حقوق الطفل والطفولة في الإسلام

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

يتعرَّض الأطفال في العالم العربي والإسلامي إلى بلاءات وامتحانات قلّ نظيرها في العالم، ومع ارتفاع وتيرة العُنف والحروب الأهلية والصِراعات والإرهاب والإفلاس الاقتصادي والأمني والحضاري في أكثر من دولةٍ عربيةٍ أصبحت الطفولة مُهدَّدة في وجودها. فالظروف القاسية جعلت الأطفال رجالاً، والفتيات نساءً يعملنّ في أفظع المِهَن التي لا يقدر عليها الرجال أنفسهم، ناهيك عن التسوّل والتشرّد والبحث عن لُقمة الخبز في الطُرقات والشوارع. وكل ما يحدث للأطفال يؤشِّر إلى وجود جهلٍ كبيرٍ بحقوق الطفل والطفولة في الإسلام.

لقد حرص الإسلام على حفظ وصون الإنسان في جميع مراحل حياته. قال الله تعالى "ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر، ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثيرٍ ممَّن  خلقنا تفضيلاً". ولأنّ الطفولة هي أول مرحلة في حياة الإنسان فقد خصَّها الإسلام بكمٍّ هائلٍ من التوجيهات والإرشادات ليكون البناء متيناً وقوياً لاحقاً. ألا تعني الطفولة المُعذَّبة مستقبلاً أسود؟ وقد أدّى التفكّك الأُسَري وانهيار الأسرة العربية وانفجارها إلى زيادة الأطفال اليتامى، وتشرّدهم وارتفاع عدد الأطفال مجهولي النَسَب. 

لقد تدرَّجت الشريعة الإسلامية مع مراحل عُمر الإنسان من الطفولة وإلى الشباب، فالكهولة والشيخوخة، بل حتّى الموت وكيفيّة الذهاب إلى الآخرة. كل ذلك أولاه الإسلام اهتماماً كبيراً. والشريعة الإسلامية اهتمَّت بالطفل اهتماماً لا مثيل له، فأوجبت له حقوقاً شملت جميع سنوات طفولته المُختلفة. فالأطفال جيل الغد ورجال المُستقبل، والخَلَف الذي يضمن لأمِّته استمرارها وامتدادها على مرِّ العصور والقرون. والقرآن تحدَّث عن الأطفال والأولاد بكثيرٍ من الجمال والطاقة الإيجابية، قال تعالى "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، وقال الحبيب الطبيب صلَّى الله عليه وآله وسلّم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو عِلم يُنْتَفَع به، أو ولدٌ صالحٌ يدعو له". فالولد الصالح يصل إحسانه وبرّه وعمله إلى والديه وهما في دار الآخرة. فما هي أسباب ازدياد الجرائم الأُسَرية والمُجتمعية ضدّ الأطفال؟ وما هي أسباب بروز ظاهرة تعنيف الأطفال وتسخيرهم حتى في الإرهاب؟ ما هو واقع الطفولة اليوم في العالم العربي والإسلامي؟ وهل هناك تشريعات مُتعلّقة بحماية الطفل والطفولة؟ ما هي حقوق الطفل في الإسلام والقوانين الوضعية؟

"حقوق الطفل والطفولة في الإسلام" عنوان برنامج أ ل م، ويُشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الأستاذة أمينة حيرش الأخصّائية الاجتماعية والنفسية، ومن سوريا الحبيبة الدكتور علاء الدين زعتري الأستاذ في الفُقه المُقارَن والاقتصاد الإسلامي، ومن الأردن الحبيب الشيخ مصطفى أبو رمّان الشيخ والداعية المعروف.

مُشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

"الأطفال في الإسلام رعايتهم ونموّهم وحمايتهم" الأزهر الشريف بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف.

يحتوي الدليل الذي يحمل عنوان الأطفال في الإسلام، رعايتهم وحمايتهم ونموّهم على بحوثٍ ومُقتطفاتٍ من القرآن الكريم والأحاديث النبوية والسنَّة، وعلى معلوماتٍ مهمّةٍ حول حق الطفل في الصحة والتعليم والحماية. وقد عبَّر كل مَن اليونيسف وجامعة الأزهر عن أملهما في أن يُسْتَعَمل هذا الدليل على نطاقٍ واسعٍ كأداةٍ لضمان رفاه الأطفال في الدول والمجتمعات الإسلامية، ويعكس الدليل الجديد الرؤية الأكثر شمولية لقضايا الأطفال التي برزت إثر صدور كتاب "رعاية الأطفال في الإسلام" منذ أكثر من عشرين عاماً.

يحيى أبو زكريا: أستاذة أمينة من الجزائر أنت على تماسٍ بواقع الطفولة في الجزائر وفي العالم العربي. ما هي أبرز المُعضلات التي تُصادِف الطفل العربي والطفل المسلم؟ ولماذا الأطفال في الغرب نالوا حظوة لم ينلها أطفال العرب والمسلمين؟

 

أمينة حيرش: مرحباً بك أستاذ ولضيوفك الكِرام، وكل المُشاهِدات والمُشاهدين كمُختصَّةٍ في شؤون الأسرة والطفولة نتأسَّف لواقع الطفولة في الدول العربية في السنوات الأخيرة، خاصة عندما نرى انتهاك حقوق الطفل والبراءة، وعندما نرى الأطفال يُعنَّفون جسدياً ولفظياً، هذه الحقوق التي دين الإسلام الحنيف منح حق العيش للطفولة، ومنح لهم الكرامة، وحفظ لهم كل حقوقهم. كذلك نرى أنّ الدين الإسلامي حفظ الجنين حتى وهو في بطن أمّه عندما حرَّم الإجهاض، وله الحق في العيش بكرامة، وله الحق في التغذية، وله الحق في الصحة النفسية، وله الحق في التعلّم، وله الحق في مُمارسة كل حقوقه مثله مثل الكبار، هذا الطفل الذي سيصبح رجل الغد، وامرأة الغد، إطار أستاذ طبيب نراه اليوم للأسف يبدأ تعنيفه حتى من الأسرة، الأسرة التي هي أول مؤسَّسة تنشِئة اجتماعية. الطفل في الأسرة له الحق في التعبير، له الحق في عَيْش جوّ فيه استقرار أُسَري لا يجب أن يكون الأطفال شاهدين على عنف الآباء ضدّ الأمَّهات. اليوم نرى أطفالنا أولاً استقالة الوالدين للأسف في الجانب التربوي، أزمة تواصُل يُعانيها أبناؤنا في الدول العربية داخل الأسرة.

كذلك نرى أنّ هؤلاء الأطفال أصبحوا اليوم يستغلّون حتى كعمالة إنشاء، وعمالة الأطفال موجودة في الدول العربية هذا الطفل الذي لا يسمح قانون العمل بعمله إلا في عُمر ال 18 عاماً نرى أطفالاً قُصَّراً أطفالاً مراهقين يمارسون أعمالاً لا تتناسب وقواهم الفيزيولوجية، وحتى النفسية. عندما نرى أطفالاً يُسْتغلّون على حافّة الطُرقات وفي أشعَّة الشمس، وأطفالاً يعملون في وِرَش نرى هذا الاستغلال الاقتصادي والنفسي لأطفالنا، كذلك نرى الأطفال في الدول التي تُعاني من الحروب والحروب الأهلية نرى أنَّهم محرومون من اللعب والغذاء، هذا كلّه دليل على أنّ الطفل العربي رغم أنّ الدين الإسلامي يحفظ له كرامته، ورغم أنّ القوانين الوضعية والاتفاقيات الدولية، لكن لا زال أطفالنا يعانون بصمت. اليوم نرى أنّ أطفالنا للأسف يتعرَّضون للاغتصاب والتحرُّش الجنسي حتى إلى التنكيل بهم وبجثثهم.

اليوم ندقّ ناقوس الخطر، ونقول إنّ الطفولة بحاجةً إلى مشاركة كل أطياف المجتمع، وكل مؤسَّسات التنشئة الاجتماعية. نعم الأسرة التي فقدت دورها بحُكم التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية في عديد الدول العربية. اليوم أصبح هذا الطفل من آخر الاهتمامات خاصة أننا نرى أنّ الأولياء يعتقدون بأنّ تلبية الحاجات المادية للأطفال هي الأساس، هذا الطفل يحتاج إلى حاجاتٍ نفسيةٍ هو بصدد بناء نفسيّته، وبناء النفسية يمرّ عبر مراحل، نرى الطفل في الطفولة المُبْكِرة، وقبل الدخول إلى المدرسة يحتاج إلى معرفة المحيط وإلى اكتشاف ذاته واكتشاف الآخرين، وهنا دور الأسرة في التواصُل. ونرى اليوم العكس هذا الطفل أثناء الطفولة المُبْكِرة أصبحت الأُسَر العربية تكتفي بوضعه أمام جهاز هاتف جوَّال، أو أمام شاشة التلفزيون كيف يكتسب هذا الطفل؟ وكيف يكتسب مهارات؟ ويكوِّن خصائص شخصيّة سليمة؟

 

يحيى أبو زكريا: صحيح كلّ ما ذكرته صحيح واقع، وربما هنالك أفظع منه أيضاً. دعيني أذهب إلى دمشق إلى الدكتور علاء الدين. دكتور علاء الدين هذا الواقع الذي عليه الأطفال في العالم العربي والإسلامي، وأنت يكفي أن تتجوَّل في الطُرُقات لترى ظاهرة الشحَّاذين الأطفال والمُتسوّلين الأطفال، وما إلى ذلك وهي ظاهرة تؤرِق العرب والمسلمين. لكن بالمقابل الإسلام في بُعده النظري جميل، وخصوصاً نصوصه المُتعلِّقة بالأطفال، حدِّثنا عن هذه النصوص لأنّنا نحن جميلون في النظرية، سيّئون في التطبيق. فحدِّثنا عن جمال النظرية يرحمك الله؟

 

علاء  الدين زعتري: شكراً لك دكتور يحيى ولضيوفك الكرام، وللإخوة المُتابعين والمُشاهدين أقول بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله القائل في كتابه: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، والصلاة والسلام على رسول الله محمّد وآله وصحبه رسول الله أفضل والد وأكرم جدّ، وهو القائل: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم فإنّ أولادكم هدية إليكم".

دكتور يحيى من خلال عملي في إدارة الإفتاء كنت أيضاً عضواً في مجلس إدارة الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان لمدَّة تزيد على عقدٍ من الزمن كنّا نلاحظ هذه المظاهِر التي ذكرتها أُختنا من الجزائر، ولكن كما ذكرت فإنّ جمال الإسلام في تطبيقه، وليس في نظريّاته عندما نبحث عن الأهداف، وعندما نتحدَّث عن المقاصد نجد بأنّ الإسلام جاء ليحفظ للإنسان صغيراً، أو كبيراً، جنيناً، أو مولوداً رضيعاً، أو متحرّكاً شاباً، أو كهلاً شيخاً وصل إلى حافّة عُمره في أجله، أو كان قوي البنية حفظ للإنسان نفسه ودينه وعقله ونَسَبه ونسله وحفظ له ماله. كيف يتصوّر في عالم في مجتمع يقرأ القرآن ويعيش في مجتمع مسلم أن نجد هذه المظاهر من العنف والقتل والتشريد والعمالة غير المنظّمة، والقرآن الكريم يتحدَّث في حفظ النفس إذ يقول: "ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله"، ويقول في وصف عباد الرحمان: "ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله"، وعندما نتحدّث بخصوص أولاد نقرأ قول الله تبارك وتعالى: "ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيَّاهم" من خشية الفقر يقتل نكاية بالطرف الآخر شريك الحياة يسجن أو يعذب أو أية حال وصل إليها مجتمع يحمل قِيَم الإسلام وأخلاق النبوّة وفي خصوص البنت قال الله تبارك وتعالى: "وإذا الموؤدة سُئِلت بأيّ ذنبٍ قُتِلَت". عندما نرى هذه المظاهر الحياتية الفظيعة البشعة نقول كم هو الفرق بين النظرية والتطبيق، متى يصحو المسلمون وهم يقرأون كتاب ربّهم؟ أم أنّ الآخر قد استطاع أن يجعل القرآن عبارة عن أوراقٍ مذهبةٍ مطبوعةٍ مؤنّقة موضوعة على الرفّ، ربما تكون للبركة وعزلهم عن واقع الحياة تطبيقاً، وجعلهم مُهْمَلين وما يُسمَّى في القانون بالتسيّب لا يسأل الوالِد عن ولده، ولا الأمّ عن ولدها، وإنّما كلٌ مشغولٌ بنفسه، وهنا نؤكِّد على نظرية، هل نحن مجتمع مُتكامِل يعمل لمصلحة جماعته؟ أم هو مجتمع مُتفكِّك؟ كلٌ يعمل لمصلحته الفردية. ما بين الفردية والجماعية نؤكّد على جمال الإسلام في نظريّته وفي تطبيقه إن عشناها، كيف كان الأنبياء سلام الله عليهم، وكيف كان الأهل سلام الله عليه، وكيف كان الصحابة رضوان الله تعالى عنهم كيف يتعاملون مع أبنائهم، وكيف تعاملوا مع المجتمع الذي عاشوا فيه هذا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ربّيَ يتيماً، ولِدَ لم يرَ أباه بعين رأسه، ولكن سمع من أمِّه عن أبيه وفي السادسة من عُمره فقد أمَّه، فهل اليتيم الذي استطاع في ما بعد بإرادة الله تبارك وتعالى ولا شكّ الذي استطاع أن ينشر رحمته للعالمين، وأن يبثّ توجيهاته للأمم كلّها هذا اليتيم ما هي الظروف التي جعلته بهذه القوّة العلمية والفكرية والروحية؟ هذا ما نحتاج إليه في حياتنا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علاء وهذا اليتيم غيَّر وجه العالم، وجه التاريخ، وجه البشرية، ونقل الناس من الظُلمات إلى النور. مليار سلام وصلاة عليه وعلى أهله جميعاً. شيخ مصطفى إذا تركنا القرآن جانباً والسنَّة النبوية جانباً ونصوص الأوصياء والأولياء جانباً أين الدول العربية من رعاية الأطفال؟ الطفل يُنْحَر من الوريد إلى الوريد في حقوقه على مرأى من الناس. يومياً نسمع فلاناً قتل، هذا طفل كذا وكذا حدث له والقصص تصوّر تملأ الجرائد والمواقع الالكترونية في كل الدول العربية، ولا يوجد إعلان لحال الطوارئ لإنقاذ الطفولة في عالمنا العربي والإسلامي حتى صرنا نرى الأطفال يموتون في عَرْض البحر وفي المحيط الأطلنطي والبحر الأبيض المتوسِّط أطفالنا يفرُّون من أوطاننا. لماذا دولنا ظالمة إلى هذا الحد شيخ مصطفى؟ لماذا تُذْبَح الطفولة من الوريد إلى الوريد؟

 

مصطفى أبو رمان: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزاك الله خيراً، وحيَّاك الله، وضيوفك الكرام ومشاهدينا الأعزّاء. ربّي إشرح لي صدري ويسرّ لي أمري واحلل عُقدة من لساني يفقه قولي، أين الدول العربية من الأطفال؟ لو كانت الدول العربية تهتمّ بالرجال لاهتمّت بالأطفال، ولهذا الإعلام والتربية ووزارات التربية والمدارس جميعها هي مسؤولة عن الطفل لتربيته وتنشأته وإخراجه من الجهل والفقر ومن المخدّرات وغيرها من الأمراض والأوبئة التي تفتك بالعالم العربي، ولهذا المسؤولية كبيرة جداً على الدول العربية التي تُنفق أموالها في القتل وفي سفك الدماء، وفي الفساد إلى غير ذلك، واهتمامها بالطفل هو آخر همومها الدول العربية هناك اهتمامات كما نرى ونلاحظ أنّ في هذا الوقت خاصة الاهتمام بالتطبيع وتمرير صفقة القرن وإبقاء العروش على حالها والظلم والاضطهاد وكأنّ الطفل الذي هو غداً سيكون جيل المستقبل كأنّه لا يعنيهم بشيء. الدول العربية إذا تحدَّثنا عنها، الحكومات هي التي تحمل المسؤولية الأولى عن هؤلاء الأطفال لتربيهم وتنشأتهم على حبّ دينهم وعلى حبّ الأوطان وعلى التضحية في سبيل الدين والوطن. ولكن للأسف الشديد جداً أنّ هذه الدول العربية الآن همّها عروشها، وبقاء سياساتها الظالمة وبقاؤها، هذه السياسة التي تسير فيها الدول العربية بدأنا نشعر بالتناقُص في التربية، عندما كنّا في الإبتدائية والإعدادية أين هذه المراحل التي كان فيها آباؤنا، ونحن أبناؤنا إلى فترة قبل عقود لم تكن التربية بهذا المستوى الحالي. الآن التربية لا تعتني بالطفل العناية الكاملة لا العناية الدينية ولا العناية الوطنية ولا العناية الإنسانية. نحن أحوَج ما نكون أن تنتبه وتستيقظ الدول العربية إلى هذا الهمّ الذي غداً سيكون هؤلاء الأطفال ربما قنابل موقوتة يثورون في وجه هذه الحكومات وهي الدول العربية التي أخذت حقّهم في تنشأتهم، وفي تربيتهم في صحتهم وفي كل أحوالهم. ولهذا الدول العربية الآن هي في غفلة عن هذا الجيل الذي سيكون غداً جيل المستقبل. الدول العربية همّها ما هي فيه الآن من صفقة القرن إلى التطبيع إلى البُعد عن دين الله عزّ وجلّ وإلى غير ذلك مما نراه من حال الدول العربية، وهي ليست فقط غافلة، لا بل تقصد إهمال هذا النشء، وهذا الطفل وتحاول أن تربّيه على ما تريده هي، ولهذا يجب علينا وجوب أن ننبّه أبناءنا والأُسَر جميعاً أن يخرجوا إلى تربية صحيحة، لا تربية الحكومات، ولا الدول العربية.

وكذلك الإنفاق الذي نجده كما أشار الدكتور علاء الدين زعتري أنّه في الدول الأوروبية هذا النشء يهتم به اهتماماً كبيراً جداً، وفي دولنا لا يهتم به إلا أن يكون فقط مُذعناً وذليلاً للحكومات وللسياسات الداخلية، أما أن ينشأ عقله وبصره وسمعه وصحته وغير ذلك مما يُراد لهذا الطفل تنشئة صحيحة، فأين الدول العربية؟ الدول العربية في غفلةٍ من أمرها وفي غفلةٍ عن مستقبل أبنائنا.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى طبعاً نحن نتحمَّل المسؤولية قاطبة لأنّنا معشر العرب ومعشر المسلمين ولّينا السُفهاء، ولّينا السُفهاء، ولّينا السُفهاء فضاع المستقبل وضاعت الطفولة.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

 

"حقوق الطفل بين النظرية والتطبيق" عروبة جبار الخزرجي.

الأطفال لا يشكّلون خطراً فكرياً، أو أمنياً على الدولة، ولا يهدّدون كيانها، وليست لهم أصوات يؤثّرون فيها على الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة، ولا يزاحمون سلطات الدولة في المناصب وهم الشريحة الاجتماعية الوحيدة التي ليس لها القُدرة على المطالبة بحقوقها. لهذا فإنّ المجتمعات الغربية لم تهتمّ بحقوق الطفل مثل اهتمامها بشرائح العمال والفلاحين والمهندسين وغيرها من التنظيمات المؤثّرة في توجّهات الدولة، وما ساعد في عدم الاهتمام بوضع الأطفال هو أنّ الأطفال يعيشون في كَنَفِ الأبوين الذين يجهدان نفسيهما لإسعاد أطفالهما ويعملان من أجلهم. غير أنّ تشتّت العائلة في الغرب بسبب الحروب الدامية وزيادة الأطفال اليتامى وتشرّدهم وبروز حالات العلاقات غير المشروعة بين الرجل والمرأة، وزيادة عدد الأطفال مجهولي النَسَب أنتجت مشاكل عديدة حرمت الأطفال الحماية الأبوية والأُسَرية والرعاية الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والتعليمية، وازدادت نسبة تشرّدهم وجنوحهم نحو الجريمة واستغلالهم للقيام بأعمالٍ غير أخلاقية وغير إنسانية.

 

المحور الثاني:

"حقوق الطفل في اللإسلام" سهيل حسين الفتلاوي

صدر العديد من المُعاهدات والوثائق الدولية لتنظيم حقوق الطفل إلّا أنّها لم تطبَّق من الناحية العملية بسبب عدم وجود قواعد قانونية تُلزِم الدول والأفراد بضمان حقوق الطفل وحمايته. لهذا فإنّ شريحة الأطفال من أكثر شرائح المجتمع تعرّضاً لآثار المُنازعات المُسلّحة، فغالباً ما يكونون ضحايا الحروب بسبب عدم قُدرتهم على حماية أنفسهم. تلك الصورة التي يعيشها العالم المعاصر المُتقدّم في نظرته للأطفال لم تكن موجودة في المجتمعات الإسلامية. فالعلاقة القبلية والعائلية والدينية تحتّم على العائلة المسلمة رعاية الأطفال وحمايتهم في جميع الأوقات. وجعل الإسلام الهدف الأسمى للعلاقات الزوجية أن تقوم على أساس تكوين أسرة يكون فيها الأطفال المحور الذي يربط الزوج بالزوجة ويحقّق وحدة العائلة وتماسكها.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، من أدرك حلقتنا الآن نحن نتحدَّث عن الطفولة والطفل وحقوق الطفل في الإسلام وما أكثر حقوقه، لكن في الواقع يُذْبَح هذا الحق من الوريد إلى الوريد. هنالك جهد أكاديمي وبحثي بُذِل في سبيل إبراز حقوق الطفل، حقوق الطفل بين النظرية والتطبيق الأزهر أصدر كتاب الأطفال في الإسلام بالتعاون مع اليونيسف منظمة الطفولة العالمية حقوق الطفل في الإسلام مُقارنة مع التطبيقات والقوانين الدولية حقوق الطفل في التاريخ منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، حقوق الطفل وسُبُل تحقيقها في الشريعة الإسلامية، حقوق الطفل في الإسلام كتب كثيرة، لكن لا واقع في الأرض، ولا حقوق للطفل في الشارع العربي.

أستاذة أمينة  بالعودة إلى الدول العربية هنالك واقع مرير للطفل أولًا الأجهزة الأمنية تمدّ صنَّاع القرار بما يحدث للطفل، للأطفال التوجّه إلى المخدّرات، توجّه إلى الإرهاب أيضاً، توجّه إلى أعمال مُخلّة بالأداب، وقضايا كثيرة جداً. لكن صانع القرار لم يتحرَّك لكي يضع استراتيجية لإنقاذ الطفولة لأنّ إنقاذ الطفولة هو إنقاذ مستقبل الدولة، مستقبل المجتمع. هنالك حال من الإهمال واللامُبالاة، يُقتَل طفل لا نُعنى به، يُذْبَح طفل لا نُعنى به. متى يستيقظ الضمير المسؤول في بلادنا العربية؟

 

أمينة  حريش: أولًا علينا دقّ ناقوس الخطر عندما نرى هذه البراءة تُنتهك، هنالك خَلَل في النسيج القِيَمي للمجتمعات العربية اليوم. فقد تجاهلنا منظومة القِيَم الاجتماعية الإسلامية، تجاهلناها وأصبحنا نُربّي أبناءنا بطُرُق تختلف عن الطرُق الصالحة لتربية الأطفال. والجيل السليم يساهم في بناء الأوطان، فنحن عندما نرى أنّ هنالك قصوراً في أداء مؤس!سات التشريع الاجتماعية بدءاً من الأسرة واستقالة الوالدين في الجانب التربوي، وإهمال الوالدين للجانب القِيَمي مثل زرع القِيَم في أبنائنا، وزرع روح المواطِنة كما ذكرتم. كذلك نتحدَّث عن المدرسة كمؤسَّسة تربية اجتماعية حتى في البرامج التربوية من الضروري أن تتناسب هذه البرامج مع طبيعة المجتمعات العربية المسلمة، ومع التغيّر الاجتماعي الحاصل لأنّ الطفل اليوم يشهد تحدّيات في ظلّ التكنولوجيات الحديثة، ولا ننسى أنّ الغزو التكنولوجي الحديث دفع الطفل للبحث عن البديل في مواقع التواصُل الاجتماعي في العالم الافتراضي بكل تحدّياته. هنالك أطفال بحُكم ولوجهم إلى الإنترنت من دون رقابة أُسَرِية نرى حتى أنّهم اندمجوا في مواقع مُخلّة، ومواقع تشجّع على الإنحراف، حتى الدخول إلى مواقع إرهابية مع جماعات لا تتناسب مع سنّهم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذة أمينة  الدولة التي تستطيع اعتقال النملة تحت الصخرة الملساء، ألا تتمكَّن من حَجْب المواقع المُخلّة بالآداب؟ ألا تستطيع أن تلغي هذا الموقع وذاك الموقع وذلك الموقع؟ ألا تستطيع أن تؤسِّس لمواقع تربوية فاضلة؟ ألا تستطيع في تلفزيوناتها أن تبثّ الفضيلة بدل الرذيلة؟ ألا تستطيع؟

أمينة  حيرش: نعم هنالك تقصير واضح. إذا لم نهتمّ بالطفولة، وإذا لم نهتمّ بالمجتمع بالإمكان حَجْب هذه المواقع، وبالإمكان أن تكون هنالك رقابة مباشرة أو غير مباشرة، نعم حتى البرامج التربوية، حتى في الإعلام لا ننسى أنّه مؤسَّسة تربوية اجتماعية، والحصص التربوية الهادِفة تساهم في تنشئة أبنائنا.

إذاً، أنا أقول هذا القصور الواضح يتشارك فيه الجميع، الكل هنا هو سبب في ما وصلت إليه الطفولة. علينا التدارُك، وعلينا وضع استراتيجيات. عندما نهمل الجانب الأكاديمي أبحاث الطفولة موجودة في مختلف مخابر الجامعات عبر  الدول العربية، لماذا لا نستعين بخبرائنا؟ لماذا نترك فقط هذه الأبحاث نظرية وقد أكل عليها الغبار؟ لماذا لا نلجأ إليها؟ لماذا لا تكون الدول العربية مؤسَّسات تُعنى بالطفولة مباشرة مؤسَّسات رسمية تابعة للدولة تُعنى بالطفولة؟ هذا كلّه يجب على كل الدول العربية، وعلى كل الحكومات العربية أن تولي أهمية كبيرة جداً للطفولة لأنّ ضمان طفولة سوية ومتوازِنة هو ضمان مجتمع متوازِن مثلما الأسرة هي الأساس في بناء المجتمع، الطفل هو العنصر الأساس في المجتمع إذا كانت تنشئته سليمة أكيد سيُساهم في بناء مجتمع الوطن، والعكس يصبح هو الذي يساهم في تدمير المجتمع، وفي تدمير القِيَم وفي تدمير استقرار هذا الوطن، ونحن نرى للأسف الشديد أنّ أطفالنا يُغرَّر بهم وأطفالنا أصبحوا للأسف الشديد ضحايا في البحار عندما نرى طفلاً صغيراً يفكّر في الهجرة غير الشرعية، ويمتطي قوارِب الموت اتجاه وجهة مجهولة لأنّه يظنّ أنّ الحياة الرغيدة والعيش الرغيد سيجدهما وراء البحار، هذا الطفل الذي فكَّر بهذا السلوك وهذا الانتحار أكيد هو طفل يشعر بالاغتراب داخل الأسرة ويشعر بالاغتراب داخل المحيط.

 

يحيى أبو زكريا: كلّ ما جئت على ذِكره صحيح، وما دمتِ من الجزائر دعيني أقول لطالما وجّهت إشكالات لوزارة الثقافة الجزائرية، كنا في الجزائر ندعو مطربة أو مطرب من المشرق العربي، ونعطيه نصف مليون دولار. لو سخَّرنا هذه الملايين في خدمة رواية الطفل ومسرح الطفل وشعر الطفل وثقافة الطفل وعبقرية الطفل لكان النِتاج اليوم مختلفاً. نحن نحصد ما زرعناه للأسف الشديد.

دكتور علاء الدين زعتري للأسف الشديد الدول في الغرب الآن لو تنظر إلى الميزانيات المُخصّصة للطفولة صدقاً ترى شيئاً فظيعًا ورهيباً. دعني أقول لك بحُكم أنني عشت في الغرب الطفل ذو سلطة في الغرب، في الغرب مقام الطفل أولاً، ثم المرأة، ثم الكلب، أو القطة، ثم الرجل. الطفل إذا اتصل بالشرطة يستطيع أن يسجن والديه إذا ضرباه. نحن في العالم العربي بكل صراحة التفكير الذي يُفضي إلى إنتاج أجيال صالحة لم يقارب الطفولة والأطفال، لا في الحقوق ولا في الممارسات المُفضية إلى صناعة أطفال ربّانيين أقوياء أذكياء.

 

علاء الدين زعتري: السبب كما ذكر الإخوة ضيوفك الكرام الشيخ مصطفى،  والدكتورة أمينة  عندما يكون القرار مستقلاً تستطيع أن تصنع مستقبلاً رشيداً فاضلاً. وأمّا عندما تكون الحكومات تابعة، فأيّ شيء تنتظر منها في الخطط الاستراتيجية. الفرق بيننا وبين الغرب أنّ الغرب يعيش للحياة، ويعيش للمستقبل، ويُخطّط لعشرات السنين، بينما نحن نتحدَّث في ردود الأفعال. فالجرائم التي تحصل في عالمنا العربي والإسلامي في هذه الأيام، أنظر كيف تكون؟ تكون في مناطق التوتّر، وفي مناطق المشكلات السياسية، عندما ترى سمل العيون ورمي الأطفال من الجسور، وعندما ترى اغتصاب الفتيات، ترى ذلك في مجتمع يعيش حالاً من القلق والتوتّر الاجتماعي والضعف الاقتصادي والضياع السياسي.

وفي حديثنا عن المقاصد الشرعية بعد أن تحدَّثنا عن حفظ النفس، نتحدَّث عن حفظ الدين ألا وهو التربية الإيمانية، ألا وهو التربية على إبداء الرأي أنّ هذا الطفل هو إنسان، وليس مُهْمَلًا. نقول له أن يأكل ويشرب ويلعب فقط، إنّما له شخصيّته، فهذا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لما أردف خلفه إبن عمه عبد الله إبن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: "يا بنيّ إني أعلّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدَّة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". هذه الكلمات في بناء الشخصية الإيمانية الراقية لم تكن لكبار السنّ، وإنّما كانت لرعاية الطفل لتغرز في النفس أهمية القِيَم الأخلاقية. وإذا كان التوجيه القرآني للكبار قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً"، المسؤولية ليست فقط أن أعيش بنفسي، وأنجو بنفسي، بل المسؤولية في أن أعيش أنا وأسرتي وأهل بيتي ومجتمعي لأنّنا نعيش في سفينةٍ واحدة، لن نترك مَن هم في أسفل السفينة يخرق خرقاً فيها، فنغرق جميعاً، وإنّما علينا أن نأخذ بأيديهم. فكما تفضّلت في قضية تبادُل الثقافات بين المشرق والمغرب، أو بين المحافظات والولايات، ما بين المركز والأرياف والأطراف والمناطق المُهمّشة، ما لم تكن مسؤوليتنا في الوصول إلى هؤلاء جميعاً بإيصال المعرفة النقية لهم والعلم النافع إليهم سيبقى وضعنا على ما هو عليه والذي يقف إنّما هو في تراجع. فالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيّكم، وحب آل بيته، وقراءة القرآن".

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى الإعلام العربي الذي هو جزء من النظام السياسي لا أحد يقول الإعلام العربي بريء من النظام السياسي، لا هو امتداد للقرار السياسي للنظام السياسي بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة. في كل ما يقدّمه للأطفال محبوب العرب، مُغنّي العرب، مطرب العرب، الطفل العربي إذا غنَّى أغنية غربية لمطرب غربي يصفّقون له ويمجّدونه ويحوّلونه إلى أسطورة، وهذا الإعلام لا يقدِّم لنا رسوماً متحرّكة متعلّقة بالواقع العربي والواقع الإسلامي، لا كلّها من الغرب، أفلام كلّها من الغرب حتى إذا نشأ الطفل شعوره يكون غربياً. إلى أيّ مدى يتحمّل هذا الإعلام نشر الرذيلة والضياع لتدمير الأجيال العربية والإسلامية؟

 

مصطفى أبو رمان: نعم أحسنت جزاك الله خيراً. الإعلام ودعني أعقِّب على موضوع الترابُط الأسري قبل الإجابة على موضوع الإعلام بالرغم من الإهمال للطفولة، إلّا أنّ الترابُط الأسري بحُكم عقيدتنا وقرآننا وسيرة نبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم نجد أنّه من 70 إلى 75 بالمئة من الدول العربية، بينما يقلّ في أميركا إلى 40 بالمئة، وفي أوروبا من 45 إلى 50 في المئة، ولهذا نحن لا تزال عندنا بقيّة دين وترابُط أسري يجعلنا أفضل من أولائك. نحن بحاجةٍ إلى أن نكون الأكمل لأنّنا نحمل ديناً عظيماً، ورسالة نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم. أمّا الإعلام فهو المسؤول المباشر، وأنت تعرف يا سيّدي، وأنت ما شاء الله عليك في كل وسائل التواصُل ليس بالتلفزيون وحسب، وجزاك الله خيراً على كل رسائلك الإعلامية التي تبثّها من وسائل التواصُل الصغيرة إلى حلقاتك في أ ل م والميادين. الإعلام هو المسؤول، ومن المسؤولين الأوائل كالأمّ والأب لأنّ الطفل هذا لا تستطيع أن تمنعه من أن يرى هذا التلفاز وهذا الهاتف والإنترنت وكل الوسائل يراها ويسمعها ويشاهدها، فلا بدّ من أن يكون للإعلام  دور عظيم جداً على سبيل المثال يا سيّدي كانت قبل عام 2011 (15) فضائية دينية، وكانت أكثرها تبثّ حلقات هادفة لتعليم الدين الصحيح، إلا القليل منها التي كانت مُتعصّبة بعد العام 2011 بما يُسمَّى هذا الزمهرير، هذا الربيع كانت 150 فضائية تبثّ سموماً كما ذكر الدكتور بدعة المولد وتتكلَّم على البِدَع، والضلالات والانحراف والإرهاب وغير ذلك. 150 فضائية بعد الـ 2011 هذه الآن تبثّ سموماً في آذان أطفالنا وأبنائنا حتى كبارنا وحتى أساتذتنا أساتذة الجامعات تأثّروا بهذه الفضائيات، فما بالك بالأطفال. إذاً، الإعلام يجب أن يكون موجّها، وإذا لم يكن كذلك، وكانت هذه الفوضى الإعلامية التي نراها وتسمع أطفالنا الغثّ والسمين يجب علينا نحن كآباء وأمّهات وتربويين أن نجعل حاجزاً وفاصلاً بين أبنائنا، وألا نمكّن آذانهم من سماع هذا الضلال وهذا الانحراف وهذا الباطل.

الإعلام مسؤول مسؤولية كبيرة جداً، وعليه أن يتحمَّل مسؤولية كبيرة جداً فإذا لم نستطع أن نبعد أبناءنا، فنحن تركناهم في فوضى قد نجد نتائجها قريبة جداً في شباب يعيثون في الأرض فساداً. نسأل الله تعالى أن يوفِّق إعلامنا إلى القول السديد الصحيح، وأن يوفِّق الآباء والمُربّين والأساتذة والأمّهات إلى أن يكونوا حريصين ألا يسمع إبنهم من أيّ ضالّ أو مُنْحَرِف. لا تمكِّن أذنيك من زائغ العقيدة، ولا تُمكِّن أذنيك من الضالّ والمُنْحَرِف، ولا تُمكِّن هذا الطفل. يجب أن يتعلّم أنّ هذا حق وهذا باطل وهذا فاسد وهذا ضالّ وهذا انحراف وهذا وهذا حتى لا يقع في مصائد هذا الإعلام الذي هو الآن بلا شكّ  موجّه لأطفالنا لإخراجهم من عقيدتهم، وإخراجهم من وطنيّتهم، وإخراجهم من إنسانيّتهم.

 

يحيى أبو زكريا: نعم شيخ مصطفى أستاذة أمينة إذا سمحت ما هو السبيل للذهاب إلى طفولةٍ أمينةٍ  مستقرَّة تستطيع أن تُبْدَع في القادم من الأيام؟

 

أمينة  حيرش: قبل أن أُجيب أستاذ أنا كجزائرية بكل موضوعية في الجزائر اهتمام كبير في السنوات الأخيرة بالطفولة، وبخاصة من خلال تواجد هيئة وطنية لحماية وترقية الطفولة تبعاً لمصالح الوزير الأول تتلقّى إخطارات من الأطفال. الطفل لديه الحق حتى في أن يتصل بهذا الرقم وتكون مُكالمة سرّية، أقول ويقوم بعرض مشكلته حتى لو تعرَّض إلى تحرّش، أو إلى عُنف حتى من الأولياء. نرى نحن أنّه تمّ إشراك الأخصّائيين الاجتماعيين والنفسانيين في سنِّ القوانين الجديدة، أو المواد الواضحة والصريحة التي تُعنى بالطفولة والقوانين الصارِمة لردع كل مَن ينتهك حق الطفل.

بالعودة إلى سؤالك أستاذنا يجب وضع استراتيجيات على المدى القصير والمتوسّط والبعيد لحماية الطفولة. أولاً يجب تعزيز المنظومة القِيَمية للمجتمعات العربية، قلنا إنّ الدين الإسلامي حفظ للطفل كرامته في العيش كما ذكر الأستاذ الفاضل، هذا الطفل ليس طفلاً يحتاج فقط أن يأكل ويشرب أو يحتاج للحاجيات المادية من الضروريات والكماليات، بل هذا الطفل يحتاج إلى التعبير، هذا الطفل لديه ميولات، وانتقادات، ورغبات يجب أن نُشركه كأولياء داخل الأسرة. كذلك يجب على المدرسة أن تستثمر  في مهارات ومواهب أبنائنا، وتستثمر في إمكانياتهم، وفي قُدراتهم. يجب أن يجد هذا الطفل الفضاء أين هو في مؤسَّسات الاستقبال، ويجب أن نستثمر في النشاطات الثقافية.

 

يحيى أبو زكريا: يبدو أننا سنخصّص أكثر من حلقة للطفولة وحقوق الطفل وكيفيّة صناعة العباقرة الأطفال.

دكتور علاء الدين اليوم داعش والنصرة والقاعدة وجماعات التكفير والذبح باسم الله أسَّست أيضاً لجيوش من الأطفال، كيف نردّهم إلى الإسلام الصحيح هؤلاء الأطفال؟

 

علاء الدين زعتري: عندما نتحدَّث عن الاستراتيجيات كيف يكتمل البناء إذا كنت تبني وغيرك يهدم. الخطط الاستراتيجيات في الدول العربية والإسلامية ربما بدافع من الداخل أو بإيعاز من الخارج تمّ وضع هذه الاستراتيجيات، ثم بدأ التنفيذ، وجاءت الأزمة أتحدَّث عن سوريا والحرب فيها ضاع التطبيق العملي لخطة استراتيجية لحماية الطفولة من خلال النموذج الأسوأ الذي جنَّد الأطفال في معارك القتل، وفي معارك السبّ والقذف والشتم والذبح كما تفضّلتم.

كيف ننقذ هؤلاء الأطفال؟ عندما استقبلنا أطفالنا من تلك المناطق التي عاشوا فيها تحت ظلّ ذاك القتل رأيناهم بلا ذاكِرة قِيَمية، ووجدناهم بأنّهم لا يعرفون شيئاً عن الحياة سوى أنه يحمل السلاح، لا يعرف القراءة، ولا يعرف الكتابة، ولا يعرف منظومة القِيَم، ولا يعرف المدنية، ولا يعرف الحضارة، ولا يعرف إلا أنّه آلة بيد مَن يُسيَّره، إفعل، أقتل، دمِّر، فجِّر هذا كل وجدناه في الأطفال الذين استقبلناهم لإعادة التأهيل. لا شكّ في إعادة التأهيل هناك جهود جبَّارة يجب أن يقوم بها صانع القرار في اتخاذه للقرار، وقد حصل أنّ كلّ سنتين يكون في سنة في تعليم متواصل، وأيضاً التربية وإعادة التأهيل في كيف نُحسِن التعامُل معه. فلمّا جاء الأقرع إبن حابس إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وجده يقبّل سيّدي شباب أهل الجنة سيّدنا الحسن وسيّدنا الحسين سلام الله تعالى عليهما ورضوان، قال: "أتقبّل أبناءك؟ قال هذا أمر طبيعي فطري أن يقبّل الوالد الجدّ أبناءه وأحفاده وأسباطه، قال إنّ لي عشرة ما قبَّلت واحداً منهم، فقال مَن لا يرحم أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علاء الدين واحد واحد دُعاة الفقه الصحراوي البدوي يقول تقبّل البنت إبنتك يعني الصغيرة بدعة وضلالة، والأولى ترك تقبيل البنت. يا ويح هذا الفُقه.

شيخ مصطفى المولى عزّ وجلّ عندما يقول وإذا الموؤودة سُئِلت، فَهِمَ المسلمون أنّ الله تعالى يتحدّّث عن واقع المرأة البنت الصغيرة في قريش الواقع أنّ الطفولة سوف تقيم الحجّة على الناس جميعاً يوم القيامة. كيف ذلك؟

 

مصطفى أبو رمان: بلا شكّ عندما نحن نرى هذا العمومية في الآية والعبرة بعموم اللفظ، وبخصوص السبب، وإذا الموؤودة سُئَلت الآن البنت في مجتمعها موؤودة في كل أحوالها للأسف الشديد جداً أنّها موؤودة، وسنُسأل يوم القيامة عن هذه البنت التي يجب أن تكون قيادية، ويجب أن تكون مُعلِّمة مُربية أستاذة فاضِلة مُتدينة صالِحة كما كان نساء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم السيّدة زينب عليها السلام التي ضربت أروع الأمثلة في أن تكون هي المُدافِعة، وهي التي حملت الرسالة كما حملها أخيها الحسين عليه السلام، وكذلك كما حملت نساء النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أمّهات المؤمنين حملن ما عجز عنه الرجال. فحملت رسالة النبي وأحاديث النبي، وكنّ أساتذة الصحابة يتلقّون عن نساء عن أمّهات المؤمنين. هذه المرأة الآن التي لا تتعلّم إلا الطبخ وتتعلّم الجمال وتتعلّم اللباس والملابس وغير ذلك، هذه موؤودة لأنها لم تتعلّم لا عقيدة ولا عِلماً ولا تربية ولا فن التعامُل مع الأولاد الصغار، هذه الأمّ التي تصرخ في أبنائها، هذه أيّة أمّ فكيف إذا قتلتهم؟

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى سأترقّى قليلاً، وأقول حتى الطبخ انعدم هنالك محلات الطعام الجاهز والتربية أوكِلَت للعاملات من كل حَدْبٍ وصوب، وكان الله يحب المُحسنين.

الشيخ مصطفى أبو رمان من الأردن الحبيب شكراً جزيلاً لك، الدكتور علاء الدين زعتري من سوريا الحبيبة شكراً جزيلاً لك. والأستاذة من الجزائر المُجاهِدة الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.