روح بيروت وتقاليدها

بيروت مدينة المتغيرات العميقة... أين عاداتها وتقاليدها وقبضاياتها؟ أين المقهى والسهر والحياة والتياترو والانفتاح؟ وماذا ينتظرها بعد النكبات وآخرها انفجار المرفأ؟

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، قليلون مَن يعرفون مدينة بيروت من "جوّاتها"، صحيحٌ أنها ليست عصيّة على خاطب ودّ معرفتها لكنّها مدينةٌ خرجت من أسوارها وعلاقتها الداخلية قبل قرنٍ ونصف القرن، وانداحت في قرى محيطها وعربشت على التلال المحيطة بها. المدينة روحٌ أيضاً، عاداتٌ وتقاليد ومغنى وعزاء، والمدن البحرية أشرعةٌ ومقاهٍ ومقاعد انتظار، وبيروت لا تشذّ عن هذا الأفق، وهي ملجأ للكثيرين ممّن استوطنوها لأنها كانت مدينةً ثُغراً. عن روح المدينة وإرثها الذي غطّى الكثيرون عيونهم عنه، ولأنها تستحقّ منّا وَخْز الذاكرة الجمعية وكشف خبايا الدور والدروب فإن الكاتب والصحافي والزميل عبيدو باشا يُمسك بأشرعةٍ بيروتية يمكن أن تتمزّق كما حصل بكارثة مينائها، أرحّب به صديقاً مُزمناً وبيروتيّاً عتيقاً لنحكي عن المدينة وأنتروبولوجيّتها وحكاياتها وروحها بعد تقريرٍ عن البقعة البهيّة التي جرى تصحيرها على شاطئ المتوسّط، بيروت.  

تقرير:  

تغيّرت العادات والتقاليد واللباس وحتى المأكل والمشرب بسرعةٍ في بيروت منذ خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم، وذلك بسبب التأثّر بالغرب غالباً واجتياحات العَوْلَمة ومُثاقفة اللبنانيين الذين يرتحلون كثيراً.

في الزواج مثلاً بات الأمر أكثر خصوصيةً في حفلات ذوي الدخل المحدود وأكثر ترفاً في الفنادق للميسورين والأغنياء بعدما كان خطبةً وكَتْب كتابٍ ثم عرس، أو خطبةً وعرساً عند المسيحيين، وكانت الخطبة والعرس للنساء عند المسلمين البيارتة فيما عقد القران للرجال غالباً، وكان الخاطِب لا ينفرد بعروسه إلا يوم الزفاف، وكانت حفلة العرس تُجرى في بيت العروس.

أما الولادة فكانت تتمّ في المنازل على يد الداية قبل أن تختفي هذه المهنة، وكان لشهر رمضان عاداته وتقاليده واحتفالاته ومأكولاته التي بقي بعضٌ منها، وكذلك لأيام العيد التي باتت تقتصر على الصلاة.

أما في الموت فقد عُرِف أهل بيروت بالتكاتُف حيث كانوا يبلغون الأقارب والجيران وإدارة المقبرة بالمشاركة في التكاليف، وكان أطفال دار الأيتام الإسلامية يشاركون خلال الأربعينات في الجنازات، وكان البعض يُبالغ بعادات الدفن من الأدفان إلى الخدمات فيما يتشارك المسلمون والمسيحيون في عزاء بعضهم البعض، بينما غدت مراسم العزاء في القاعات على الأغلب في هذا القرن.

كان لبيروت نكهتها الخاصة وقبضاياتها أصحاب الصولات والجولات والقمابيز والطرابيش وكلمات الأغاني التي تَصْدَح منها المرجلة، وبقي جزءٌ كبير منها واضحاً في ساحة البرج وأسواق بيروت حتى اندلاع الحرب الأهلية مُنتصف السبعينات.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، أستاذ عبيدو باشا هل من حياةٍ بيروتية بحت؟

عبيدو باشا: أولاً إسمح لي أن أقول بأنني لست بيروتياً، أنا من أبناء بيروت وهناك فرق كبير بين البيروتي وبين إبن بيروت، البيروتي هو مَن يدَّعي أنه يمتلك المدينة من دون سواه، أما إبن المدينة فهو مَن يُقدِّم المدينة إلى الآخرين كما قدَّمت المدينة نفسها إليه، وأنا حريص على الوقوف عند هذا الأمر كل فترة، وآخر مَن ذكَّرني بالموضوع هي والدتي التي كانت تخاف كثيراً على بيروت من الآخرين، كانت تقول بيروتنا، فقلتُ لها وما شأنكِ ببيروت، قالت أنا بيروتية فقلتُ لها ولكن بيروت هي عاصمة لبنان، بيروت هي واحدة من العواصم المُشرقة في هذا العالم، وأنا لم أكن مُتشائماً أبداً تجاه هذه العاصمة أو تجاه الوضع في لبنان لأن الوضع ينزاح دائماً نحو حافّة الهاوية، طالما أنك أتحفتنا بالأدب، ثم تُستعاد المدينة ثم يُستعاد البلد من حافّة الهاوية إلى حيث يقبع في الأساس، لست مُتشائماً على الإطلاق.  

غسان الشامي: القضية ليست قضية تفاؤل أو تشاؤم، أنا أسأل، دائماً هناك مدن لها صفات، كل مدن الساحل لها صفات ولها لهجات ونماذج حياة، البيارتة يتكلّمون عن بيروتهم، هل هناك حياة بيروتية بحت؟ 

عبيدو باشا: بالتأكيد.

غسان الشامي: ما هي صفاتها؟ 

عبيدو باشا: هذا السؤال في غاية الأهمية لأنه يُميِّز بين مستويين، هناك اللغة واللهجة، البيارتة يمتلكون لغةً ولهجة، للأسف الشديد أن كل الناس يحصرون البيارتة باللهجة في حين أنهم يمتلكون قاموساً، لديهم لغة خاصة فيها مئات العبارات الخاصة، فيها مئات أشكال العلاقات الخاصة. لقد تحدَّثتَ عن الغناء أستاذ غسان، البيارتة يقولون عن صاحب الصوت الجميل "حسّو حلو" ولا يقولون صوته جميل، وكانوا شهيرين بأنهم كانوا يقيمون سهرة مسائية يومياً على أسطح منازلهم ومنهم أهلي، بيروت كانت لها تقاليدها وناسها، وليس صحيحاً أنهم كانوا محافظين بل على العكس كانوا مُتداخلين ويزورون بعضهم البعض، وكانوا يتبادلون الطعام في ما بينهم، أنا لم أأكل صنفاً واحداً طيلة حياتي لأن كل جار كان يعطي جاره ما أعدّه من طعام، وهو بالمقابل يُبادله بطبق مما أعدَّه، فبالتالي كانت هناك أنواع من التداخل البديع على صعيد العلاقات بين البشر. البيوت البيروتية التي كانت مؤلَّفة من طابق ومن حديقة تتوسّطها بركة ماء شبيهة بالهندسة الشامية، نحن نُسمّيها بلاد الشام.

غسان الشامي: سيّدي سنأتي إلى هؤلاء بالتفصيل ولكن هل هذه ميزات بيروتية أم ميزات مدن ساحل شرق المتوسّط؟

عبيدو باشا: أعتقد بأنها ميزات بيروتية، أنا كما تعلم رحَّالة وأتجوَّل كثيراً، فبالتالي لم أصادف أشكال علاقات شبيهة بتلك التي يتمتَّع بها البيارتة، البيروتي له زيَّه الخاص، لهجته، أشكال علاقاته الواسعة والتي لا تحصره في مكانٍ مُحدَّد. أتذكَّر جدّي الذي كان يلبس قمبازاً ذهبياً ويشدّه بحزامٍٍ عريض، وكان يحمل الخيزرانة في يده ويضع طربوشاً أحمراً على رأسه، ليس لأنه كان يحاول أن يُهيّئ لنفسه شكلاً بل لأن هذا اللباس كان لباس القبضايات البيارتة، والقبضاي البيروتي هو مَن يشفع للآخر، مَن لا يعتدي على الآخر، دعني أخبرك أمراً لم أخبره لأحد من قبل. 

غسان الشامي: تفضّل، حوارنا معك اليوم هو من أجل هذه الحكايات البيروتية.

عبيدو باشا: جدّي كان على خلاف مع شخص عجوز من عائلة البرجاوي وطرحه أرضاً، كنّا في ذلك الوقت نتناول الطعام حول مائدة صغيرة حيث كنا نجلس على رجل ونصف بسبب ضيق المساحة، جدّتي تركية، وجدي حُكِم بالإعدام في الأستانة وصدر بحقّه عفوٌ، وفي طريق العودة قرَّر أن يستريح في منزل أحد أصدقائه، فرأى صبيةًّ في المنزل فسأل عنها فقيل له هذه إبنتنا، فطلب يدها وأخذها معه على ظهر الحصان إلى بيروت، هذه جدّتي التي لا أتذكَّر منها سوى تفاصيل نادِرة. في ذلك اليوم سمعتُ صوت جدَّتي وهي تقول يا أوزدوميرا، جدَّتي لم تتعلّم العربية أبداً، جاءت من تركيا إلى بيروت وعاشت فيها عشرات السنوات ولكنها لم تتعلَّم العربية، أبي يمتلك إسماً تركياً هوأوزدومير، جدَّتي هي مَن أسمته بهذا الإسم ومعناه الحديد الصلد، فقام أبي عن مائدة الطعام وركض نحو مصدر الصوت فقالت له أبوك وأشارت نحوه، نحن كنّا نقيم في نفس المبنى في منطقة طريق الجديدة قرب المدينة الرياضية، نزل أبي وتبعته أنا، وقفنا على مدخل المبنى فوجدنا العشرات من آل البرجاوي يُحيطون بجدّي حتى يستعيد العجوز من آل البرجاوي الذي تعرَّض للإهانة من جدّي كرامته، فأحاطوا بجدّي وقالوا للعجوز اطرحه أرضاً، لاحظ أبي بأن عددهم كبير جداً فذهب إلى دكانٍ قريب وفتح صندوقاً للمشروبات الغازية وبدأ برمي الزجاجات على الناس، فبدأوا يهربون، لا يمكنه أن يُقاتل وحده، أمسك بجنزير الدراجة الهوائية وبدأ بضرب الناس، في هذا الوقت وصل أعمامي.  

غسان الشامي: من أين جاءت قصة القبضاي البيروتي؟من الميناء؟ 

عبيدو باشا: ليس بالضرورة، جدّي كان صديقاً لعبيدوالإنكيدار الذي هو أحد القبضايات المشهورين في تاريخ لبنان. دعني أكمل القصة، حينما هرب آل البرجاوي وصار العجوز وحيداً قال أعمامي وأبي لجدّي إطرحه أرضاً لأن هؤلاء تكالبوا عليك ليطرحوك أرضاً، فما كان من جدّي إلا أن أمسك بالرجل ونفض له قمبازه وأعطاه عصاه وقبّله من كتفه ثم مدَّ له يده وقال له تفضَّل كل هذه الشوارع لك، فذهب الرجل مُمتنّاً وجرت مصالحة بين العائلتين، هذه أخلاق القبضايات أستاذ غسان. 

غسان الشامي: ما الذي تغيّر أستاذ عبيدو في العادات والتقاليد البيروتية من خلال وعيك الذي يتجاوز الأربعين سنةً من عادات بيروت على الأقل؟ 

عبيدو باشا: لم يبقَ من العائلة البيروتية شيء، أبدأ من عائلتي التي لم يبقَ منها شيء. الحداثة هجمت على بيروت منذ أن فقدت أبوابها السبعة في القرن التاسع عشر، كل الناس تعتبر أن هذه لحظة مُضيئة في تاريخ بيروت إلا أنني لا أعتبرها كذلك لأنها أفقدت بيروت روحها الأساسية التي هي روح اجتماع وعون، البيارتة كانوا كأهالي القرى، كان الشخص يقف على سطح المبنى ويُنادي الناس بأن هناك أمراً مُعيّناً، يُناديهم بأسمائهم ويقومون بمساعدته من دون أيّ مقابل. كنتَ قد سألتني عن مصدر البيروتي، ليس من البور أبداً، في البور كان هناك حمّالون ومسؤولون عن الحمّالين، كان هناك طبقة من المعوزين كانت تعتبر بأن هناك مَن هو مسؤول عنهم وهم أناس يتمتّعون بالقوّة والسلطة على الأحياء البيروتية. إحدى الصوَر التي أتذكّرها صورة جدّي مع عبيدوالإنكيدار على حصانين يجولان في الأحياء البيروتية لتحصيل الخوّات وتوزيعها على العائلات البيروتية الفقيرة.   

غسان الشامي: في العادات، وكما تعرف أن العادة هي مُعطىً أنتروبولوجياً يستمر ويعطي صفة للإنسان، البعض سمّاها عِلم الأناسة أو عِلم الإنسان، هي بوصلة، مثلاً الزواج، الدفن البيروتي، الأعراس التي كنتَ تعيها في صغرك لم يبقَ شيء منها أبداً؟

عبيدو باشا: على الإطلاق، آخر ما أتذكَّره هو ما له علاقة بآخر فتوّتي، بخصوص الدفن نحن كنّا نعتبر الموت عيداً وليس مأساةً، هناك أناس عاشوا أعمارهم فبالتالي هذا جزء من المفهوم البيروتي، لذلك كانت أيام الأعياد هي للأموات وليس للأحياء، كنا نحضّر لزيارة الموتى قبل يومٍ أو يومين ونزور المقابر فجر العيد ونقوم بتنظيف القبور لنقول لأمواتنا شكراً نحن مُمتنوّن على ما فعلتموه لنا وللمدينة لأن بيروت لم تكن في يومٍ من الأيام مدينة خائفة من نفسها ومن الآخرين كما هي في هذه الآونة، إحدى المُعضلات في بيروت الآن أنها مدينة خائفة، بيروت لم تكن يوماً مدينة خائفة لا من نفسها ولا من الآخرين بل عل العكس كانت تمتلك ذراعين عريضين تتّسعان لكل أنواع البشر، الآن جرى تحويل بيروت إلى مدينة خائفة.

غسان الشامي: في السياق سنصل معك إلى بيروت الحالية، أين الموَّال؟ بيروت كانت غناءً وفرحاً، الأغنية البيروتية، أنا أذكر لك منذ سبعة قرون "والله زمان يا أبي فيه عجايب فيه غرايب والنبي".

عبيدو باشا: "هيدا صبي منّو صبي وهيدا ولد من هالبلد قاتل قتيل مش ناقصو تيصير ملك إلا القليل، مبارح كاين طفل يحبي حبي، والله زمان يا أبي هيك الدني صارت زفت ومكركبة".

غسان الشامي: أنا أذكرها منذ زمنٍ في علاقتنا وأذكر أنك تعرف الكثير من هذا المغنى البيروتي، الرحابنة بالمناسبة عبر محمّد مرعي حاولوا إظهار هذا القبضاي البيروتي، لم يبقَ شيء من هذا نهائياً؟  

عبيدو باشا: أبداً. 

غسان الشامي: ماذا تذكر منه؟

عبيدو باشا: البيروتي كان مُنفتحاً، كان يعتبر نفسه مواطناً أممياً أستاذ غسان، فبالتالي لم تكن تسعه بيروت، بيروت كانت تقنعه بأنه ليس فقط في سعتها، أغمض عينيك تمتلك العالم. كنا فقراء وكنا نقف على البحر ونشعر بأننا تجاوزنا هذا الأفق بيننا وبين الدول الأخرى لأنه كان يتملّكنا الإحساس بأننا مواطنون أمميون. كل الكلام عن التحفّظ البيروتي، على محدودية البيروتي هو كلام غير صحيح على الإطلاق، هذا جزء من بروباغندا تريد أن تنال من هذه المدينة التي احتوت جميع أنواع البشر. ما هي أهمية بيروت في التاريخ أستاذ غسان؟ بيروت هي مدينة كوسموبوليتية، بيروت مساحة مشتركة، لماذا تمّ بطريقة منهجية استهداف المناطق التي يجتمع فيها الناس في بيروت؟ لماذا تمّ استهداف قلب المدينة؟ أولاً تمّ استهدافها خلال الحرب ومن ثم تغيير هندسة قلب المدينة، كان كل الناس يصبّون في وسط البلد، الناس يأتون من الجبل، من الشمال، من الجنوب، من أماكن بعيدة في بيروت، ونحن كنا نأتي مشياً من أيّ مكان في بيروت، نوفّر المال من أجل أن نذهب إلى سينما أمبير بخمسة وستين قرشاً و15 قرشاً ثمن الفلافل و10 قروش ثمن قنينة مياه غازية ونذهب إلى سينما أمبير أو الغومون بالاس أو الريفولي وغيرها من دور السينما ذات العروض المتواصلة، يعني حين تهرب صباحاً من المدرسة إلى السينما تخرج منها في صباح اليوم التالي، وكان الآباء يُشاهَدون غالباً في صالات السينما وهم يطاردون أبناءهم الفارّين من المدارس والذين يُسمّون اليوم بالمُتسرّبين.

غسان الشامي: هل ما تزال هناك علاقات بين العائلات البيروتية؟ تعرف أن هناك عائلات بيروتية بحتة، وهل هي علاقات تشبه النوع العائلاتي القبلي الموجود في لبنان؟  

عبيدو باشا: أستاذ غسان حين يكون أبوك قد نذر نفسه للآخر، حينما يكون أبوك فقيراً، حينما يكون جدّك يمضي وقته في جمع الخوّات من الناس لتلبية حاجات الفقراء من دون أن يعرف أحد بأن فلاناً فقير، اليوم اختلفت الأمور، حينما تريد أن تُطعم أحداً في رمضان تكتب اليافطات بأن موائد الرحمان في المكان الفلاني. يتمتّع البيروتي بكل أنواع العلاقات السرّيّة بالآخر، لا يكشف البيروتي علاقاته السريّة بالآخر، لا يمكنك أن تعرف أين تصبّ علاقات البيروتي إلا حين يريد هو أن تعرف، وهذه قضية من القضايا التي قفزنا عنها. المشكلة الراهنة بأن العائلات البيروتية لم تعد عائلات بيروتية، هناك عائلات جاءت من خارج بيروت وادّعت بأنها عائلات بيروتية وسيطرت على المدينة وعائلاتها وتاريخها.

غسان الشامي: ألغت بيوتاً في المدينة.

عبيدو باشا: طبعاً، لم تلغِ بيوتاً فحسب وإنما كسرت مفاتيح المدينة والأمر ليس صدفةً، هناك سياسة منهجية أرادت أن تغيّر كل سِمات بيروت لأن بيروت مدينة للجميع ويريدها البعض الآن مدينة للجماعة، وهي تتمرَّد باستمرار، وبرأيي الشخصي أن هذا الانفجار هو أحد أنواع التمرّد بغية دفع المدينة لكي تكون لطرفٍ واحد أو لفئةٍ واحدة. 

غسان الشامي: سآتي إلى هذا، أنت وصفتَ المدينة بأنها لطالما كانت مدينة انفتاح وتستقبل الآخر، هذا الاستقبال هل لأنه كان لديها القدرة على الامتصاص؟ مثلاً بيروت الستينات، بيروت هذه التي تغلي، ما أثر الحرب في القضاء على هذا الانفتاح البيروتي، الحرب الأهلية، تقسيم المدينة؟

عبيدو باشا: لا شك أن للحرب تأثيرات على هويّة المدينة وعلى ذاكرتها، وبرأيي أن تأثيرات الحرب مستمرة في مستقبل المدينة، ونلاحظ أن الجماعات اللبنانية لا تزال تتحارب حتى هذه اللحظة، ربّما هي لا تحمل السلاح ولكنها لا تزال تتحارب بكل الأساليب المُتاحة.  

غسان الشامي: ربّما تخبّئه.

عبيدو باشا: أحدهم ينام وسلاحه بين قدميه. الحرب أثّرت لأننا خسرنا الحرب أستاذ غسان، لأننا لم نربح الحرب.

غسان الشامي: مَن نحن الذين لم نربح الحرب؟ 

عبيدو باشا: نحن الذين كان لدينا مشروع، أنا إبن الحركة الوطنية اللبنانية، أنا قاتلت خلال الحرب الأهلية اللبنانية ليس بهدف مُقاتلة الآخر على هويّة المدينة وإنما لأنني كنت أحلم بمدينة أخرى، كنت أحلم بمدينة العدالة والمُساواة، لا يضطر فيها أحد إلى مدّ يده لأحد ثم انتبهت بعد انتهاء الحرب أن الآخر في المقلب الآخر أيضاً كان يحلم بمدينة بنفس المقياس ولكن على طريقته. الحرب أثّرت بالتأكيد، المدينة لا تزال مُقسّمة بالتأكيد ولكنني أراهن على الجيل القادم وإن كان يتّهمنا بأننا سبب الحرب في لبنان وأوّلهم إبني، دائماً يقول لي بأننا سبب الحرب ونحن نعاني الآن من نتائج هذه الحرب. 

غسان الشامي: بماذا يُفكّر إبنك بمدينته؟

عبيدو باشا: طارق كان في باريس ودرس فيها الدكتوراه لمدة خمس سنوات وكان سعيداً هناك، وفي إحدى الليالي اتصل بي وقال لي أنا أقف في الكوميسارية، وقال لي إن الفرنسيين لا يريدوننا، فسألته وكيف استنتجتَ ذلك، قال لي إنهم يطلبون منا أوراقاً جديدة في كل مرة وكأنهم يقولون لنا لا نريدكم، قلتُ له يا بنيّ أنت في باريس وأنا لستُ في باريس وسأعطيك المال لتعود، خلال عشرة أيام باع أثاث بيته وعاد إلى بيروت.

غسان الشامي: بكلمتين، ماذا يفكّر إبنك بمستقبل مدينة عاش فيها هو وأبوه وأجداده؟

عبيدو باشا: رغم أنني قرأتُ لطارق أجمل نصّ كُتب عن بيروت إسمه "بيروت في الليل"، الآن هو يفكّر بالهجرة وأنا لا أستطيع أن أمنعه وأقف عاجزاً أمامه لأنّ لديه طفلة صغيرة عُمرها عامان.

غسان الشامي: سنتابع الحوار وخارج الشخصي. أعزائي سنتابع الكلام مع عبيدو باشا عن روح بيروت بعد الفاصل، انتظرونا إذا أحببتم. 

المحور الثاني:  

غسان الشامي:أحيّيكم مُجدّداً من أجراس المشرق، أستاذ عبيدو باشا نحن من جيلٍ واحد، أنت كنت في عُمق الحياة الثقافية وما تزال في بيروت خلال الحرب، أولاً كيف كان توصيف الحياة الثقافية خلال الحرب الأهلية وكيف أصبحت بعدها؟ 

عبيدو باشا: هناك مَن يقول بأن المدينة فقدت كل ميزاتها الثقافية خلال الحرب الأهلية، أنا كتبتُ كتاباً مُناقضاً لهذه المقولة إسمه "بيت النار الزمن الضائع في المسرح اللبناني". 

غسان الشامي: نعم أعرفه. 

عبيدو باشا: برأيي أننا في الحرب عشنا حياتين، عشنا حياةً مُضاعفة، أنا لست ممَّن يُمجِّدون الحرب ولكنني لا أستطيع في الوقت نفسه أن ألغي الحرب أو أقتطعها من حياتي لأنها جزء من حياتي وحين أتخلّى عنها فإنني أتخلّى عن جزء من حياتي، ثم إن الحرب أستاذ غسان خصَّبت كل الأشكال الثقافية ودفعت الحركة الثقافية في بيروت على وجه الخصوص وفي لبنان إلى مراحل مُتقدّمة، بحيث أضحت الثقافة في لبنان ثقافة طليعية ليس فقط في لبنان ولا في العالم العربي وإنما في العالم. وقف اللبنانيون في "الفاترين" الثقافي في العالم بحيث حينما كنا نعرض مسرحاً في باريس أو لندن أو أميركا أو أفريقيا كنا نُستقبَل بوصفنا أبطالاً حداثيين وما بعد حداثيين لأن الأوروبيين كانوا يعون بأن هناك لبنانيين استطاعوا أن يقفزوا فوق كل الاعتبارات القديمة في الحياة الثقافية في لبنان. المدينة كانت لديها ميزة هامة جداً، المدينة انفجرت حين بدأت في الاكتمال الثقافي، إذا نظرتَ إلى بيروت قبل 1975 ستجد أنها كانت مُتقدّمة في الشعر، وأنت ضليع في الشعر وتعرف أنه كانت هناك حركة شعرية وكان هناك أناس على أطراف هذه الحركة، هناك مَن هم معها أوضدّها، يوسف الخال، أنسي الحاج، أدونيس. في المسرح كان هناك منير أبو دبس، ريمون جبارة، روجيه عسّاف إلى آخره. المدينة كانت في مرحلة الاكتمال وواحدة من ميزات هذه المدينة أنها كلّما اكتملت انفجرت وأعادت بناء نفسها على قواعد جديدة من جديد. حين أتحدَّث مع الجيل الجديد وأقول لهم بأن بيروت تعرَّضت في المرة الأولى للتدمير في القرن الثاني قبل الميلاد على يد الملك تريفون يضحكون عليّ، هذه المدينة تعرَّضت للتدمير منذ 22 قرناً وحتى القرن الحالي عشرات المرات، تعرَّضت للعديد من الزلازل أعنفها زلزال 551، في زلزال 1958 كنت أبلغ عاماً واحداً، مَن يتحدّون عن زلزال 1958 يقولون إنه الزلزال الأقصى لأنه كان عبارة عن مجموعة من الزلازل تفصل بينها دقائق معدودة، والبيارتة على فطرتهم عوضاً عن أن يختبئوا من الزلزال ذهبوا إلى البحر في حين أن البحر يصبح مهدّداً في مثل هذه الحالات. بيروت مدينة مُتقدّمة كثيراً في الثقافة، لا تزال بيروت تمتلك ذاكرتها الثقافية أستاذ غسان، عندما تحصل حرب وننتقل من مرحلة إلى أخرى لا نفقد الذاكرة الثقافية، هناك ما أسّسناه، هناك ما أقمنا عليه. حينما يقول منير أبو دبس أنا سوف أعلن بداية مسرح ثقافي في لبنان ويموت، بموته لا تنتهي تجربة المسرح في لبنان، هو أقام منصّة وسمح لنا بالوقوف عليها وعلينا أن نُكمل. بيروت ولبنان يمتلكان ذاكرة ثقافية يمكن استعمالها في حدود مئة ومئتي سنة قادمة، هذا إذا لم نتكلّم عن المُتغيّرات والمُكتشَفات الجديدة.

غسان الشامي: ألا تشعرأنك متفائل جداً، سأسألك تحديداً الآن بكل تلك الطليعيّة التي تكلّمتَ عنها، أعطني طليعية في المسرح والسينما والشعر، أين هو الشعر الذي كان في بيروت جذوة، هي تكتب وتنشر وتوزّع في العالم العربي، كتاب بيروت. 

عبيدو باشا: نحن والعالم أجمع في أزمة اقتصادية، مشكلتنا أننا لا نتمتّع بميزات الآخرين، أوروبا على الرغم من الحروب الدموية التي قامت بها بلدانها اضطرت للقيام بوحدة اقتصادية حتى تواجه الأزمة الاقتصادية في العالم. نحن كعرب لا نستطيع أن نخلق جملة مشتركة واحدة يا أستاذ غسان وأنت أعلم، فكيف بالأحرى أن نقترح الآن في ظل حفلات التطبيع مع العدو الإسرائيلي وندعو العرب إلى وحدة اقتصادية، تعالوا نتّفق على بعض القواسم المشتركة في الثقافة وفي السياسة كي نتخطّى هذه المرحلة. بيروت كانت تطبع ولا تزال ولكنها فقدت مع دروج مواقع التواصل الاجتماعي فقدت الميزة التي كانت تمتلكها وهي هذا الإعلام المُتقدّم على صعيد العالم، بيروت كانت تقدِّم إعلاماً تعلّم منه العالم الكثير. اليوم لم نعد نحتفل بصدور الكتاب كما كنا نحتفل به سابقاً ولكن الكتاب لا يزال يصدر والمسرحية لا تزال تُعرَض، المسرح الآن لا يعمل لاعتبارات صحية وليس بسبب ندرة المواهب، لدينا أسماء رنّانة. أنا لست متفائلاً أستاذ غسان، أنا أتابع لأعرف ما لا يعرفه الآخرون، لدينا مجموعة من الأسماء الممتازة الهائلة، لنأخذ على سبيل المثال المسرحيات التي عُرِضت مؤخراً لمجموعة من المسرحيين الشباب، كل مسرحية شخصية، كل مسرحية هويّة، كل مسرحية تتمتّع بذاكرة اكتسبتها من خلال العلاقة فينا. نحن ننقل الخبرات والتجارب من دون أن نتقصّد أن ننقلها، هي تنتقل بشكل آلي إلى الأجيال القادمة، لذلك أنا بالطبع متفائل.  

غسان الشامي: أستاذ عبيدو بيروت والمقهى علاقة حياة، والمقهى البحري أيضاً، الدكتور شوقي دويهي كتب كتاباً جميلاً عن مقاهي بيروت، أين أصبح المقهى كنقطة التقاء ثقافي في المدينة؟ 

عبيدو باشا: المقهى هو مكان اجتماع، وباعتبار أننا خسرنا بيروت مؤقتاً كمكان اجتماع خسرنا أيضاً المقهى كمكان اجتماع لأن المقهى جزء من الأماكن التي ترسم صورة بيروت التي نعرفها. هناك مشكلة كبرى لا يلتفت الناس إليها، حين تحوّل شكل العمارة، حين تحوّلت وظيفة قلب البلد أو ما يُسمّى بالداون تاون، حين تحوّلت وظيفة هذا الشارع الثقافي العريق الذي يحتوي على كل المقاهي البيروتية التي تعرّف فيها الناس على عدد كبير من المثقّفين، لماذا؟ لأن شارع الحمرا هو امتداد لمنطقة قلب البلد، حين تحوّلت وظيفة قلب البلد تحوّلت وظيفة هذا الامتداد، خسرنا كل المقاهي التي تحوّلت إلى محلات لبيع الألبسة، وما بقي منها بات يقدّم السحلب والمأكولات. كل أماكن الاجتماع في بيروت تعرّضت إلى هجوم منهجي من خلال الهجوم على الطبقة الوسطى التي هي العنوان الأساسي لكل مفاهيم الاجتماع في المدينة، كان لدينا طبقة وسطى تمّ استهدافها خلال الحرب الأهلية في لبنان ثم بعد الحرب الأهلية تمّ استهداف ما تبقّى من أفراد الطبقة الوسطى وهي طبقة وسيطة وفعّالة على صعيد الإنتاج الثقافي وعلى صعيد إيصال الثقافة بين المُتغيرات وبين الضفاف. حين خسرنا الطبقة الوسطى خسرنا أماكن الاجتماع وخسرنا هذه المدينة الموصوفة بروح الاجتماع. 

غسان الشامي: مَن أوصل بيروت إلى هذا الجفاف الاجتماعي كي لا نقول التصحّر، أن تضرب العلاقات بين الناس والتثاقف والتقارُب من خلال المكان الذي يجمعهم. 

عبيدو باشا: أستاذ غسان الأمر لا يحتاج إلى تنجيم، برأيي الشخصي أنه في انفجار المرفأ خسرنا حرباً لم نخضها، وبخسارة النظام المصرف في لبنان خسرنا حرباً لم نخضها، خاضها المصرفيون وخسروها وخسّرونا، والصراع اللبناني الإسرائيلي قائم على هذين العنصرين: بور بيروت أو بور حيفا، مصارف لبنان أو مصارف بيروت.

غسان الشامي: مصارف لبنان أو مصارف مكان آخر في الخليج. 

عبيدو باشا: إسرائيل لأنني لا أزال أذكر حتى هذه اللحظة المصارف الإسرائيلية المتنقّلة التي أُدخلت عنوةً إلى لبنان وبيروت في العام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وبذل الإسرائيليون قصارى جهدهم في إقناع اللبنانيين والبيارتة بالتعامل مع المصارف الإسرائيلية لإقامة نظام مصرفي متوازٍ مع النظام المصرفي اللبناني ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً. بيروت تتحوّل الآن إلى ضاحية فقيرة لإسرائيل، لبنان يتحوّل إلى بلدٍ، إلى كتفٍ هشّ لإسرائيل في حين أنه كان دمّل إسرائيل لأنه كان يحتوي على النموذج المضاد لهذه الدولة العنصرية. قيل للإسرائيليين أقيموا دولة مشتركة مع الفلسطينيين، قالوا لا نستطيع العيش مع الفلسطينيين، قالوا لهم هناك دولة أخرى على كتفكم هي لبنان فيها 17 أو 18 طائفة قادرة على التعايش في ما بينها، فبالتالي تحوّل لبنان من دمّلة إسرائيل إلى الضاحية الفقيرة لإسرائيل.

غسان الشامي: أنت تعرف وكنا سوياً في تلك الفترة أن مَن أطلق النار على الإسرائيلي في مقهى الويمبي هو البيروتي القومي خالد علوان. بيروت أستاذ عبيدو المدينة المسرح، أنت مررت عليه ولكن أنا أعلم أن بدايتك كانت في هذا المسرح، تياترو بيروت، الآن هل من ملامح لتياترو جديد؟ دار الأوبرا في بيروت هي الوحيدة التي تركوها تعوي وخاوية وعلى وجه الأرض ظلام.

عبيدو باشا: لا يريدون تشغيلها.

غسان الشامي: لماذا؟ 

عبيدو باشا: أتمنى أن أكون قد أجبت على السؤال السابق. 

غسان الشامي: نعم. أنا أوافقك في جزئية ولكن برأيي هناك عامل داخلي حوّل بيروت.

عبيدو باشا: فساد الطبقة السياسية مئة بالمئة ولكن هناك دول عملت على مدى عشرات السنين لتحويل هذه المدينة الطليعية إلى مدينة في آخر المدن. كان لديهم مشكلة بأن هذه المدينة لن تتأقلم، لن تتحوّل إلى مدينة إقليمية تشبه بقيّة العواصم العربية التي هي عواصم ممسوكة بالأنظمة بالكرباج والحذاء. في ما يتعلّق بالسؤال الثاني الذي هو في غاية الأهمية لأنه يعنيني كثيراً، المكان لا يصنع مسرحاً، لا دار الأوبرا ولا مسرح فاروق.

غسان الشامي: ولكن أيضاً مسرح الشارع انتهى، أنتم أقمتم مسارح بين الناس.

عبيدو باشا: نحن غيّرنا في أشكال العلاقات بين المسرح وبين الجمهور، عوضاً من أن يأتي الجمهور إلى المسرح كنا نحن نذهب إلى الجمهور، هذا في مكان آخر، هذا كلام له مكان آخر. المسرح ليس موجوداً في "أوربانيسم" المدينة، إذا أخذتَ الخرائط الأولى المرسومة للمدينة تلاحظ عدم وجود للمسرح فيها، كل المسارح في بيروت عبارة عن صالات سينمائية تمّ تحويلها إلى مسارح. خلال العشرين سنة الماضية ظهرت بعض المسارح التي أقيمت بمعظمها في الجامعات أو أقامها مجانين، في الجامعة اللبنانية أقيم مسرح، في الجامعة اليسوعية أقيم مسرحان هما مسرح بيروت ومسرح مونرو، نضال الأشقر أقامت مسرح المدينة، بدأ مفهوم امتداد وانتشار المسرح يُتداول على نطاق يمكن تلبيته خلال العشرين سنة الماضية، أما قبل ذلك لم يكن المسرح موجوداً في عقل المدينة، وإذا لم يكن موجوداً لا يمكن أن يقوم، لذلك تحايل المسرحيون على الصالات السينمائية وحوّلوها، مسرح بيروت أصبح صالة سينما، مسرح شوشو أصبح صالة سينما إسمها صالة الزهرة، كل صالات السينما القديمة حوّلناها إلى مسارح. أعود وأقول بأن الصالة المسرحية لا تُنتج مسرحاً، المسرحيون هم مَن ينتجون مسرحاً، أهم التجارب في أميركا هي تجارب الشوارع، مثلاً "خبز ودمى" كانت أهمّ تجربة في مواجهة الحرب الفيتنامية، كانت في الشارع، "Les 24" كانت تُعرض في الكراجات والمحلات المتوفّرة، وحين تفرّج بروك عليها كان في صالون منزل، ولذلك سُمّوا ب"Les 24". إسمح لي أستاذ غسان بأن أقول إن الأماكن المسرحية لا تصنع، هي تساهم أو تريح المسرحي لكنها لا تصنع مسرحاً.

غسان الشامي: ولكن هذا المسرح الآخر الذي يذهب إلى شوارع الناس مثلاً مجدلون التي أقيمت في الشارع لم تعد موجودة يا أستاذ عبيدو.

عبيدو باشا: لم تقم في الشارع، نزلوا إلى مسرح بيروت وتمّ وقف المسرحية فقدّموا المسرحية على الطاولات في مواجهة السلطة.

غسان الشامي: إذا أتينا إليك كأحد أبناء بيروت وحصل هذا الانفجار في المرفأ، أولاً بماذا شعرت؟ ثانياً كيف رأيتَ بيروت بعده؟ 

عبيدو باشا: لا أخفي عليك بأنني شعرت بمهانة وذلّ كبيرين، أن يتواطأ طاقم سياسي على هذه المدينة، على هذا المرفأ الذي عمره مئات السنوات، هذا مرفأ فينيقي. بيروت لطالما تعرّضت لغزوات ولكن المرفأ بقي على حاله، في العام 1912 دخل الأسطول الطلياني وقصف بيروت والمرفأ فجابهه البيارتة بالسكاكين، هذه المدينة التي لم يقوَ عليها عنصر في التاريخ قويت عليها طبقة سياسية فاسدة، فأحسستُ بمهانة لا مثيل لها، أحسستُ بنوعٍ من الظلامة الفظيعة، أنا أكره كلمة ظلامة، أنا أحب الاندفاع، أحسستُ بظلامة وبذلّ خاصة حين رأيت اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين في الشوارع فرادى يواجهون نتائج هذا الانفجار النووي بدمائهم الساخنة، تركوهم في الشوارع وحتى الآن هم متروكون، لا أحد يسأل عنهم، هم مشغولون بتأليف الحكومات والمحاصَصة، هذا يريد الثلث وهذا يرد الخصر الناحل وهذا يريد الدربكة وذاك يريد الناي، لا يهمّهم اللبنانيين، لم أقع في أي بلد من البلدان على مثل هذه الطبقة السياسية الفاسدة. 

غسان الشامي: أيّ أفق برأيك ينتظر بيروت، بيروت المُشتهى، بيروت الحلم، ما هو الأفق المُرتِسم أمامك لها؟

عبيدو باشا: كنت اليوم في منزل والديّ وأنا أميل عادةً إلى التفاؤل، وقعتُ اليوم في حال من التشابك بين تفاؤلي الشخصي وبين واقع هؤلاء الناس، الناس بدأت تجوع، أناس أعرفهم ومن لحمي، الناس بدأت تفلس، بدأت تشعر بالعري لأنها لا تملك القدرة على الشراء وعلى البيع. كنت أجلس مع الشباب والشابات وكانوا يتباحثون في شراء حاجيات أبنائهم قبل ارتفاع سعر الدواء والحليب أم يؤجّلون الأمر. لم يصل لبنان إلى هذه المرحلة حتى في أعتى لحظات الحرب الأهلية. 

غسان الشامي: هل يغادر البيارتة إلى الضواحي؟

عبيدو باشا: غادروا بيروت، لم يعد ثمّة بيروتي في بيروت، أخرجوهم بالقوّة، بالترغيب في أوّل الأمر وحين لم ينفع الترغيب أخرجوهم بالترهيب، أنا كنت على دراية بمجموعة من العمليات التي تمّت فيها مصادرة أملاك البيارتة في بيروت، كان يتمّ عبر مجموعة من السياسيين لن أذكر أسماءهم إفلات بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية وغير اللبنانية على مَن رفض أن يترك وسط المدينة وأن يترك بيته، سلبوهم بيوتهم، تسألني هل لا زالوا موجودين أم لا، بالطبع غير موجودين، أصبحوا في عرمون وبشامون.

غسان الشامي: هل هاجروا إلى خارج لبنان؟

عبيدو باشا: معظمهم هاجر، أصحاب الطبقة الوسطى أصبحوا في الخارج. 

غسان الشامي: صديقنا المشترك الراحل عصام العبد لله كان يقول:" ما في مدينة إسمها بيروت، بيروت عنقود الضيَع"، بيروت التي استقبلت كل هؤلاء الناس هل سيبقى لها طعم ولون ورائحة بيروت؟  

عبيدو باشا: انا لا أوافق عصام في كل الأحوال، هو شاعر وهذه واحدة من لمحاته الشعرية، كلا هناك مدينة إسمها بيروت، هذه مدينتي، وأنا شعرت بأنني إبن هذه المدينة في العام 1982 حين بدأ الناس بالفرار من بيروت، بدأ الناس يفرّون إلى قراهم، اكتشفت في تلك اللحظة بأنني لا أمتلك إلا هذه المدينة، أين أذهب؟ أنا أحد الذين بقوا في بيروت على مدى ثلاثة أشهر ونصف الشهر التي هي أشهُر الحصار الإسرائيلي لمدينة بيروت والتي أعتبرها أجمل وأغنى وأكثر فترة ذات معنى في حياتي لأنني قاتلت إسرائيل في الجنوب من تلّة شلعبون في العام 1978 ومات كل أصحابي هناك.

غسان الشامي: ولكن كيف كانت بيروت أجمل؟ 

عبيدو باشا: مَن لا يعرف بيروت لا يستطيع أن يضع يده على مقدار جمالها، إذهب مرة واحدة إلى وسط المدينة وتسرّب من سوق إلى سوق، من سوق القماش إلى سوق السمك إلى سوق الصاغة.  

غسان الشامي: أنا أعرفهم وأعرف روائحهم ولكن أريد أن أوصل الرائحة إلى المشاهد، معي نصف دقيقة إذا يمكنك أن توصّف فيها بيروت. 

عبيدو باشا: هذه المدينة عبارة عن عالم مُتكامل له القدرة على أن يجتزئ بعضه في أوقات ويقدّمه إلى أزمنة، وأن يُعيد تكوين نفسه، الأمر اليوم بات صعباً لأن شكل المدينة تغيّر، وبتغيير شكل المدينة تغيّرت روحها ولكن أنا لا أزال أراهن على هذا البنيان الذي لا يموت للمدينة القائم على فكرة في غاية الأهمية والتي هي المساحة المشتركة، وأن بيروت جزء من طريق الحرير. 

غسان الشامي: أشكرك. لا يمكن أن تكون بشرياً إن لم تحبّ، رغم كل شيء بيروت مدينةٌ شرّعت أبوابها للحبّ، وها هي الآن تئنّ لأن مَن يكرهها هم فعلاً بعض أهلها الذين أمعنوا بها تمزيقا. شكراً للزميل الصديق الأستاذ عبيدو باشا على بيروتيّته أولاً، على إضافته ثانياً، شكراً لزملائي الأعزّاء في البرنامج والميادين، أيامكم أمان، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم..