب للمرة الأولى قبل العولمة بإنسان العالم، أسقط كل الحدود التي قد تفصل إنساناً عن إنسان، ومن ثم جاء روسو بمفهوم العقد الاجتماعي ثم تقدّمنا حتى وصلت الثورة إلى مكان استطاعت فيه تحقيق مطالب كان يُعمل عليها ولها نخبة من المفكّرين والفلاسفة والمنظّرين والتطبيقيين إلى أن وصلت إلى الانفجار وأودت إلى الجمهورية، إذاً بإمكانك أن تعتبر أن كل هذا الفكر توصّل إلى قطف ثمار الثورة في العام 1905 حين ثبّت إيميل كومب الجمهورية الفرنسية العلمانية بكل جوانبها. نحن اليوم نستخدم ما تربّينا عليه ونستورد من الخارج، لكي تنطلق ثورة في لبنان يجب أن تكون لها نخبة تحضّر لها، فلاسفة ينمّون أرضيّتها، رجال قانون يضعون أطرها، هذا غير موجود ولهذا السبب يُخشى من الشارع المُرتِبك المدّعي الثورة أن يعبّر عن نقمة والأمور كما تحصل في عالمنا، في محيطنا وفي بلدنا قد تتجاوزهم وتتجاوزنا أيضاً.   

غسان الشامي: أنتِ ذهبتِ مباشرة إلى التوصيف المعاصر لا بل أحياناً هناك توصيف شعبوي للثورة، التوصيف المعاصر للثورة هو التغيير الشامل في كل السلطات الحكومية، تكاد لا تكون ثورة بل مفهوماً انقلابياً.    

هدى نعمة: هناك بعض المعاجم التي تعتبر الثورة انقلاباً على النظام القائم، إذا اتفقنا على أنها كذلك أين رجالاتها؟ أين مفكّريها؟ أين الذين سيكتبون التاريخ الثاني؟ أين وزارات التربية والتعليم العالي؟ أين هؤلاء الذين يؤهّلون المجتمع لكي يستطيعوا اكتساب التغيير أي يعرفوا معنى أن تغيّر وتنقلب على النظام. قبل المسيح كان لدى أرسطو ثمانية كتب، الكتاب الخامس أسّس كيف تكون الثورة، أين لدينا مفكّرين أسّسوا للثورة خارج الجنون الذي بدأ في الربيع العربي في 2010 وهذه بعض نتائجه.  

غسان الشامي: هل هذا من تبدياته لأن الثورة بالمفهوم الشعبي هي الانقضاض على الحكّام بغضّ النظر عن الحكّام، وهذا يمكن أن يؤدّي بما حصل وتحديداً كما حصل في محيط لبنان محاولة ضرب الدولة وليس تغيير النظام، هناك فرق بين الدولة والنظام، هل ترين أن مجتمعنا أقرب إلى النموذج الانقلابي منه إلى النموذج الثوروي؟

هدى نعمة: أتصوّر أننا أقرب إلى النموذج الانقلابي منه إلى النموذج الثوروي الذي يقوم بثورته من دون أن يمسّ بالبنيان الكياني للدولة، اليوم أنت تنقضّ على الحكّام لأسباب، في كتاب أرسطو وحتى في العقد الاجتماعي الخاص بروسّو، لماذا تصبح لديك قابلية للثورة؟ لأن لديك انتظام انتخابي مشبوه، هناك مدّ يد على المال العام، لديك عدّة أسباب تتلخّص بأمر واحد هو أنه لا توجد عدالة ولا يوجد حق. عندما يشعر المواطنون بغياب العدالة والحق ينتفضون للانقلاب على النظام القائم. لا مشكلة في الانقضاض على النظام القائم في بلدنا ونقله من نظام طائفي إلى نظام علماني. ليس لديّ مشكلة على الإطلاق إذا نجح البلد في الانتقال من نظام طائفي إلى نظام علماني ولكن هنا لدينا مشكلة ثانية، أتذكّر حين كنا طلاباً نزلنا إلى الشوارع وطالبنا بالدولة العلمانية وكانت أقوى 35 سنة قبل حرب 1975 وقبل فرز الحرب الأهلية وما جرّته من ويلات حتى اليوم، كان الناس يطالبون بأمور عقلانية وفيها ما يشبه اليوم مع معرفة تامة بما يجري في الوطن وما يجري في العالم حولنا. اليوم لدينا مَن يبني كل أساليب الانقلابات والتغيير ويعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي، ما من كتاب قُرئ، لا توجد رؤية. نتمنى أن تتعقلن النقمة الكبيرة الموجودة في الشارع وأن تخرج من الانتحاب، أن تخرج من الشكوى، أن تخرج من مسألة إلقاء اللوم على الغير لأن الخطأ يقع علينا جميعاً، نستطيع جميعنا أن نحدث تغييراً فكرياً أنضج، معقلناً، يستطيع أن يوجِد مساحات حوار ويتّجه نحو علمنة معقلنة.          

غسان الشامي: هم لا يقبلون بدولة مدنية فكيف سيقبلون بدولة علمانية مع أنني لا أرى فرقاً بينهما؟  

هدى نعمة: أنا أقول إذا استطاعت الثورة أو ما يُسمّى بالثورة أو الانتفاضة على مساحة الوطن أن تقطع الأسلاك المنيعة الموضوعة بينها وبين ما يُسمّى الدولة، إذا أمكنها ذلك عبر فكر وإيجاد مساحات للقاء وللتعاطف، وأن يؤمنوا بوجود أصحاب العقول وأن يتعقلنوا سوياً وأن يمتلكوا الحكمة قد نصل من هنا حتى 15 سنة إلى تأسيس نظام علماني.  

غسان الشامي: العلمنة "حندوقة عيني" وسأعود إليها وسأعود إلى مفهوم الدولة المدنية بشكل عام، ولكنكِ أتيتِ على ذِكر الثورة الفرنسية وهي من أهم الثورات في التاريخ من دون أن نعود إلى التاريخ التسلسلي للثورات.

هدى نعمة: هناك ثورات جميلة في التاريخ مثل ثورة غاندي.

غسان الشامي: ولكن في هذه الثورة واحد من مسبّباتها هو الجوع، أتذكرين بسكويت ماري أنطوانيت؟

هدى نعمة: بالطبع.

غسان الشامي: واحد من هذه المسبّبات هو الجوع واللبناني أيضاً جائع وأغلب الشعوب في منطقتنا أيضاً تعاني من هذا الجوع، ألا يمكن في هذا العالم العربي، في لبنان تحديداً أن يترافق الجوع مع العقل أبداً؟ يعني أن تكون جائعاً وتثور وأن تكون في نفس الوقت عاقلاً ولديك فكر وتثور؟ 

هدى نعمة: أستاذ غسان أنا لن أؤكّد على مسألة الجوع لأن الجوع قادم. 

غسان الشامي: يعني نحن لا نزال في الرقيق؟  

هدى نعمة: نعم، أنا أشعر أن الجوع قادم، هذه قراءتي، البطالة، تهجير الأدمغة، تفريغ البلد، النزوح إلى آخره يستطيع أن يعطّل تفكير الناس ولكنني لن أظلم الذين شاركوا في الحراك لأنه رغم الجوع ورغم الوجع ورغم كل التداعيات القاتلة منذ سنة 1990 حتى اليوم بصورة خاصة أظهرت الوجه الأجمل والمتفائل للناس. أنا أنصح المثقفين أو الذين يعتبرون أنفسهم مرجعيات فكرية أو النخب لأنه في النهاية الثورة الفرنسية صنعتها النخب، La marche de Gandhi صنعتها النخب، الثورة البلشفية صنعتها النخب، ثورة أيار 1968 صنعتها النخب، الثورة الخمينية صنعتها النخب، ثورة مصر في العام 1919 صنعتها النخب، حتى ثورة عبد الناصر صنعتها النخب، الحركة النهضوية الفكرية في العالم العربي صنعتها أيضاً النخب ضد العثمنة وتداعياتها، فإذاً يجب على النخب أن تجري عقداً مع أهل الحراك ويساعدوهم ليعرفوا أن التغيير لا يحصل بكبسة زر ولا بالصراخ في الشارع ولا عبر المحاضرات، هذا تفكير يجب أن يكون متكرّراً وأن يكون له جنوده، كما للحراك جنود كذلك للتغيير جنود، التغيير لا يأتِ بالسياسة العقيمة ولا بالصدمات السياسية بل يجب أن يأتي عبر نخب معينة. أتصوّر أن الانقلاب ليس مشكلة كبيرة، فليراجع الذين يمسكون زمام الأمور منذ 30 سنة حتى اليوم أنفسهم ويتقرّبوا من الناس ونفهم الآخر لأن لبنان المتن لديه شعور مغاير للبنان الجنوب، الجنوب لم ينمْ، كان ينام خائفاً، اليوم يجب أن نفهم لماذا اتخذ الجنوب شعار المقاومة، لبنان الذي كان على خطوط التماس مع المخيمات الفلسطينية لم ينمْ وكان خائفاً، كل هذه الأمور إذا أخذناها وراجعناها وقرأناها قراءة واعية فإننا سنبني ثورة التغيير نحن وكل مَن تألّم في لبنان. 

غسان الشامي: دكتورة في كلامكِ إدانة لكل السنوات الماضية، الحرب انتهت في العام 1990، ألم يقرأ أحد وجع الناس منذ ذلك الوقت حتى اليوم؟ 

هدى نعمة: كلا.  

غسان الشامي: سنحاول أن نقرأه بعد الفاصل إذا سمحتِ. 

هدى نعمة: برأيي لم يقرأ أحد وجع الناس لا من الناحية الإنسانية ولا من الناحية السيكولوجية ولا من الناحية العاطفية تجاه الآخر ولا من الناحية الإيمانية والدينية.   

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل ونكمل في وجع الناس، أعزائي انتظرونا بعد الفاصل.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: تحية لكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتورة نعمة طرحتِ موضوعين أو ما يستجلب عليّ أن أطرح عليكِ موضوعين، الأول هو في سياق النهضة بمعنى أننا لم نقرأ، أنتِ تعلمين أن هذا اللبنان تأسّس قبل مائة عام بالتمام والكمال، صحيح أنه أسّسه الفرنسيون ولكنه كان يحمل حقيبة نهضوية، مئة عام لم يستطع هذا اللبنان أن يضخّ رؤىً معرفية وفلسفية لحماية نفسه اجتماعياً وثقافياً؟ 

هدى نعمة: بصراحة سواء أسّسه الفرنسيون أم لا فهذا لبناني أنا، أنا وأنت، نحن قضينا أكثر من نصف عمرنا في هذا اللبنان، وضخٌّ من المعرفة وضخٌّ من الأفكار وضخٌّ من الرؤى وضخٌّ من الأمور النهضوية التي تسبق العالم الموجود في كثير من الأماكن، هل تسمع بهم في منهاج التربية؟  

غسان الشامي: إذاً مَن أجهض التنوير؟ 

هدى نعمة: الستّة وستّة مكرّر والنصف لك والنصف لي والربع لك والربع لي. العالم العربي ككل بما فيه لبنان أليس لديه فكر؟ أليس لديه فكر سياسي؟ أليس لديه فكر صناعي وإبداعي؟ هم كثر، لن أسمّي أحداً كي لا أنسى الباقين، هناك الكثيرون، هل استطاع أحدهم أن يطال وزيراً؟ هل استطاع أحدهم وقف سيل فكر المحاصصة والفكر الطائفي؟ لنأخذ مثالاً عن الأحزاب الموجودة في لبنان منذ نشأته، قل لي إذا كان هناك فكر نهضوي أو تربوي أو سياسي متقدّم، إذا كان هناك فكر سياسي يسمح لي ولغيري المختلف أن نكون سوياً في حزب واحد ونقاتل من أجل إيديولوجية هذا الحزب، أين هو؟  

غسان الشامي: تقصدين بالمعنى الطائفي. 

هدى نعمة: نعم، كل الأحزاب طائفية وعائلية وسيأتي إبن إبن الإبن ولم يفرز لبنان، ولم تلد أية امرأة رجلاً. 

غسان الشامي: إذاً قبل كل شيء يجب الثورة على هذا النموذج.

هدى نعمة: بالتأكيد، وبكل صراحة من إبن إلى إبن إبن إلى إبن إبن إبن وبرضى الجمهور، على مَن يثور جمهورنا اليوم؟ 

غسان الشامي: هذا اللبنان لأنه لبناننا، أتذكرين جبران حين قال "لكم لبنانكم ولي لبناني". 

هدى نعمة: طبعاً.

غسان الشامي: هذا الجمهور إذا ما زال يذهب بهذه الطريقة القطيعية، للأسف أستعمل هذا التعبير، كيف يمكن أن أخرج بثورة؟

هدى نعمة: هذا جمهور قطيعي ثان، نحن نثور على مَن وعلى ماذا؟ ماذا أمتلك وماذا قدّمتُ؟ أنا أريد أن تخرج الثورة بمقترحات وبطروحات، أريد أن تطلّ على العالم ليس بالشعارات وإنما برؤية. لماذا أدرس في الكتب؟ أنت تدرس الإنكليزية والفرنسية وإذا شئتَ تدرس الصينية والألمانية وبقدر ما تستطيع أن تتعلم اللغات وتفهم ما يجري في ناصية العالم فهذا أمر جيد، ولكن إذا أردت أن أدرس تراثي هل تستطيع أن تخبرني من الصف الحادي عشر حتى الصف الثانوي ماذا يوجد في تراثي؟ 

غسان الشامي: لا شيء.

هدى نعمة: لا زلنا ندرس "قفا نبكي من ذكرى حبيبٍ ومنزل". 

غسان الشامي: نحن حتى لا ندرّس الفلاسفة ولا ندرّس أصحاب الأفكار والعقائد.

هدى نعمة: نحن أسّسنا كرسياً للفلسفة اللبنانية، يسألك الناس هل لديك فلسفة؟ أردّ عليهم بالقول وهل هناك شعب لا يفكّر؟ هل تقنعني أننا شعب لا يفكّر؟ ولكن هناك تغطية على المفكّرين في العالم العربي وليس فقط في لبنان حتى أن لبنان أفضل. هل لديك فكرة عن كتابات كمال يوسف الحاج التي تفوق ال 15 أو 20 ألف صفحة؟ هل لديك فكرة عن كتابات الأستاذ جورج قرم التي تفوق العشرة آلاف صفحة؟ لديك كتابات بولس الخوري، لديك مفكرون كثر توضع كتبهم على الرفوف لحين إيجاد أستاذ أو إثنين يدرّسونها للناس.   

غسان الشامي: اسمحي لي أن أعود إلى الثورة. 

هدى نعمة: إذا لم تدرس الفلسفة فلن تصنع ثورة، جميع هؤلاء الأولاد درسوا إصلاح عام 1997، كل هؤلاء الشباب من العقد الثالث درسوا منهاج 1997 الذي تم إصلاحه أيام رئيس الجمهورية الياس الهراوي على ما أعتقد، ألغوا منه مادة الفلسفة، في عمر ال 16 و 17 و 18 سنة يتعلم الإنسان الفكر النقدي، أنظر إليه كيف أصبح قطيعاً.

غسان الشامي: للأسف ولكن للثورات، كل الثورات في العالم مصطلحات، هذه المصطلحات هي مصطلحات ترتكز على الفكر والفلسفة، كي أبقى في سياق هذا الاختصاص الذي أحترم الذي أنتِ فيه، مثلاً كما ذكرتِ مصطلحات الثورة الفرنسية، مصطلحات الثورة البلشفية التي هي رأس المال والعدالة، حتى مصطلحات الثورة الغاندية بما فيها الثورة الشهيرة الأخيرة في إيران هي حرية، استقلالية، دولة دينية، أية ثورة في العالم تملك هذه المصطلحات. لفتني أنكِ ذكرتِ هذا الصراخ على الشاشات وغمزتِ من جانب المحللين كي لا أقول المفكرين، هل نفتقر فعلاً إلى مَن يُخرج أي حراك نقوم به من شارعيّته إلى فضاء أرحب هو فضاء بناء إنساني؟  

هدى نعمة: أنا أتمنى أن نرتقي في الشارع وأن يستعمل كلمات الحق والعدالة والصالح العام واحترام الآخر المختلف وفَهْم الآخر قبل احترامه، عليك أن تفهمه وتفهم تاريخه، أنا مع الارتقاء بهذا الشارع، بأن يستعمل مفهوم الحق والعدالة، الواجب، المسؤولية، النزاهة، الشفافية، الصراحة، معرفة الآخر، احترام الآخر، حب الآخر. نحن اليوم في ورشة، أعتقد أنه ليس من الخطأ أن يراجع السياسيون أنفسهم.

غسان الشامي: بل المطلوب أن يراجعوا أنفسهم، مَن أوصل لبنان إلى هذا هم ساسته، أيضاً كما قلتِ هؤلاء الساسة لم يأتوا من كوكب زحل بل من هنا. 

هدى نعمة: كذلك لا يستطيعون أن يأتوا بعناوين كبيرة بينما نعمل قليلاً. 

غسان الشامي: لم يعد بالإمكان.   

هدى نعمة: لا أستطيع أن أرفض التقليد السياسي ثم أفعل مثله ولكن أيضاً هناك مشكلة، إذا بقيت منزّهاً فإن الناس سوف تأكل الأخضر واليابس ولا يبقى لك شيء. الوضع يحتاج إلى انقلاب والانقلاب يستلزم دراسة، إذا اصطفّ الشارع مع النخبة فكل الناس التي تسوسنا الآن سوف ترتاح.  

غسان الشامي: ربما. أنا أريد أن أذهب أيضاً في هذا المجال، هناك قِيَم ومبادئ، الثورات قِيَم لأنها تغيير والتغيير نحو الأفضل والتغيير المتكئ على ضمائر وأوجاع الناس. لا أخفيكِ أنا مع التغيير بالمطلق ولكن موقعي كمحاور أريد أن أكون حيادياً ولكن كيف رأيتِ أو كيف نظرتِ إلى كمّ الشتائم الذي خرج؟ 

هدى نعمة: عندما بدأت ظاهرة الشتائم هذه شعرت بالخوف وتأكّدت بأن مسار الانتفاضة صعب أو الحراك أو الاحتجاج أو الثورة، لن تستطيع كسب النخب بصراحة ولكنها استمرت وأصبح لديها نوعاً ما شرعية الشارع، وأعتقد أنه في الفترة الأخيرة باتت ترتّب نفسها وتنتبه لتصرّفاتها، إعتبرْهم أبناءك في الشارع وأخطأوا ويجب أن تكون سموحاً وتساعدهم للخروج من كمّ الشتائم. من جهة أخرى من خارج النفس التربوي الذي أتحدّث عنه، لا شك أنه ليس هناك الكثير من البراءة في هذا الشارع لأن هناك بعض الرموز التي تراها في الساحة العامة وفي بعض الخيم، هذه الرموز بإمكانك أن تسمّيها رسالة تسامٍ أو لا ولكن حين تبحث عنها وتدرسها جيداً تجد أنها تعتمد أسلوب العنف والشتيمة كظاهرة فاجرة تدخل عبرها إلى الضد كأسلوب معين وهذا الأسلوب ظهر عند فئتين من المتظاهرين أتحفّظ عن ذكر أسمائهم في البرنامج. 

غسان الشامي: لا مانع لدينا مطلقاً.   

هدى نعمة: أنا لديّ مانع.

غسان الشامي: أعتقد أن الجمهور ذكي ويعلم.

هدى نعمة: الجمهور سيعلم، كانت نافرة ولكن نعود ونقول إننا يجب أن نقبل الآخر ونساعده على المطالبة بحقوقه بطريقة ألطف وتتلاءم مع وضعنا الاجتماعي. لم أجبك على النقطة الثانية.

غسان الشامي: تفضلي.

هدى نعمة: أنا مع التغيير الجذري ولكن يجب أن نفهم أن التغيير الجذري يستلزم الكثير من العمل.

غسان الشامي: معنى هذا التغيير الجذري أن لبنان السابق قد ذهب مع الريح.

هدى نعمة: سأخبرك أمراً، لبنان المرزنم لا يعنيني، رزنامة المئة سنة و150 سنة و300 سنة لا تعنيني، يعنيني لبنان التاريخ، لبنان الضارب في عمق التاريخ، لبنان الحضارة الذي هو جزء من حضارة الإنسانية الكبرى، إذا مرّ بفترة موجعة مرزنمة بين 1975 و 1990 أو ما بين 1990 و 2020 فلا شيء مخيف، اللبناني قوي وينجح عالمياً، واعٍ.

غسان الشامي: لأنه ينجح في دول فيها أنظمة.

هدى نعمة: فلنعمل سوياً من أجل بناء دولة لبنان المستقل.

غسان الشامي: نحن على السكّة. 

هدى نعمة: لأننا غير مستقلين لا في سياستنا الطائفية ولا في سياستنا الثوروية.

غسان الشامي: هل من إمكانية دكتورة نعمة لنهوض ثورات في مجتمع مشلّع طائفياً، مذهبياً، عائلياً وعشائرياً؟

هدى نعمة: هذا صعب.    

غسان الشامي: أليس من الواجب أولاً أن تكون الثورة على بنيان هذا المجتمع؟ وكيف يمكن ذلك؟

هدى نعمة: عندما تعرف بنيان المجتمع تثور عليه ولكن يظهر أنهم لا يفهمون بنيان المجتمع، ما يحصل في الشارع يُظهر عدم فَهْم عميق للبنية الاجتماعية وهذا ما قلته منذ نصف ساعة. عندما تفهم البنية الاجتماعية يمكنك أن تؤهّل لتغيير جذري عبر الحوار والتفاهم والأخذ والعطاء لأن اللبناني وأنت أدرى مني كثيراً لأنك عشت في بلاد ذات تلوُّن أكثر من لبنان وترى الفروقات أكثر منا، ولكن اللبناني هنا لا يعرف جيداً اللبناني هناك ولا يتقاسمان أكثر من التبولة والكبّة والخبز العربي والصاج. يجب أن تتداخل مدارسنا وجامعاتنا ورؤيتنا، هذا هو العلاج، أتذكّر أنه حين كان يتوفى إبن الأشرفية فلا مشكلة طالما أنها لم تطل إبن فلان، اليوم الناس نضجت، هذه أول مرحلة، لا تقبل بأن يعود الشارع إلى الحرب، هذا موقف مشرّف. كي تستطيع الوصول إلى أكثر من ذلك يجب أن يكون هناك تربية. برأيي أن أكبر موقع يجب أن تصبّ عليه التغيير وتنظّفه كما تنظَّف الطناجر هي وزارة التربية، هي الموقع الوحيد الذي يمكنه البدء بسياسة التغيير الذهني. 

غسان الشامي: أنتِ تعلمين أن هذه الوزارة تمرّ بأسوأ حالاتها دائماً لأن من يأتي إليها يكون لديه أجندات زعيمه أو مَن جعله فيها.   

هدى نعمة: بالتأكيد لأنه يجري افتتاح 45 جامعة في بلد لا يحتمل عشر جامعات، حين يكون لديك جامعة تقليدية منذ 150 سنة ولا تزال مقصّرة وتفتح جامعات جديدة مع احترامنا للجميع تفتقر إلى التراث. أستاذ غسان إفتح ورشة تغييرية على مدار عشر سنوات تعمل عليها النخب مع مَن يريد من الشارع، إذا لم تعمل بيدك فلن يعمل من أجلك أحد، نحن قادمون على جوع كبير.        

غسان الشامي: الجميع يقول هذا، "عجبت لمَن لا يجد رغيفاً في بيته ولا يخرج على الناس شاهراً سيفه". سيّدتي ببعض الحلول في الحديث خارج الهواء تكلّمتِ عن أنهم يطرحون نماذج حكومات ويأخذون كلمات لا أعلم من أيّ غيب تأتي، نريد حكومة تكنوقراط أي حكومة من أصحاب الاختصاصات ولكِ رأي في هذا أنا أحب أن يسمعه السادة الذين يشاهدوننا.   

هدى نعمة: قد لا نرضي جميع الناس ولكن منذ بدأ الحديث عن حكومة تكنوقراط أجريت اطلاعاً على معنى الخبير والاختصاصي والحوْكمة وجدت أنه حين تُسلّم عملك لخبير فذلك من أجل تنفيذ مشروعك، عندما يكون لديك مشروع في مصنع أو في شركة يقوم هو بتنفيذ المشروع، فحين تأتي بتكنوقراط سينفّذ لك مشروعك، هل مشروعك واضح كي ينفّذه لك؟  

غسان الشامي: وهل هناك مشروع أولاً؟ 

هدى نعمة: أنا سألت إذا كان واضحاً، شئت أم أبيت هناك مَن ربح في الانتخابات وشُكّل الطاقم السياسي، هل هم محقّون حتى وإن كانوا كثر ويمتلكون نصف البلد؟ ربما هم محقّون أيضاً، فليأخذوا من الإثنين لكي يكون هناك نوع من التوازن كي نقول على الأقل إننا استطعنا تشكيل أول حكومة تضمّ أناساً يتحاورون، هل هذا مزعج؟ 

غسان الشامي: من المهم تشكيل الحكومة ولكن هذا الذي يأتي بالناس لتنفيذ مشروعه ولا أعرف ما هو مشروعه، أليس هذا مشروع ديكتاتور؟

هدى نعمة: إذا شُكّلت حكومة تكنوقراط في البلد لتنفيذ مشروع أصبح ديكتاتوراً، وحينها لن يستطيع أحد وقف صاحب القرار، شئت أم أبيت هذا ما سيحصل. 

غسان الشامي: سأتجاوز الكثير من الأسئلة لأن الوقت بدأ يضيق لديّ، ما الثورة المطلوبة لبنانياً؟ ما هي ملامحها؟ ما هي الملامح المعرفية والفكرية لها؟ 

هدى نعمة: بداية اللبناني يجب أن يكون له الحق بالعيش الكريم، أن يكون لديه سلطة يثق بها، يجب أن يكون لديه ارتياح للغد بأن هناك قضاء وعدالة وأنه غير متروك، لكي يرتاح نفسياً يجب أن يكون لديه الوعي والالتزام تجاه نفسه وأن يخرج من ظاهرة الحق عليك وليس عليّ، وحتى الذي في الشارع يجب أن يعترف أنه مخطئ في مكان ما وأن يبني مع مَن يشبهه في الشارع الآخر. رابعاً يجب أن تكون هناك ظاهرة مفلسفة جديدة ونهج تربوي يعتمد على قراءات ومطالعات جديدة وتستطيع أن تخرج كما خرجت الانتفاضة من الكهف إلى العلن، أن تُخرِج المفكرين من الكهف إلى العلن وأن ننزلهم من على الرفوف ونطلقهم ليتنوّروا.  

غسان الشامي: بثوانٍ، لا يمكنكِ أن تتحدّثي عن الثورات من دون أن تذكري رجال الدين لأن أغلب الثورات كانت ضدهم، هل لديهم موقع في لبنان أم أن لبنان يحتاج إلى دولة مدنية؟ 

هدى نعمة: أنا أعتقد أن لهم موقعاً كبيراً، لا نستطيع إنكار موقع رجال الدين في لبنان وأحياناً موقعهم يجلب السلم، ولكن حين يخرج مَن يضع لك الخطوط الحمر على كل محاسبة فلن ترتاح، ولكي يرتاح رجال الدين ونرتاح نحن كمؤمنين فيكون من الأفضل أن ندخل إلى دولة علمانية متنوّرة أي عقد اجتماعي جديد.    

غسان الشامي: شكراً. ثورة، انتفاضة، حراك، ليس المهم التسمية بل المهم أن تكون القِيَم والأخلاق وأفكار التغيير الكبرى ومعها المطلبية خلف ما يحصل وإلا يمتطيها الغوغاء والمركوبون من زعماء مركوبين وشخصانيين وطائفيين. شكري الجزيل للدكتورة هدى نعمة على مشاركتها في قرع أجراس المشرق معنا، لزملائي الأعزاء والأحبّاء في البرنامج وقناة الميادين على جهدهم، أيامكم معرفة وأمان ونور، سلام عليكم وسلام لكم.