الإمام الصدر... الغائب الحاضر

تمر الذكرى الثانية والأربعون لتغييبِ الإمام السيد موسى الصدر ورفيقَيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين وكأن لسان حالنا يقول ما أحوجنا اليه اليوم، ماذا لو كان بينَنا، ماذا كان سيقول، كيف كان سيتصرَّف؟

وفا سرايا: تمرّ الذكرى الثانية والأربعون لتغييب الإمام السيّد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب، والصحافي عباس بدر الدين، وكأنّ لسان حالنا يقول ما أحوجنا إليه اليوم؟ ماذا لو كان بيننا؟ ماذا كان سيقول؟ كيف كان سيتصرّف؟ أليس من حقّنا أن نستذكره؟ أن نستحضر إرثه؟ ونردّد أقواله؟ ونرفع راياته؟ ألم يكن رجل دين غير تقليدي ورجلاً استثنائياً تخطّى دوره الساحة اللبنانية فكان مُصلِحاً اجتماعياً، مُفكّراً تغييرياً، ترك إرثاً ثقافياً إنسانياً فأرسى مدرسة قائمة على الإصلاح والحوار والانفتاح والاعتراف بالآخر. والتقريب بين المذاهب والطوائف لما فيه خدمة الإنسان ورَفْع الظلم عنه. ألم يكن السبَّاق في رَفْع شعار إسرائيل شر مُطلَق والتعامُل معها حرام، بل الأخطر من ولادة إسرائيل في هذه المنطقة هو استقرارها ودخولها في جغرافيا هذه المنطقة وفي تاريخها، فرفع من أجل ذلك راية المقاومة كما راية المحرومين. ألم يقل إنّ الطوائف نعمة، والطائفية نقمة؟ فيحضر في الذكرى محفوفاً بهالة، تطمئن إلى ما في عينيه من نقط، وما في قلبه من إيمان، وما في عقله من معرفة. أليست الأمَّة بحاجة إليه؟ أوليس من أجل ذلك لم تتحمّله الرجعية العربية ولأن بعض حكّام عرب حاقدون على الحرية والإصلاح والوحدة؟ ألسنا بحاجة إليه في أيام التطرّف والعصبيات الطائفية والمذهبية والقبلية وطُغيان الفكر التكفيري في ظل التشرذُم واستهداف كرامتنا وعزَّتنا ونعني المقاومة؟ ماذا كان سيقول في حال الهرولة للتطبيع مع قَتَلَة الأطفال والإنسان العربي؟

وفي ذكرى الغياب هو الأكثر حضوراً، ومع مَن يحتضن إرثه وقضيته مع شقيقة الإمام السيّد موسى الصدر السيّدة رباب الصدر في هذا الحوار الخاص نتحدّث عن أهمية مُكوّنات شخصية الإمام.

مساء الخير، وأهلاً وسهلاً بك سيّدة رباب في الميادين.

بدايةً، بعد 42 عاماً على تغييب الإمام، كيف تستحضر رباب الصدر الشقيقة هذه الشخصية الاستثنائية؟ إذا أردنا أن نعرِّف المشاهدين بأهمّ مكوّنات شخصية الإمام، أتحدّث بكافة النواحي الفكرية، السياسية، الدينية، والإنسانية.

رباب الصدر: إسمحي لي بداية بتقديم تحية كبيرة لقناة الميادين، بارك الله فيكم جميعاً، كلّكم مُميَّزون.

وفا سرايا: شكراً، هذا من حُسن ظنّك.

رباب الصدر: أمّا إذا أردت الحديث عن الإمام، بدايةً إسمحي لي بالحديث عن قضيته بشكل مُختَصر، ثمّ نتحدّث عن شخصيته.

الإمام مرّ على تغييبه 42 عاماً، أنا أودّ أن أسأل المسؤولين العرب الذين كانوا أصدقاء الإمام موسى الصدر، وكانوا مُقرَّبين جداً له، وكان يلتقي بهم من أجل إصلاح العرب وحل مشاكل العرب، ما الذي فعلوه وقدَّموه؟ وما الذي جرى؟ وعندما راجعناهم وتحدَّثنا معهم مع الأسف هذا الجرح 42 45 لا تعتقدي أنّه سيُغلَق، بل سيبقى مفتوحاً طالما هو غائب، ولم يُكشَف مصيره. هذه قضية أبدية طالما نحن على قَيْد الحياة سنبقى معها.

وفا سرايا: سيّدة رباب لأنّ قضية الإمام موسى الصدر ورفيقيه تحديداً هي ليست قضية غَدْر وخَطْف واغتيال، نحن نتحدَّث عن قضية إنسانية ووطنية جامِعة. ولأنك بدأت بهذا الشق، واستبقت عليّ السؤال الثاني، هل سيبقى هذا الملف من دون خواتيم أو نهاية لكشف الحقيقة؟ أم لديك يقين أنه سنصل إلى حقيقة تغييب الإمام؟

رباب الصدر: أنا الآن سألت هذا السؤال، لكنني أعتقد وبإيماني بالله وبالطبيعة والكون أكيد ستظهر وربما تظهر أبشع الأعمال بهذه القضية التي لا يتحدَّث عنها، لكن ستظهر فضيحة ما الذي فعلوه، مَن يخفي ولم يتحدَّث. لذلك نحن اتّكلنا واعتمدنا على الله، وليس لدينا أية وسيلة أخرى سوى الصبر.

وفا سرايا: هل هناك أية مُعطيات جديدة بهذا الشق التحقيقات خصوصاً بعد مقتل القذافي ومرور تسع سنوات سيّدة رباب؟

رباب الصدر: أبداً محامون يعملون، باحثون يعملون، أصدقاء يعملون، لم يظهر أي شيء. أستطيع أن أقول لك عندما غُيِّب الإمام كان لبنان بأضعف حالاته، وكانت هناك حرب أهلية ولا يمكن أن يحدث أي أمر. بعدها توقّفت الحرب، وجاء رؤساء أقوياء الرئيس بري شخصياً يهتمّ بهذه القضية، ومحامون يهتّمون. المشكلة ليست هنا هذه مشكلة عالمية، ومشكلة عربية أنا دائماً أقول هذا الكلام. العرب للمرة الأولى يتّفقون على شيء، هم لا يتّفقون اتّفقوا على ألا يتحدّثوا بقضية الإمام لم يُصرِّح أحد ما الذي جرى ولِمَ جرى ومتى تُكشَف؟

وفا سرايا: أفهم من هذا الكلام سيّدة رباب، أنت تقصدين بأنّ كلّ هؤلاء الحُكَّام تآمروا في مكانٍ ما على تغييب قضية الإمام وعلى تغييب الإمام موسى الصدر؟

رباب الصدر: أنظري إذا أردنا تسميتها مؤامرة يعني سكوت سكوت عن القضية، لا أعرف نُسمِّيها مؤامرة، نعم مؤامرة، لكن مَن هم على عِلم، ويعرفون وسكتوا سكتوا.

وفا سرايا: بعض الحُكَّام لديهم مُعطيات ما الذي جرى بهذه القضية؟

رباب الصدر: أنا على يقين، أنا أكيدة أنّ الحُكًّام العرب يعلمون ما الذي جرى منهم؟ ذهبوا من هذه الدنيا ودفنوا هذه الحقيقة معهم، ومنهم مازال موجوداً ولا يريدون الكلام.

وفا سرايا: ما هي آخر المعلومات التي وصلتكم في هذه القضية؟

رباب الصدر: لا شيء حبيبتي، لا شيء دعينا لا نكون عاطفيين، بل نكون واقعيين جدّيين، نحن لم تأتنا معلومة لنبني عليها أن نعتبر هذه المعلومة تدلّ على أنّ الإمام موجود هنا، لا يوجد كلّها تركيبات كلام.

وفا سرايا: سيّدة رباب على أمل أن تصل هذه القضية كما قلنا الإنسانية والوطنية إلى الخواتيم ومعرفة وكشف الحقيقة. وهنا نستحضر السيّد والإمام موسى الصدر بشخصيّته الإنسانية والاستثنائية ورؤيته الواسعة، كذلك الفكرية والدينية. كيف نستحضره اليوم؟ وكيف تستحضرينه شخصياً أنت كشقيقةٍ للإمام موسى الصدر؟

رباب الصدر: الإمام ليس شخصية واحدة، ربما تعبيري ضعيف باللغة العربية، الإمام ليس رجل دين فقط، هو رجل سياسة، رجل مجتمع، رجل مقاوَمة. الإمام هو إنسان كامل الله خلقه إنساناً، والله أنعم عليه بذكاءٍ خارِق وقُدرات عالية جداً، واستطاع خلال فترة قصيرة 19 عاماً قام بكل هذه الأعمال ما بين 19 و20 عاماً، أنجز كل هذه الأعمال، وترك البصمات الكبيرة بين الناس، والشعوب، والطوائف، وبين الرؤساء، وبين الشخصيات.

وفا سرايا: صحيح، ولذلك نحن نفتقده اليوم، وذكرنا في المُقدِّمة. ماذا لو كان بيننا كيف كان سيتصرَّف اليوم ونحن بأشدّ الحاجة إليه؟

رباب الصدر: تأكّدي لو كان بيننا لما كانت الأمور وصلت إلى هذا الحد، أنا أقول لك بكل تأكيد إن كان الإمام الصدر حاضراً بالأحداث والمشاكل اللبنانية لما حصلت، يمنع ولا يسمح. لو رأيت كيف تحرَّك أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن أحد يراه ليلاً نهاراً، كان يتحرّك ويتنقّل من مسؤولٍ إلى مسؤول، من مسؤولٍ إلى مسؤولٍ في البلاد العربية، أيضاً والشخصيات العربية رؤساء العرب الأحزاب اللبنانية التي كانت مُتنازِعة، السيّد ما كان مُمكناً أن يترك نزاعاً وهو يتفرَّج أبداً.

في إحدى الليالي العسيرة عندما اشتدّ القتال والقصف استيقظنا صباحاً، شاهدت وجهه أصفر لم يكن نائماً قلت له ماذا سنفعل؟ إلى أين نذهب؟ قال لي تخيَّلي هذه الغرفة، فيها أربعة جدران هذه الجدران مُتنازِعة مع بعضها، ما الذي يحصل؟ قلت له يا ساتر يا رب ما هذا الجواب؟ قال لي لا هناك سقف، الله موجود.

وفا سرايا: أمله الخلاص.

رباب الصدر: الله موجود، لا يمكن أن ينجحوا بإنهاء لبنان، انظري إلى هذا التأكيد لا يُمكن أن ينهوا لبنان، لبنان باقٍ، وإن شاء الله كل الأمور تتحسَّن، لكن علينا أن نتحمَّل.

وفا سرايا: سيّدة رباب في ظل هذا المشهد القاتِم، وسأستطرد برأيك الخاص اليوم لما نعيشه في لبنان والخطاب المذهبي الطائفي التحريضي الذي قال الإمام المُغيَّب الطائفة نعمة والطائفية نقمة. اليوم كيف تصفون هذا المشهد؟

رباب الصدر: أنا عادة أبتعد عن السياسة، وهذا الجواب قد يكون سياسياً. دوري كمواطِنة لبنانية يجب أن أدلي برأيي، وأتحدَّث كلّ ما يحصل مرفوض مرفوض، أنا أودّ القول بجرأة قياداتنا، سياسيينا، حُكّامنا، ليسوا على قَدْر الحْمِل بكل صراحة لأنّهم إن كانوا غير قادرين على الجلوس مع بعض للتفاهُم لحل أصغر القضايا، كيف يكونون حُكَّاماً ومسؤولين؟ أنت تخيَّلي أباً في العائلة، تحدث مشكلة، يحلّ مشكلة عائلته وأولاده وزوجته. حُكَّامنا مثل أبائنا، رؤساؤنا مثل أبائنا،  ننظر إليهم بهذا الشكل. نحن ننظر إلى حُكَّامنا أنهم أباؤنا، هم مَن سينقذونا. لكن يظهر أنهم لا يستطيعون فعل شيء. هل يمكن أن يحدث أسوأ من ذلك بنا وفوق كل هذا أتت كورونا؟

وفا سرايا: منذ السابع عشر من تشرين أتى انتشار جائِحة كورونا سيّدة رباب والمُعضِلة الأكبر أو الفاجِعة الأكبر كانت الزلزال الكبير الذي حدث في مرفأ بيروت. هل أنت مُتفائِلة  لبنان قادِر على تخطّي كل هذه الصعوبات؟ وما هي الخيارات التي لدينا الآن في ظلّ هذه المنظومة التي تحدّتث عنها؟ حُكَّام غير قادرين على تحمّل مسؤولية هذا الشعب.

رباب الصدر: أصلًا أنا إنسانة مُتفائِلة، أنا أرى الحياة جميلة، وأعتقد أنّ المشاكل يمكن أن تُحلّ بأية طريقة، أنا مُتفائِلة مُتفائِلة. بالنهاية لبنان ستُحلّ مشاكله، لكن هنا من داخل قلبي يؤلمني سأتحدَّث كلمتين بالسياسة. الحراك المدني الذي حصل كان حلماً حلماً حلماً أول يوم ثاني يوم وثالث يوم خلاص، لم يعد هناك حراك بل سياسة.

وفا سرايا: سُرِق؟

رباب الصدر: نعم دخلت دول، ووزَّعت وسائل وساندويشات وحلويات وغيرها، تغيَّرت كلياً كلياً. بدايةً الأمر كنّا مُتعجّبين لأن لم يؤيِّد الجميع الحراك، تراهم فهموا ما الذي سيحصل؟ فعندما رأينا خُرِّب ولم يفعلوا شيئاً، وتابعوا في تلك الأيام قبل انفجار المرفأ انظري ماذا حصل؟ متاجر ومحلات هُدِمَت رزق وحياة وجنى عُمر الناس خسروه، هل تعلمين أنّ الأسكوا تقول إن 55 بالمئة من المجتمع اللبناني باتوا تحت خط الفقر المنطقة التي دُمِّرَت هي منطقة من أفخم المناطق؟ ما الذي بقي منهم الغني والفقير؟ كلهم راحوا مَن يستطيع أن يُعوِّض لأنّه إن كان المجتمع مرتاحاً وغنياً يبقى الوطن وبلد غني ومرتاح.

وفا سرايا: سيّدة رباب هل تعتبرين أنّها شكل من أشكال الحرب الناعِمة التي فُرِضَت على الشعب اللبناني بسرقة أحلامه وسرقة حتى رفضه للواقع السياسي أي هذه التظاهُرات وهذا الحراك الذي شهدناه؟

رباب الصدر: أنا لا أنظر إلى الأمور بهذا الشكل لأنّ حلم الإنسان معه بيده. أنا أقول نحن لبنانيون، البعض منّا مُستسلِمون يسيرون وراء القال والقيل والشائعات وكلام وغيره. لو كانت أقدامنا ثابتة على الأرض لكنّا مُتمسّكين ببلدنا، وكنّا نحن كمواطنين نواجه حُكَّامنا وسُلطاتنا، نتحدَّث معهم وجهاً لوجه، نُصلّح لا يجوز ألا نُصلّح. أنا مُتأكّدة أنّ الشباب الذين كانوا في الشارع وفعلوا ما فعلوا لو أنّهم حوَّلوا هذا الأمر إلى حوار منطقي وكلام منطقي، أول مَن جاء كان الرئيس.

وفا سرايا: مَن الذي أفشله صراحة؟

رباب الصدر: لا أعرف ما الذي حصل يا أختي.

وفا سرايا: هل هناك أجندات دولية تدخَّلت لإفشال هذا التغيير؟

رباب الصدر: أقول لك هناك حرقة بقلبي لم يمرّ على لبنان ما يمرّ عليه الآن، أول أيام مجيء الرئيس حسان دياب ركَّز على الحوار، والحديث معه تعالوا لنتكلَّم، لم يسمحوا لهم بالجلوس معه ويتحدَّثوا عن وجعهم، منهم خاب أملهم ومنهم مَن جلس بالمنزل، منهم لا أعرف ماذا فعلوا، تخربطت الأمور وخرجت من يد الجميع.

وفا سرايا: كان لديك تعويل مع تسلّم حكومة حسان دياب للسلطة حكومة التكنوقراط التي شهدناها بوقتها؟

رباب الصدر: كان لديّ أمل كبير بهذه الحكومة بأنّ مَن جاء صادقون وأخصائيّون وأبناء عائلات، لأنّ إبن العائلة لا يفعل الخطأ، لم يسمحوا لهم بالعمل هذه خلاصة أقولها.

وفا سرايا: الآن نحن أمام ماذا في لبنان أزمة نظام، أزمة حُكم، أم حُكَّام وطبقة سياسية؟

رباب الصدر: نحن الآن أمام أزمة بكل شيء في حياتنا، وأمننا ورزقنا واقتصادنا وصحّتنا وعِلمنا، هل تعلمين أنّ طريقة التدريس الآن في المدارس ستؤدِّي لأجيالٍ جاهلةٍ في المستقبل أُمّيين، ليس كل واحد بإمكانه الدرس عبر الأونلاين، الأونلاين لا يُدرِّس كل الأولاد. أنا أعتذر إن كنت مُنفعِلة لأنّني أنا أعيش بعُمق ومشاكل الناس.

وفا سرايا: بالعكس نحن مسرورون بالتعبير الصادق عن الواقع؟

رباب الصدر: أنا أجلس معهم، وأنام واستيقظ معهم. أرى ما الذي يحدث، الدراسة غير سليمة، كذلك إدارة البلد، والاقتصاد ما معنى أنه لديك دولار غير قادرة على الحصول عليه، أنا لا أفهم هذه اللغة ولا أفهم ماذا تعني. ماذا يعني أن صاحب المال غير قادر على الحصول على ماله من المصرف كيف يحدث هذا؟

وفا سرايا: مَن الذي أوصلنا إلى هنا؟

رباب الصدر: لا أعرف والله، لا أعرف، ولا أستطيع أن أربطه ببعض، هذا له علاقة بهذا وذاك، له علاقة بذلك لأنّنا نسمع كثيراً، أين الصحيح؟ لا نعرف. عُذراً سأقولها، نحن صرنا بغلاديش، نحن صرنا أفغانستان. ربما بتنا أدنى بلاد في العالم بسبب حُكَّامنا، وبسبب أنّهم يُديروننا من الخارج، ونعطي أذننا للخارج الذي يُسيّرنا. لِمَا نعيش نحن هكذا؟ لماذا أنا؟ لِمَا يعيش أحفادي أطفال صغار حياتهم ليس معروفاً كيف ولماذا.

وفا سرايا: هذه صرخة كبيرة سيّدة رباب، اليوم أُقدّر دموعك وتأثّرك على الوطن الجريح لبنان، الوطن الذي أحبّه الإمام موسى الصدر ورفع راية المحرومين. اليوم ما أحوجنا ربما إلى شخصية مثل موسى الصدر يُدافِع عن هؤلاء؟

رباب الصدر: تصوَّري أيام الحرب الأهلية، وأنا سأعطيك نموذجاً أيام الحرب الأهلية أيضاً مرّت مدّة لم تُشكَّل حكومة، لكن بفترة قصيرة، ليس سنتين. سنتان بلد بلا رئيس جمهورية، هل هذا معقول؟ خلال تلك الفترة السيّد اعتبر أنّ الأمر طال كثيراً لا أعرف إن كنت قد ولدت أم لا؟

وفا سرايا: نقرأ التاريخ إن لم نكن موجودين.

رباب الصدر: نظّم اعتصاماً في جامع الصفا، جلس هناك وأنا لن أخرج من هنا إلا عندما تُشكَّل حكومة. بدايةً لم يردّوا، بقي لعشرة أيام بلا طعام حتى اضطروا وأخرجوه ووعدوه بتشكيل حكومة، فتمّ هذا. خلال هذه الأثناء تعرَّضت منطقة دير الأحمر المسيحية للقصف، وفي منطقة البقاع المسلمون يضربون المسيحيين، فوجَّه إليهم نداءً، قال في أنّ القذائف التي تُطلَق على دير الأحمر إنّها تُطلَق عليَّ وعلى أبنائي. عندما فكّ الاعتصام لم يعد إلى منزله بل ذهب من المسجد إلى دير الأحمر، هذا هو النموذج هؤلاء القادة.

وفا سرايا: أين هم اليوم رجال الدين، هذه المرجعيات الدينية اصطفّت ولم تأخذ هذا الخيار الجامِع الوحدوي الوطني خسرنا أيضاً دور هذه المقامات سيّدة رباب؟

رباب الصدر: نعم أين هم؟ أين هم؟ إذاً أودّ القول رجل التغيير، التغيير للأفضل، ورجل الإصلاح، نعم الإصلاح، رجل الإنسان ما الصفات التي نُعطيها إليه؟ كلّها موجودة عنده. كان ينتبه للسياسيين والقادة وللشباب والشارع لأنّ هؤلاء المستقبل.

وفا سرايا: الرافِعة لمستقبل لبنان، اليوم هنالك تحديداً مرجعية دينية تدخل بالمشاريع السياسية إذا أمكن أو طرح مشروع مثل الحياد كيف تقاربين هذا الطرح سيّدة رباب؟

رباب الصدر: دعيني لا أريد الحديث بالسياسة لأنّه ربما أخرِّف.

وفا سرايا: خارج السياسة عن لبنان، هل لبنان قادر على أن يكون مُحيّداً؟

رباب الصدر: بشكل عام أي بلد يقف على قدميه وقوي وقادر لا يستطيع أن يكون مئة بالمئة مُحايداً، عليه أن يضطر ليُساير، لكن لا يؤثّر عليه أحد، ولا يقوده. هم يقودون أنفسهم، لكن لا بدّ من أن يكون هناك أثر عليهم. لبنان القوي لبنان العادل لبنان الذي فيه عدالة الإمام موسى الصدر يريد العدالة، وكلّنا نريد عدالة، هذا لبنان يستطيع أن يقف على قدميه ويستطيع الناس أن يعيشوا. والله اللبنانيون طيّبون، هناك نعمٌ كثيرة في لبنان، اللبنانيون لا يعرفون هذه النعمة.

وفا سرايا: مع ضرورة الاعتراف يقول الإمام المُغيَّب الاعتراف بوجوب إزالة الطائفية من النصوص، نحن نحتاج إلى إزالتها من النفوس أيضاً؟

رباب الصدر: يا ريت.

وفا سرايا: هل اليوم عربياً لبنانياً حتى، سيّدة رباب كل ما يُخطَّط ويُحاك هو عبارة عن مشاريع تقسيمية إثارة الفِتَن، الحروب، المذهبية والطائفية بأشكالها المُتعدِّدة. للأسف هل يمكن القول أو نسأل هذه الطائفية مُتجذِّرة في نفوس الشعوب لا يمكن نزعها؟

رباب الصدر: لأنّ لبنان تأسَّس منذ اليوم الأول على الطائفية، وكنّا نسير حتى الـ 75، لم يكن لدينا هذا الحجم من الفِتَن وحوادث ومشاكل وحروب وطائفية علناً.

وفا سرايا: على العكس هذه المذاهب والدين كانت الباب إلى الانفتاح؟

رباب الصدر: بالضبط كنّا نعيش أحلى عيشنا مع بعضنا بالتعاون مع بعضنا عندما حصلت الحرب الأهلية تقصّدوا بهذه الحرب خلق الطائفية التي بات لها جذور أختي العزيزة.

وفا سرايا: اليوم تُقاربين المشهد اللبناني بشكل خطير كما حدث عام 75؟

رباب الصدر: أنا أرى العكس لأنّ اللبناني بات عنده تجربة، ولا يريد الطائفية، ولا الحرب الأهلية، بل يريد الخلاص.

وفا سرايا: الميادين رفعت شعار لبنان الأمل الدائم؟

رباب الصدر: إن شاء الله، إن شاء الله، أنا هكذا أرى لبنان أنا أرى أنّه إن شاء الله قادمون على حلول في لبنان، وسنعيش بأجمل الأيام، وإن شاء الله لبنان يكون كما أحبّه الإمام الصدر.

وفا سرايا: ماذا تقولين لساسة لبنان قبل أن نذهب إلى فاصل سيّدة رباب؟

رباب الصدر: أقول انظروا إلى أبنائكم وأحفادكم ما هو لبنان المستقبل الذين ستتركونه لأبنائكم وأحفادكم، فقط هذا ما أقوله لهم، أنتم أي لبنان تريدون أن يعيش أبناؤكم وأحفادكم فيه.

وفا سرايا: سيّدة رباب سنذهب إلى فاصل قصير. سوف نتحدَّث بشكل أكبر عن مُميّزات في شخصية الإمام الذي رفع راية المقاومة، كذلك وهنالك الكثير من السيناريوهات أو الخطط التي تستهدف المقاومة، وغياب منطق السلام، وذهاب إلى الأنظمة التطبيعية، لا بل هرولتها بشكل علني للوقوف والتطبيع مع إسرائيل وشيطنة الفلسطينيين. كلّها قضايا لا بدّ من التطرّق إليها معك، إبقي معنا لو سمحت سيّدة رباب، ومسرورون بك في الميادين.

مشاهدينا الكرام، فاصل قصير ومن بعده نعود لاستكمال هذا الحوار الخاص.

المحور الثاني:

وفا سرايا: من جديد أهلاً بكم إلى هذا الحوار الخاص وهذه الحلقة تحت عنوان الإمام الصدر الغائب الحاضر في ذكرى تغييبه الثانية والأربعين. ونُجدِّد الترحيب بضيفتنا العزيزة السيّدة رباب الصدر. أهلاً بك سيّدة رباب من جديد.

برأيك، كنّا نتحدَّث عن الوطن الجريح لبنان، ولكن فلسطين شكَّلت نَبَض المقاومة للإمام المُغيَّب فاستحضر كل العناوين واليوم تراكم المقاومة سيّدة رباب الإنجازات والانتصارات بالواقع الميداني، ولكنّها للأسف مُستهدَفة بمشاريع سياسية واقتصادية واضحة. كيف نحمي نَهْج المقاومة؟

رباب الصدر: دعيني أقول لك قاعدة، كل إنسان على حق حوله الكثير من الأعداء، بصراحة المقاومة على حق المقاومة مؤيَّدة من الله بداية ومن الناس ثانياً. مهما يكن هناك من مؤامرات عليها وضغوطات عليها، لا يقدرون عليها، ولا أحد يستطيع أن يهزمها لأنّ ما حدث سنة 2006 المقاومة العرب لا يرونه بمنامهم، لم يستطع أحد أن يفعل شيئاً للمرة الأولى في التاريخ العربي يحصل هكذا إنجاز على يد المقاومة، وهؤلاء مازالوا وأنا مثلما طمأنتك عن لبنان أيضاً أطمئنك على المقاومة.

وفا سرايا: برأيك تحقَّق حُلم الإمام موسى الصدر بما وصلت إليه المقاومة وأن نعيش في زمن الانتصارات؟

رباب الصدر: طبعاً العام 2006 كنّا نبكي ونقول أين الإمام ليأتي بنفسه ويرى هذا الانتصار الإلهي.

وفا سرايا: وعام 2000 التحرير؟

رباب الصدر: وأيضاً انتصار سنة 2000.

وفا سرايا: ما وصلت إليه المقاومة، وأتحدَّث بشكلٍ عام وليس المقاومة في لبنان سيّدة رباب. نحن أمام تطوّر أو اتضاح الصورة أكثر بين نهجين نهج المقاومة  الذي تمثله هذه الحركات المُتّحدة، وبات هناك محور قوي قادر على مُجابهة المُحتلّ الإسرائيلي المدعوم أميركياً، ومحور آخر للأسف هو مدعوم من القوى العربية. كيف تعلِّقين على هذه المشهدية؟

رباب الصدر: أودّ أن أستأذنك لن أتحدَّث بهذا الموضوع لأنّه أيضاً هناك جرح جرح في نفسي على هذا الأمر. أفضِّل ألا أتحدَّث، لكن بكلمتين أقول لك ظلم أكثر من هيك لا يحصل، أكثر من هيك ظلم على المقاومة الفلسطينية لا يحصل.

وفا سرايا: المقاومة هي أقصر الطُرُق لتحرير فلسطين؟

رباب الصدر: عليك أن تسألي الكل أنّ هذه ليست مقاومة انتصار الحصول على الحق وحصول على فلسطين ليست لشخص واحد أو مجموعة واحدة، هي يجب أن تكون عربية شاملة كاملة، حتى الحقوق المدنية الشرعية دينية ليست  لفئة يجب أن يكون التحرير على عاتق الكل.

وفا سرايا: جامِعة؟

رباب الصدر: طبعاً.

وفا سرايا: إنّ حياتنا من دون القدس مذلّة هكذا يقول الإمام المُغيّب. أين نحن اليوم من القدس؟

رباب الصدر: يقول نحن أمام أمرين إمّا الخنوع والتشكيك والاستسلام، وقيل وقال وإمّا سلوك الخط القويم الطريق الواضح المُتمثّل بالدفاع والمقاومة والاستشهاد. ليس هناك أيّ شيء آخر كما قلت لك ليس هناك خيار واحد، وليس إثنين، خيار واحد.

وفا سرايا: بمفهوم التطبيع كان هناك خوف لدى الإمام بالاعتراف بوجود هذا الكيان والتعامُل معه حتى بات جزءاً من الجغرافيا والتاريخ لمنطقتنا. اليوم في ظل الواقع العربي المُشوَّه، هل انتقلنا من مرحلة التطبيع السياسي إلى التطبيع كأمر واقع لدى الشعوب؟ أم بقي في إطار هذه الاتفاقيات الاستسلامية؟

رباب الصدر: أصلاً ربما سبب من أسباب غيابه هذا هو لا يسمح وعندما كان يشعر أنّ هناك ما يعد بما خصّ التطبيع مباشرة يذهب ويقابل المسؤولين والحُكّام يمنعهم، يوجّههم ويدلّهم على الطريق الصحيح. لم يكن يترك هذا، ربما تقولين أنا أبالغ، لكن أنا أعرف شخصية الإمام هو هيك.

وفا سرايا: اليوم حتى الخصوم السياسيين في الداخل اللبناني سيّدة رباب، أو الذين يختلفون ربما بتفسير الظواهر السياسية في لبنان، ولكن الكل يستحضر الإمام موسى الصدر الداعي للوحدة الوطنية التكاتُف والتضامُن. اليوم أين نحن في لبنان من هذه الوحدة؟ ما الذي يُعيق تحقّق الوحدة الوطنية؟

رباب الصدر: إن شاء الله، لكنّه غير موجود.

وفا سرايا: وليس فقط الوحدة الوطنية اللبنانية، أتحدَّث عن الوحدة حتى العربية التي باتت باختلاف أنظمتها اليوم. كيف تُقيّمين ما حصل في اتفاقية التطبيع ما بين الإمارات وإسرائيل؟

رباب الصدر: أعود وأقول لك أنا أفضّل ألا أتحدّث بهذا الأمر لأنّني أشعر بجرح كبير.

وفا سرايا: كيف نسترجع فلسطين ووَهج هذه القضية؟

رباب الصدر: أكيد لا يوجد سوى النضال، نضال وجهاد فقط. وبرأيي حتى الإخوة الفلسطينيين نفسهم في الداخل ليسوا جميعاً على موقف واحد، وقبل أن نتحدَّث عن العرب لنتحدَّث عن الفلسطينيين هم  موقفهم ليس واحداً، هل يوجد أكثر من هذا الحزن؟

وفا سرايا: البداية تبدأ من الوحدة الفلسطينية، وإصلاح البيت الداخلي الفلسطيني.

رباب الصدر: الفلسطينيون داخل فلسطين ليسوا على موقف واحد، بدايةً عليهم أن يتوحَّد موقفهم ورأيهم ورؤيتهم يجب أن تكون واحدة، ثمّ ننتقل إلى الآخرين.

وفا سرايا: هل نجحت إسرائيل بتحقيق الهدف الأساسي بقبول المحيط العربي بالدولة الصهيونية أو دولة إسرائيل؟ لأنّ إسرائيل يقول الإمام موسى الصدر حتى الآن هي جسم غريب معزول، لكن إذا بدأ التعامُل معنى ذلك أنّ إسرائيل ترسَّخت وتكرَّست وبقيت في المنطقة؟

رباب الصدر: بالعنف والحرب والمدافع يمكن أن يفعل الإنسان كلّ ما يريد، لكن هل سيستمر وتبقى له ديمومة؟ مستحيل، ما يفعل بالعنف والظلم لا يبقى، يجب أن تكون هناك قناعة. هل ستتكوَّن قناعة عندهم؟ أبداً أبداً ولا يمكن.

وفا سرايا: من أوصلنا إلى غياب منطق السلام؟ والسلام بات من رؤية المُهيمن القوي المُجحِف ومُغتصِب الأراضي ومُغتصِب ليس فقط فلسطين  حق العرب تاريخياً وجغرافياً؟

رباب الصدر: وصلنا لهذه الحال بسبب عدم اتفاقنا مع بعض، وعدم تفاهمنا مع بعض، ولعدم جلوسنا مع بعض والحديث بمشاكلنا وبحثها وطرح آرائنا من أجل أن نبحث عن حلول.

وفا سرايا: القواسم المشتركة؟

رباب الصدر: نستعين بناس لديهم رؤية إصلاحية لمساعدتنا، هل قمنا بذلك؟ وجرت هذه الخطوات أنا لا أحب الحديث بالسياسة ودفعتني إلى ذلك اليوم.

وفا سرايا: هذا ليس كلاماً سياسياً، هو فكر وإيمان، وهذا المنزل الذي تربيّت به ونشأت به سيّدة رباب.

رباب الصدر: أنا أقول إيماني بالله وبالإنسانية وأرى هذا، أنا تعنيني هذه المشاكل، أنا أشعر بوجع، أنا عندما أرى الأخبار في التلفزيون يشهد الله أنّني أبكي وأتأثّر. 

وفا سرايا: رباب الصدر موجوعة من الداخل مجروحة؟

رباب الصدر: نعم نعم.

وفا سرايا: كيف يلتئم جرحك؟

رباب الصدر: ربما أحزن لبلد غير لبنان، لكن لا يصنع بي كما أنا. الآن حزينة جداً ومجروحة جداً 42 سنة بعد غياب الإمام أنا ومجموعة نعمل ليل نهار في خدمة الإنسان حتّى نربّي ناساً مواطنين صالحين بالشكل الذي يريده الإمام الصدر، ولتأتي عاصفة وتُطيح بكل شيء.

وفا سرايا: لأنّك أشرت إلى هذا الشق وحضرتك رئيسة مؤسَّسات الإمام الصدر بعد أكثر من خمسين عاماً من هذا العمل الاجتماعي والإنساني، ما هو واقع هذه المؤسَّسات؟ تحت الهواء كان لديك غصَّة؟

رباب الصدر: المؤسَّسات التي تتعلَّق فينا وبإمكاناتنا وبقدراتنا. الحمد لله جيدّة جداً، لكن كورونا والانفجار أثّرت علينا كثيراً نحن نرعى الأيتام وحالات اجتماعية، والتلاميذ الذين بعهدتنا كلّهم في منازلهم. ماذا سيفعل الإنسان؟ ندرّسهم ونطعمهم ونلبسهم في بيتهم ونعالجهم في بيتهم أيضاً، ونأخذهم إلى المستشفيات. كيف يحصل هذا؟ لأنّه إذا تركوا يذهبون. يمكنك التخيّل مئات التلاميذ بعُهدتك أنت وعليك أن تفعلي كل شيء.

وفا سرايا: مسؤولية كبيرة؟

رباب الصدر: صعبة جداً، تصوّري السنة الماضية مرّت بالأونلاين ويستعينون بجيرانهم. لكن لم يكونوا موفقين بدراستهم، كم هذا صعب علينا بعد هذه السنين من الجهد والنجاح نجد أنّهم لم يكونوا موفّقين دراسياً في هذه السنة الآن، نحن مضطرون للقيام بحملة وجمع مساعدات لشراء تابات، ونؤمّن إنترنت ومودوم حتى نؤمّن كلّ الوسائل التي تسمح لهم بالدراسة  on line وستذهب معلّمة إلى كل بيت حتى تتابع دراستهم. كيف يحصل هذا الأمر؟

وفا سرايا: جائحة كورونا غيَّرت كثيراً من نمط حياتنا، من الظواهر التي عشناها وخلقتها بعد انتشارها، هل  تتخوَّفين بأنّنا بتنا أمام مرحلة جديدة، صعاب جديدة بعد انتشار هذه الجائِحة. كيف يمكن كذلك التعامل مع هذا الواقع الجديد الذي عشناه؟

رباب الصدر: كورونا من الله وليس من الإنسان، ونحن نُسلِّم تسليماً قاطعاً مع الله سبحانه وتعالى، لكن هناك أمر يجب أن نقوم به، نحن يجب أن نكون مُدركين، نحن يجب أن نكون واعين ونرى لأبعد من ذلك. أنا عندما بدأت كورونا، قلت إنّ هناك قبل وبعد كورونا  ستأتي إلينا مصائب، مصائب لا تستطيعين أن تتخيَّلي كيف وكيف ستكون العلاقات الإنسانية مع بعض؟ كيف سيكون التواصُل بين بلد وبلد؟ كيف سيبقى أهل الخير مع هذه الجمعيات الخيرية؟ أنا أقول كل هذا عن تجربة، أنا لا أتخيَّل المؤسَّسات الإنسانية بكل بلاد العالم التي تعيش وتحصل على مساعدات من الناس تلك سيكون وضعها

 أسوأ.

وفا سرايا: هم الأكثر استهدافاً، ومن يدفعون الثمن الأكبر، ما الذي تعدّونه كراعية لهذه المؤسَّسات الاجتماعية بما تقدّمينه سيّدة رباب أنت وكل الفريق المُتعاوِن. وكيف رأيت؟ وأريد منك تعقيباً لأننا نتحدَّث عن الوحدة وعن التضامن والتكافُل الاجتماعي، وهذا الدور الذي تقوم به اليوم، وأهميّة دور هذه الجمعيات الحقيقية القادرة على تلبية مُتطلّبات هذه الفئة المُستضعَفة؟

رباب الصدر: لا يمكنني أن أنكر أبداً أنّ المؤسَّسات الأهلية الجمعيات الأهلية ودعم الخدمات الإنسانية كلّها تقوم بعملها وخدماتها، ربما تختلف واحدة عن الثانية بأنّها تستطيع أن تعمل أكثر والأخرى أقل. التضامن والتعاون وحب الخير موجود في لبنان، أختي الكريمة اللبناني يحبّ الخير، اللبناني يحبّ المساعدة. هل شاهدت ما الذي صنعوه بالمرفأ؟ ذهبوا وأصيبوا بالكورونا، وجاؤوا ونشروه في كلّ المناطق اللبنانية. في كل قرية هناك مصابون بكورونا جرّاء تفجير المرفأ، العمل الإنساني محترم جداً جداً في لبنان، ويحصل ضمن حدود، لا يُكلّف الله نفساً إلاّ وسعها.

وفا سرايا: لأنّنا عدنا إلى لبنان سيّدة رباب، وأنت كنت موجوعة، ولديك جرح كبير نتيجة ما يجري. برأيك ما هي المخارج للحلول من هذه الأزمة ولخروج لبنان من كبوته؟

رباب الصدر: الأمر ليس صعباً. يكون ذلك بالتفاهم للخروج من هذه الأزمة التي نعيشها، ويجلس مسؤولونا، ويتفاهمون مع بعضهم، لا أن يتقاتلوا بالمدافع والسياسة والإعلام والتلفزيونات والصحف، وليوقف الإعلام  قليلاً هذا التراشق والحديث السياسي.

وفا سرايا: ولكن سيّدة رباب نحن نعلم، وأنا لا أريد إدخالك كثيراً بالسياسة. لكن لبنان ساحة اشتباك ضمن ساحة هذه الصراعات القائمة بموقعه الجيواستراتيجي. أعود إلى ما يُطرَح اليوم بالحيادية، أو بكيفيّة تجنيب لبنان دفع الثمن. تحديداً ما هو المسار السياسي الذي يوصلنا إلى برّ الأمان؟ سأعود إلى الإمام المُغيَّب موسى الصدر الذي طرح البرامج الوطنية المُتكامِلة والمُفصَّلة والتي من أبرز عناوينها كانت التنمية الشاملة والمؤتمر العالمي المسيحي الإسلامي في لبنان. هل نحن قادرون؟ هل هنالك من فئات أو أطراف يمكن أن تُقدِم على هكذا خطوة؟

رباب الصدر: يقول الإمام إنّ بقاء الأوطان ووحدة الأمم وسلامة المجتمع أمور لا تتمّ إلا بالعدل، أو ما يُسمّى في عصرنا بتوفير الفُرَص للمواطنين. ترين كيف يربط كل الأمور بعضها ببعض سلطة، دولة، نظام، مواطنة. ويقول أيضاً الحُكم الصالح أهمّ عنصر في إقامة مجتمع صالح، لا يفصلهم عن بعض. والمجتمع الصالح هو التربة الخصبة لبناء الإنسان الصالح قبل كل شيء. سألتني ما الحل؟ أعيد الجواب مثلما عشت معه في سبيل الله مرة ليقوموا بحياتهم ويجلسوا ويتفاهموا ويتصالحوا لا يتناقشون بالكلام المؤلم.

وفا سرايا: كان مُستشرِفاً لرؤية واضحة. نحن نتحدَّث عن هذا الإنسان الصالح الذي أشرت إليه والمُرتبط بنظام ومجتمع، كذلك صالح أيضاً ومرتبط بمفهوم المواطِنة التي نحتاجها بهذا التوقيت في ظلّ الخطاب المذهبي الفتنوي الطائفي سيّدة رباب. حال الوحدة اللبنانية اليوم صعب أن نصل إليها، ماذا أيضاً عن حال الوحدة الإسلامية؟

رباب الصدر: لا ليس صعباً أبداً، وسأقول لك لماذا؟ قبل الحرب الأهلية كيف كنّا نعيش قبل حرب الـ 75  كيف كنا نعيش؟ لم يكن لدينا كل هذه المشاكل، خلقوا كلّ المشاكل فينا، ونحن أرض خصبة مسكناً، وسرنا.

وفا سرايا: العصبية عدم الاعتراف بالآخر.

رباب الصدر: ويقول أيضاً يجب أن نعتمد المبادئ، وليس الأشخاص. ونتمسَّك بالمطالب والبرامج والأهداف لا بالعناصر والأفراد، وبالخط العام، لا بالسياسات.

وفا سرايا: لذلك وصل إلى قناعة لبنان الرسالة، ورفض مقولة قوَّة لبنان في ضعفه لأنّه جسَّد عناوين مختلفة.

رباب الصدر: لا يقبل.

وفا سرايا: صحيح جسَّد عناوين مختلفة تماماً، بل قال إنّ قوَّة لبنان بوحدته، وفي عيشه المُشترك، وما بين جميع أبنائه.

رباب الصدر: الإنسان اللبناني ثروة لبنان، يُسمّيها الإنسان اللبناني ثروة لبنان لأنّ هذا الإنسان يستطيع أن يفعل كل شيء وإن كان في موقع الحُكم، أو الموقع الديني، أو موقع الاجتماعي، أو كان مواطناً عادياً يستطيع فعل كل شيء.

وفا سرايا: تخلّى حُكَّامنا عن إنسانيّتهم.

رباب الصدر: لا، أكيد ربما لا يكونون  للدرجة التي نشكوا بها منهم، أكيد لو كانوا مُنتبهين لا يفعلون هذا الأمر، الله يهديهم.

وفا سرايا: بما أنّنا عدنا بالحديث عن نهج الإمام موسى الصدر، وتأثيره بجميع الأطياف اللبنانية، مُلفِت سيّدة رباب أنّ جميع الأفرقاء في لبنان بجميع انتماءاتهم يستحضرون الإمام بأوقات الأزمات، هو حاضر بموقفه وبطروحاته إنْ كان على مستوى الوحدة والقواسم المشتركة ونَبْذ العصبيات كما ذكرنا، أي أنّ كان الإمام القامة الجامعة الشخصية التي لا خلاف عليها. هل هنالك اليوم؟

رباب الصدر: قولي لي لماذا كان هكذا؟ لماذا الإمام كان الرجل الذي كان كل الناس يجتمعون حوله؟

وفا سرايا: لماذا؟

رباب الصدر: لأنّه كان الرجل الذي ينتبه لكل شيء. أختي العزيزة ربما هذه اللغة لغة الإنسانية ولغة الاعتدال ولغة حب الإنسان وحب الخير وحب الأوطان، الظاهر أنّ هذه اللغة اليوم مفقودة، ومَن يتحدَّث بها ربما يعتبرونه يتحدَّث بإنشاء عربي. السيّد موسى كان لديه كل شيء من هذا، وكانت لديه قُدرة على أن يُقنِع المُتخاصمين. تعرفين ولن أسمّي أية منطقة في لبنان كان دائماً يقتلون من هذه العائلة فتردّ بقتل من تلك العائلة هذا يقتل وذاك يقتل، تعرفين أنّ السيّد استطاع أن يُعالجهم، وتوقّفوا عن القتل لأنّ لديه المنطق والكلام والحب.

وفا سرايا: الاحتكام للعقل صحيح والحب.

رباب الصدر: الكلام الذي يخرج من القلب مُخلِص، ويدخل إلى القلب والعقل والأذن.

وفا سرايا: سيّدة رباب أريد منك وفي ختام هذه الحلقة وبعد 42 عاماً على تغييب الإمام موسى الصدر. بماذا تعدينه؟ وبماذا تتأمّلين في المستقبل إن كان بملف الإمام المُغيَّب وإن كان بشكل عام لهذا الوطن الجريح والعالم العربي المُتألّم ممّا يجري خصوصاً ونحن نتحدَّث عن قضية أمَّة جمعاء، لم تعد من أولويات هذه الأنظمة وهؤلاء الحُكّام؟

رباب الصدر: بالنسبة لقضية الإمام أنا أقول وأنا مؤمنة بالله سبحانه وتعالى، ونحن مُنتظرون ونرى الفَرَج من الله هذا أولاً.

وفا سرايا: لو كان بيننا ماذا تقولين له؟

رباب الصدر: أقول لك نكمل طريقك، ولا يمكن أن نحيد عن الطريق كما طبّقناها عملياً. من 42 سنة غائب لكن العمل يسير مثلما أراد، ومن أفضل ما يكون. أكملنا وطالما نحن على قَيْد الحياة سنكمل هذا بما يتعلّق بالإمام. أمّا بالنسبة للبنان كما قلت لك أنا إنسانة مُتفائِلة، ولا أرى أنّ الحلول مُعقَّدة والمشاكل غير قابلة للحل، لكن إذا تفاهمنا واتفقنا إن شاء الله لبنان يصبح أفضل.

وفا سرايا: جميل جداً أن نختم برسالة أمل سيّدة رباب.

رباب الصدر: نحن مُتأمّلون جداً.

وفا سرايا: إن شاء الله مسرورون جداً بوجودك معنا على أمل أن نستضيفك مع كشف الحقيقة.

رباب الصدر: آمين.

وفا سرايا: وألا تمضي السنوات المقبلة لا الـ43 ولا الـ44 على تغييب الإمام الصدر.

رباب الصدر: إن شاء الله.

وفا سرايا: شكراً جزيلاً لك سيّدة رباب الصدر رئيسة مؤسَّسات الإمام موسى الصدر شكراً جزيلاً لك. وإلى هنا مشاهدينا الكرام نصل إلى ختام هذه الحلقة الخاصة عبر شاشة الميادين "الإمام الصدر الغائِب الحاضِر". 

في أمان الله.