إبن رشد رائد التنوير

عندما نتكلم عن ابن رشد، فنحن نتكلم عن خاتم الفلاسفة العقليين في العالم العربي والإسلامي، الذين خدموا الإنسانية بحقيقة معناها، وسعوا إلى تنويرها، وتحريرها من ظلمات التعصب والتحجروالخرافة، وكرّس حياته في خدمة العلم.

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. لا أحد في كل هذا الشرق، وفي كل ذلك الغرب يتنكّر لمكانة إبن رشد رائد التنوير في بلاد العرب والمسلمين، والذي شغل عقله وفكره الناس وملأ الدنيا. إبن رشد فيلسوف قرطبة وقاضي القضاة، وعالم العقل والنقل سمّاه النقّاد من عرب وغربيين آخر الفلاسفة، وشارح أرسطو، والمُعقّب، ومُعلّم الغرب. هو من جيل الموسوعيين الذين برعوا في علوم الأوّلين وعلوم عصره. جمع بين العقل والنقل، ووضع نظريات قلّ نظيرها بشفافية مُطلقة، ونقد لاذِع حتى تحالفت المؤسّسة الحاكمة والمؤسّسة الدينية لوضع حدّ لفيضان عقله، وتفجّر نظرياته وعقلانيته الخطيرة. لقد صدق مَن قال عند موت إبن رشد دخل المسلمون قرونهم الوسطى المُظلمة، وبدأ الغربيون صعودهم بفضل أفكار إبن رشد.

وعندما نتكلّم عن إبن رشد، فنحن نتكلّم عن خاتم الفلاسفة العقليين الذين خدموا الفكر الإسلامي والإنساني، وحرَّروا الإسلام من ظُلمات التعصّب والتحجّر والخُرافة والتحنّط. ولإبن رشد الفضل في إحياء المنهج العقلي البُرهاني الذي أسّس له المُعلّم الأول أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، وبنى عليه صرح العلوم والمعارف النظرية والعملية.

يقول لويجي رنالدي في بحثٍ عنوانه "المدينة العربية في الغرب": "من فضل العرب علينا أنّهم هم الذين عرَّفونا بكثير من فلاسفة اليونان، وكانت لهم الأيدي البيضاء على النهضة الفلسفية عند المسيحيين، وكان الفيلسوف إبن رشد أكبر مُتَرْجِم وشارِح لنظريات أرسطو، وكان له مقام جليل عند المسلمين والمسيحيين على السواء. وفي كتابه "تاريخ موجز للفكر الحر" كتب المُفكّر الإنكليزي جون روبرتسون: "إنّ إبن رشد أشهر مفكّر مسلم لأنّه كان أعظم المفكّرين المسلمين أثراً، وأبعدهم نفوذاً في الفكر الأوروبي، فكانت طريقته في شرح أرسطو هي المُثلى". لم يكُ إبن رشد ضليعاً في علوم الشريعة الإسلامية والعلوم المدنية في عصره، بل برع في علوم الحضارات السابقة وبات أستاذاً ومنظّراً لما أنتجه العقل الآخر، ولما انفتح عليه وقدّم نظريات بديعة في التكامُل والحوار والانفتاح والقبول بالآخر. 

"إبن رشد رائد التنوير" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من تونس الحبيبة الفيلسوف التونسي الدكتور فريد العليبي أستاذ الفلسفة في كلية الأداب في مدينة سفاقص، ومن الجزائر الحبيبة الدكتور خليل قاضي أستاذ العقيدة ومُقارنة الأديان في جامعة الجزائر.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

"إبن رشد ومستقبل الثقافة العربية" عاطف العراقي.

جمع أستاذ الفلسفة الراحل عاطف العراقي الذي صاحَبَ فكر وفلسفة إبن رشد لأكثر من 40 عاماً ذكرياته وخواطره ومقالاته المفردة، عدا عن كُتبه ومؤلّفاته. في هذا المجلّد الذي يمثّل حصاد رحلة طويلة امتدّت إلى عقود صاحَب خلالها عاطف العراقي إبن رشد ونصوصه، كُتبه، ومؤلّفاته، وشروحه، واستخلص منها ملامِح فلسفة عقلية، ومذهباً تنويرياً نجح الغرب في استلهامه، والانطلاق منه إلى نهضتهم الحديثة، وتعثّر العرب في ذلك حتى اللحظة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور فريد إبن رشد هذا العملاق الذي نسيه العرب والمسلمون واستبدلوه ربّما بتحجّر وتكفير، وما إلى ذلك. لماذا نقول إنّ إبن رشد شكّل علامة فارِقة في تاريخ الفكر العربي؟

 

فريد العليبي: الشكر لكم. بالنسبة إلى إبن رشد من حيث تنظر إليه بالفعل هناك هذه الميزة التي تفضّلت بالإشارة إليها من حيث كونه عرض للمسائل الفلسفية، وأيضاً العقدية. عرض إليها من زاويا مُستجدّة إن شئنا بمعنى أنّه كأنّما أقام قطيعة مع التصوّرات الفلسفية السابقة عليه، وخاصةً تصوّرات الفارابي وإبن سينا. وحاول إعادة الاعتبار للأرسطية كما هي، أي أنّه ذهب إلى الأصل الأرسطي الذي اعتقد أنه قد لحقته بعض التشويهات أو التحريفات هنا وهناك. وأيضاً بالنسبة إلى العقيدة، فقد نظر للمُتكلّمين جميعهم باعتبارهم ضلّوا السبيل إلى هذا الحد أو ذاك، فحاول إعادة الاعتبار للنصّ القرآني من هذه الزاوية أيضاً. ومن هنا يُنْظَر إليه باعتباره كأنّما هو الفيلسوف الذي يُعيد الاعتبار للأصول، وتلك ميزته التي تجعله متفرّداً متميّزاً ربّما بهذا الإطار الذي نتحدّث عنه.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور خليل إبن رشد هزّ عقله كثيرون، وخرج عن المألوف الذي كان سائداً، فإسبانيا أي في قرطبة، وللأسف الشديد البعض تحامَل عليه، وأصدر فتاوى ضدّه. هل كان إبن رشد مزعجاً إلى هذه الدرجة للمؤسّسة الدينية والمؤسّسة الحاكمة؟

 

خليل قاضي: بارك الله فيك. أولاً بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد إبن عبد الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه. بدايةً تحية لك أستاذ يحيى، ولضيفك من تونس.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

خليل قاضي: وللمشاهدين عامّة السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

إبن رشد هذه القامة العلمية الكُبرى، أو عَلَم الأعلام كما يُسمّيه بعضهم هو علامة فارِقة في تاريخ الفكر عامة، وفي الفلسفة خاصةً في تاريخنا الإسلامي  نجد محطّات كبرى لا يمكن للمرء  أن يغفلها، أو أن يتجاوزها نجد مثلاً في الأصول الشافعي أول من أصّل أصول الفقه، نجد في الموافقات للشاطبي وفي المقاصد، نجد في اللغة نجد سيباويه والخليل، ونجد في الفلسفة إبن رشد هو خاتَم الفلاسفة كما تفضّلت في المقدّمة، وإبن رشد أثره ليس فقط في العالم العربي والإسلامي، وإنّما أثره حتى في أوروبا. وقد حورِب من الجهتين، ومن الطرفين، حورِب مُحاربة شرسة من المؤلّفين المسلمين، ومن المؤلّفين الغربيين على السواء  إنْ في عصره أو بعد موته، بمعنى أنّه ذاق المحنة حياً وميتاً. لماذا؟ لأنّه أزعج فعلاً، أزعج الطبقة الحاكمة، أزعج المستوى السائد الرسمي لما كان يتداول ويتناقل من الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية عامةً التي حورِبَت في أصولها، بمعنى لا يجوز النظر في علوم الأوائل، وهو قد عاصر دولتين عاصر نهاية دولة المرابطين، وعاش في دولة الموحّدين، دولة المرابطين. كما يعلم الجميع هي دولة ساد فيها الفُقهاء والفُقهاء ليس بالمعنى المُتعارَف عليه الآن، الفقيه هو المُهتمّ بالجزئيات، الفقه إلى غيره. ولكن قديماً كان الفُقهاء هم الذين لهم سلطة الحل والعَقْد كما يقولون في المسائل الفكرية والعَقْدية. لذلك كانت هذه البساطة التي للفُقهاء أحياناً لا تسعفهم في مُجابهة تلك التحديات الفكرية التي تعنّ لهم، ثمّ في دولة الموحّدين بدأ الانفتاح قليلاً، ولكن لم يكن انفتاحاً بالمعنى الذي أيضًا نتعارفه، وإنّما الغزالي وهو مَن هو في محاربة الفلسفة والفلاسفة كانوا يحرقون كتبه في عصر دولة الموحّدين.

إذاً إبن رشد إلى الفريقين لم يكن يعترف به أحد في زمانه الذين عاصروه، كانوا يتداولون سراً كتبه، بل نشأت فرقة في ما بعد في القرن الثالث عشر تسمّى بالرُشدية اللاتينية نسبة إلى اللاتين، وهم أصولهم لاتينية، ولكن فكر إبن رشد ولأنّه عالمي في طرحه، ولأنّه شمولي في مباحثه فإنّ الغربيين أيضاً تأثّروا به، ولا زالت بعض آثاره إلى يومنا هذا في المدارس الكبرى الفلسفية الغربية.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي دكتور خليل.

دكتور فريد، ما هي ملامِح العقلانية الرُشدية، أو مناط الاجتهاد في فكره مادام إبن رشد قد شرح أرسطو فقد يُقال الفضل لأرسطو الفضل للفلسفة الإغريقية القديمة؟ لماذا يُقال إبن رشد قدّم فكراً نيّراً؟ وهو قام باستيراد أفكار من جغرافيا أخرى غير جغرافيا المسلمين. في المجال الآخر كتب في الفُقه والأصول، وكتب في التفسير، وكتب في أمور عدّة تتعلّق بالشريعة الإسلامية عندما فكّكت أنت إبن رشد، ما هي ملامح فكره وإضافاته للعقل المسلم؟ هل لأنّه نقل أرسطو فقط إلى اللغة العربية، ومن ثم أعاد الغربيون نقل ما كتبه إلى اللغات اللاتينية الأخرى؟

فريد العليبي: بدايةً إسمح لي بالقول إنّ إبن رشد ليس مترجماً، وليس ناقلاً أيضاً فهو لا يُجيد اللغة اليونانية هذا من جهة، ومن جهة ثانية هو اعتمد ما كان يعتبر في حينه أيّ في زمنه علم عصره بمعنى أنّه تعامل مع أرسطو باعتباره يمثّل تلك القمّة العلمية البُرهانية العقلية إلخ. ومن هذه الزاوية وجد فيه إبن رشد ضالّته، لا ننسى أنّ أول لقاء تمّ بين إبن رشد وأمير الموحّدين بتوسّط إبن طفيل. أثناء ذلك اللقاء دار حوار بين أمير الموحّدين، وبين الفيلسوف إبن رشد وأمير الموحّدين كان مُعجباً أيّما إعجاب بأرسطو حتى أنّه تحدّث عن فلسفته بحضور إبن رشد، فتعجّب بإن رشد من ذلك الإلمام الذي عليه حاكِم الموحّدين، هذه الزاوية أقول إنّ أرسطو حضوره كان حضوراً كبيراً، ليس فقط زمن إبن رشد، وإنّما قبل ذلك أيضاً كان هذا الحضور بارزاً للعيان مع إبن باجا الفيلسوف الأندلسي أيضاً الذي سبق إبن رشد، وكان حضوره لدى إبن طفيل نفسه، وقلت لدى الأمير راتا كأنّما السلطة السياسية والسلطة المعرفية ممثلة هنا بالفلاسفة. كان لقائهما باستقبال أو تلقّي والاحتفاء بأرسطو، ومن هذه الزاوية قلت إن إبن رشد عندما تعامل مع أرسطو تعامل معه باعتباره هذه السلطة العلمية. هو لا يقدّسه من حيث هو أرسطو، ولا يعرفه أصلاً. هناك أكثر من 15 قرناً تفصل بينهما، وإنّما رأى بذلك الفيلسوف اليوناني رأى فيه ممثلاً لذلك العقل وذلك البرهان، ومن هنا سوف ترتبط فلسفته بأرسطو تحديداً. ولكن لا ننسى أن إبن رشد عقلانيته إن شئنا لا تنبع فقط من تعامله واستقباله لأرسطو، وإنّما أيضاً هو تعامل مع أفلاطون هو لخّص كتاب الجمهورية، هذا لا ينبغي نسيانه، ثمّ كتبه العقدية أيضاً مثل فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، والكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة، وتهافت التهافت الخ.

هذه الكُتب عينها التي ليست تلاخيص وشروح على أرسطو، إنّما هي مؤلّفات هذه الثُلاثية هي مؤلّفات مستقلّة بذاتها لإبن رشد تحديداً وبهذه المؤلّفات أيضاً نجد تلك العقلانية، وذلك البرهان والسؤال. هنا ربما سوف يذهب بنا شيئاً فشيئاً لماذا هذه العقلنية في الأندلس في ذلك الحين من الزمن؟ ما موجباتها؟ وربّما السؤال أيضاً قد يذهب بنا إلى مدى أبعد، هل نحن بحاجة اليوم وهنا إلى تلك العقلانية الرُشدية؟ إلى ذلك التنوير الرُشدي؟ أم أنّ زمنه قد فات؟

 

يحيى أبو زكريا: تهافُت الفلاسفة، تهافُت التهافُت ربما الذي أزعج إبن رشد هو تحامُل أبي حامد الغزالي صاحب الإحياء والمُنْقِذ من الضلال على الفلاسفة، ورغم الفارِق الزمني بينهما أبو حامد الغزالي مُتقدّم على إبن رشد، غير أنّ الدولة الموحّدية كانت مُتأثّرة بأيديولوجيا أبي حامد الغزالي. هل بالفعل فكر الغزالي هو الذي أثّر على إبن رشد، وجعله يتعرّض لتلك النكسة، ولتلك المحنة الخطيرة دكتور خليل؟

خليل قاضي: نعم الغزالي تقدّم إبن رشد بزمنٍ يسير، الغزالي توفّي سنة 505 للهجرة، وإبن رشد ولِدَ سنة 520 بمعنى بعد 15 سنة من وفاة الغزالي ولِدَ إبن رشد، وكأنّهما تعاصرا، ولكن فلسفة الغزالي تقريباً عمَّت العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، لماذا؟ لأنّها فلسفة عُنيت كثيراً بالمسائل التي تدور في العقيدة، في عقيدة المسلمين في الإلهيات، وفي النبوات، وفي حشر الأجساد. لذلك الغزالي حين عرض لما ورد عند الفلاسفة المُتقدّمين كالكِندي والفارابي وإبن سينا، هؤلاء الفلاسفة الذين تأثّروا بأفلاطون وأرسطو وأثبتوا خلاصة ما أوردوه في الإلهيات في كُتبهم. الغزالي رأى أنّ هؤلاء الفلاسفة المُقتدمين لم يكونوا يعكسون صورة العقيدة الإسلامية في كُتبهم خاصةً في مجال الإلهيات. 

لذلك نحا عليهم باللائمة وكفّرهم في ثلاث مسائل شهيرة، وبدَّعهم في 17 مسألة في كتابه تهافُت الفلاسفة. المسائل الثلاث التي كفَّرهم فيها هي أنّ الله تعالى لا يعلم الجزئيات، وإنّما يعلم الكليات فقط يعلم ذاته باختصار كما يقول أرسطو قديماً، المسألة الثانية أنّ هؤلاء الفلاسفة أنكروا حَشْر الأجساد يوم القيامة، وإنّما تُحْشَر الأرواح فقط، ومسألة ثالثة نسيتها. هذه المسائل الثلاث هي التي كفّرهم فيها وبدَّعهم في أخرى أدنى منها درجة. حين جاء إبن رشد ورأى أنّ الأدلّة البُرهانية التي ساقها هؤلاء الفلاسفة لم ينقدها الغزالي، وإنّما أساء فَهْمَها فقط. لذلك في كتابه تهافُت التهافُت انتصروا لهؤلاء الفلاسفة، ويقول أنّهم لم يقولوا بأنّ الله تعالى يعلم الكليات، ولا يعلم الجزئيات وحاشاهم أن يقولوا ذلك، وهم الفلاسفة المُتنوّرون الذين يلتزمون أحكام الشريعة، ويستشهدون بأقوال لإبن سينا. وإبن سينا كان في أواخر حياته عابداً زاهداً في البدايات كانت له أمور أخذت عليها، لكن في ما بعد التزم بالتصوّف الإشراقي كما يسمّونه الذي خلاصته في الإشارات والتنبيهات، وهي آخر ما ألّف إبن سينا. يربأ بهؤلاء أن يقعوا في مثل هذا، وكان يخاطب الغزالي بأدب، يقول شيخنا أبو حامد، ونحن نرى أنّه لم تتّضح الصورة عنده من هذا القبيل كان مُتأدّباً في نقده لأبي حامد في كتابه تهافُت التهافُت، لكن هذا الكتاب استغلّ استغلالاً بشعاً من الدوائر الكَنَسية الأوروبية بمعنى أنّ إبن رشد خرج من الدائرة السنّية، ومن الدائرة التي تعمّ المسملين جميعاً، وانفرد بآراء جعله من الملاحِدة الزنادِقة إرنست رونو له كتاب إبن رشد والرُشدية، هذا كتاب رائع جدًا حلّل فيه هذا التهافُت تهافُت التهافُت لإبن رشد جعل منه كتاباً تتّكئ  عليه الدوائر الكَنَسية في أن تقول ما تقول عليه أن تجعل من إبن رشد كالملاحدة الذين حرقوا وصلبوا في الساحات الأوروبية. لذلك تهافُت التهافُت يصلح حتى في أيامنا هذه في ردوده البرهانية. فإبن رشد لا يُفرِّق بين الأدلّة البرهانية، والأدلّة الجدلية، والأدلّة الخطبية وهي لا تكون إلا مع نُخبة النُخبة، وهو يقصد بهم الفلاسفة.

يحيى أبو زكريا: دكتور خليل وما أشبه الليل بالبارحة حيث الصراع بين الأصالة والمُعاصرة بين العقلانية وبين الجمود على النصّ، وهو ما أنتج الفتنة الكبرى في عالمنا العربي اليوم.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم،  فابقوا معنا.

 

"الفيلسوف المُفترى عليه إبن رشد" محمود قاسم.

من أجلّ وأندر الكُتب عن فيلسوف قرطبة، كتبه واحد من أهمّ أساتذة الفلسفة وشرّاح إبن رشد في الثقافة العربية الحديثة، وهو الدكتور محمود قاسم. خصَّص محمود قاسم قَدْراً وافراً من عُمره  لدراسة فيلسوف التنوير العربي إبن رشد، ومقارنة فلسفته بمثيلاتها لفلاسفة العصور الوسطى، وبيان مدى التأثير الهائل الذي أبدته فلسفة إبن رشد في إنارة أوروبا كلّها.

 

المحور الثاني:

 

"إبن رشد سيرة وفكر" محمّد عابد الجابري.

إبن رشد فيلسوف قرطبة وقاضي قضاتها أبو الوليد مفكراً فيلسوفاً، عالماً، مجتهداً جمع بين العلم والفضيلة حيث كان يُجسّد بحق الفكرة التي قال فيها سقراط إنّ المعرفة أساس الفضيلة، فالعالم لا يكون إلا فاضلاً في تصوّر سقراط وإبن رشد كان بحق أحد أولئك القلائل الذين اقترن لديهم العلم بالفضيلة ليكون حكمه ويكون صاحبه حكيماً. وهذا الكتاب هو في سيرة إبن رشد وفكره سلك به الباحث مسلكاً خاصاً، فجمع بين حكاية السيرة الذاتية لهذا الفيلسوف والتعريف بفكره من خلال أهمّ كُتبه في الفقه، وأصول  العقيدة والفلسفة  والعلوم والطبّ والسياسة. ويقول الباحث بأنّ هذا المسلك فرضه عليه إبن رشد نفسه لكون سيرة إبن رشد الذاتية هي مسيرته العلمية نفسها فلا يمكن الحديث عن الواحدة منها بمُعزل عن الأخرى.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا نحن نعالج رائد التنوير العقلاني في العالم العربي والإسلامي إبن رشد، ومازالت محنته مستمرة محنة المُفكّرين التنوريين. وقد سال حبر كثير للغوص في شخصية إبن رشد كما ذكرت في المقدّمة من الكُتب التي صدرت في الحديث عنه "إبن رشد ودعوته إلى الفلسفة"، الأستاذ الصديق العزيز الدكتور فريد العليبي لديه "رؤية إبن رشد السياسية"، وسوف نتناول هذا المحور بُعيد حين، وإرنست رينان الذي أشار إليه الدكتور خليل، إبن رشد والرُشدية، وإبن رشد آخر الفلاسفة من علماء العرب الدكتور عبد الرحمن بدوي رحمه الله كتب إبن رشد وتلخيصه لأرسطو، وإبن رشد أيضًا والكشف عن أسباب الفتنة لضيفنا العزيز الدكتور فريد العليبي، الفيلسوف المُفترى عليه إبن رشد للدكتور محمود قاسم الأستاذ الشهير في مادة الفلسفة العربية، وإبن رشد سيرة وفكر للمفكّر العربي الكبير محمّد عابد الجباري، والدكتور عاطف العراقي أيضاً لديه كتاب رائع إبن رشد.

دكتور فريد خصّصنا المحور الأول للتاريخ، لو نبقى في الراهن قليلاً أنت تعتبر أنّ إهمال إبن رشد وإخراجه من المشهد الفكري الثقافي العربي، هو الذي ولَّد الفتنة، هو الذي ولَّد العصبية والتكفير، وقَتْل الآخر وذَبْح الآخر وسَلْخ الآخر، وأكل الأكباد. كيف ذلك؟

 

فريد العلبي: إبن رشد اهتم إلى حدّ كبير بمكانه وزمانه بمعنى أنّه اهتمّ  بمشكلة الفتنة على سبيل الذِكر، تلك الفتنة التي كان المُتكلّمون سبباً من أسبابها، إن لم يكونوا السبب الرئيسي إن شئنا، وعندما نقرأ مؤلّفات إبن رشد مثل الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد المِلّة، أو أيضاً فصل المقال وغير ذلك من الكُتب. نجد هذه الروح الرُشدية إن شئنا المُتمثّلة في محاولة درء الفتنة لأنّه عندما تكون تلك الفِرَق المختلفة مُتنابِذة مُتصارِعة في ما بينها، والذي يحدث هو تقسيم المِلّة، وهو تقسيم الأمّة. وإبن رشد كان من هؤلاء الذين يهذّبون على المستوى السياسي إن شئنا كان يودّ الدفاع عن وحدة المِلّة، عن وحدة المدينة الخ.

ومن هنا رأى في تشغيبات المُتكلّمين والوصف له هو يتحدّث عن تشغيبات المُتكلّمين يتحدَّث عن الفِرَق الكلامية التي زرعت الاضطراب في صفوف الناس، قلت ويتصدّى من هذه النافذة بالذات يتصدّى للفتنة التي كانت علاماتها بارزة لكي تهزّ بعواصفها وزلازِلها إن شئنا المِلّة، وتؤدّي بما تؤدّي إليه إلى زوال دولة مثل الدولة الموحّدية التي كان سُلطانها يمتدّ من طرابلس الغرب شرقاً حتى حدود الأندلس، قرطبة إشبيليا إلخ. وقلت إنّ هذه الزاويا إبن رشد مُدْرِك لهذه المشكلات التي تحتمل بمكانه وزمانهم، الرجل كان قاضي قضاة قرطبة، أي بمثابة وزير العدل. الرجل أيضاً كان يخطب بالجنود العائدين من المعارك، والرجل كان يُجالِس أمير الموحّدين، بل إنّ فلسفته ومشروعه الفكري كلّه، إنّما هو مشروع فكري، ربما يرتبط بسعي الدولة الموحّدية إلى إحداث ثورة ثقافية على مستوى العقيدة. هذه الثورة الثقافية من شأنها أن تضع المُتكلّمين جانباً، وتهتمّ بالعِلم والبُرهان لأنّ العِلم والبُرهان هنا، والفلسفة تحديداً، إنّما ذلك كلّه يمثّل المُرتَكز الذي من شأنه أن يمكّن المِلّة والأمّة من أن يكون لها غدها، وإلّا فإنّ الذي سوف يحدث  هو هزيمتها التاريخية، وهذا هو الذي حدث. ولذلك في هذا المضمار هناك القول إنّ إبن رشد ونكبته كانت مؤشراً على ذلك الذي حدث، حتى إنّ إبن خلدون، وأنهي كلامي حتى إبن خلدون الذي جاء من بعده قال قولاً له قيمته في المُقدّمة عن الفلسفة، قال لها في العدوة الأخرى سوق نافقة، بينما ببلاد العرب أصبحت سوقها كاسِدة للأسف الشديد.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً دكتور خليل، للمشاهدين تساؤل وهو قد يرد في سياق هذه الحلقة. نموذج المسلمين في الأندلس كان رائعاً، فكان هنالك تنوّع، كان هنالك آخر فكري، مذهبي، فلسفي، وما إلى ذلك. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا حوصِر إبن رشد؟ لماذا  ظُلِمَ إبن رشد؟ لماذا أُحْرِقَت كُتُب إبن رشد؟ بل الأخطر دكتور خليل عندما جرى نفيه في إسبانيا من قرطبة، نُفيَ إلى منطقة يتواجد فيها اليهود هي منطقة يهودية التي تدعى إليسانا، فنفيه إلى إليسانا على أساس أنّ إبن رشد مثل اليهود أقلّية يجب أن تنتهي إلى الكُفر والزندقة، فكيف تحوَّلت بقعة متنوذعة حضارية تؤمِن بالآخر إلى بقعة أحادية شوفينية ديماغوجية؟

 

خليل قاضي: نفيه إلى أليسانا هذا أخفّ الأشياء عليه، بل قيل في نَسَبه إنّه من بني إسرائيل. فأورد إبن الآبار في التكملة، وهو الذي ترجم ترجمة وافية لإبن رشد، قال اتّهم في نَسَبه حتى أكثر من النفي نفي معنوي إن صحّ التعبير. يُنفى عن دائرة المسلمين، بل اتهموه بالمروق والزندقة والإلحاد، وهذا ليس بدعاً في تاريخ مُحاربة الأفكار في عالمنا الإسلامي من قديم. من البدايات المُعْتَزِلة، هذه الفرقة الكبيرة التي غلبت العقل على النقل وعُنيت كثيراً بالأدلة البُرهانية، ولم تكن تُعنى بالجمهور العريض هذا، وإنّما كان يكفيها أن تقول الحق في نظرها، ولكنّها حورِبَت، ولم يبقَ لنا الآن من تاريخها إلّا ما كتبه خصومها. وإذا قرأت التاريخ الذي يكتبه الخصم لن تستخلص قَسَمات تلك الفرقة الواضحة، نفس الأمر حدث مع إبن رشد، هذه القامة الكبيرة الذي تقريباً حارب دولة وحده لأنّ الفكر السائد في ذلك الزمان كان للأشاعِرة. فغلب الأشاعرة في الميدان العقدي، وفي الميدان  العقلي عامة، لا الأشاعِرة هم متوسّطون بين هؤلاء الذين يحاربون العقل عامة، والذين هم فلاسفة وأصحاب الصنعة أو أصحاب علوم الأوائل كما يُسمّونه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل قاضي: هم وسط بينهم، ولكن إبن رشد حين شرح كُتُب أرسطو، وعلّق عليها، والذي جعل منها ثلاثة أصناف. هناك ما اختصره بأسلوبه هو، وكما تفضّل الدكتور مشكوراً من تونس إبن رشد لم يكن يعرف اللغة اليونانية، ولكن وصلت إليه ترجمات عربية من القرنين الثالث والرابع حين ترجمت الفلسفة اليونانية في عهد المأمون، ما ترجمه حنين إبن اسحاق وإبن عدي وكذا وهؤلاء الكبار الذين ترجموا الكُتب اليونانية، ومن ضمنها كُتب أرسطو، وما وصل إلى الأندلس ترجمه إبن رشد. لذلك إذا كنت ستخالف ما هو السائد فكرياً وسياسياً حتى سياسياً طورِد سياسياً في ما بعد، ولكن أرجعوا له مكانته في ما بعد، ولكن هؤلاء الوشاة هؤلاء الحاسدين لا ينفكّ عنهم زمان. إبن رشد هذا العقل المُستنير لا يمكن أن يبقى من دون أتباع، فإذا أردت أن تعرف شخصية لها وزنها في عصرها فانظر إلى الذين يعادونها بمعنى أنّه إذا الكلّ كان مُجمعاً عليه، فلا رأي مخالف له ولا اجتهاد له، ولا شيء ابتدعه. ولكن إبن رشد هزّ الحياة الثقافية هزّاً بما ترجمه عن أرسطو، وبما أشاعه فيه من علوم الأوائل في طبقته، فكان الناس من قديم يجلون هذه الأسماء التي تُحاط بهالةٍ كُبرى كأرسطو، وأفلاطون، وسقراط. كان يسمع بهم وكأنّهم نصف إلاهيين، وفعلاً كانوا يعتقدون فيهم كأنصاف آلهة في عصورهم التي تلت العصر الذي عاشوا فيه القرن الثالث قبل الميلاد والثاني كانوا يقولون عن أفلاطون أفلاطون آلهة، وهكذا في بعض الكُتب إلى يومنا هذا يُذْكَر بأفلاطون الإلهي، وفعلاً إبن رشد في زمانه كان يُرى بهذه القداسة من مُحبيه، ولكن الذين يناوؤون فكره، وكانوا يفتعلون أيّة وسيلة للإطاحة بمكانته، إمّا عند السلطان، وإمّا عند العامة فقد أُحْرِقَت كتبه، أو قيل أُحْرِقَت مكتبته. وهناك خلاف هل أُحْرِقَت مكتبته التي يمتلكها؟ أم أنّ كتبه التي ألّفها أُحْرِقَت في الساحات العامة؟ لذلك هذا لا يُسْتَغَرب على هؤلاء الكبار.

يحيى أبو زكريا: وهو ما فعلته داعش في الموصل عندما أحرقت المخطوطات العراقية، ومثلما فعلت الحركات الإرهابية في أكثر من موقع.

دكتور فريد هذا تمثال إبن رشد في قرطبة، وأنا كنت أتمنّى لو أرى وأبصر تماثيل مُفكّرين وفلاسفة عرب في الشوارع العربية، نعم رأيت مقام وتمثال إبن خلدون في شارع تونسي كبير جداً، وأتمنّى أن تزدهر هذه الظاهرة بدل تماثيل الرؤساء الذين ورّطوا العالم العربي، ودمَّروا العالم العربي. نريد تماثيل لفلاسفتنا ومُفكّرينا ومُثقّفينا التنويريين.

دكتور فريد هل تُفسّر لي الغرب القائم على ما قاله نيتشه، الإنسان سوبرمان، الإنسان القوي. المركزية الغربية المُصابة بالاستعلاء والتفوّق الحضاري، ونهاية التاريخ كيف تواضعت هذه المركزية الغربية أمام إبن رشد، وأقرّت بفضله وعِلمه، وهو عربي ومسلم وينتمي إلى خط طنجة جاكرتا؟

 

فريد العليبي: أوروبا لم تعترف بإبن رشد إلا بعد اللاتين بمعنى أنّها رفضته، وثم قَبِلَته وكانت هناك في الجامعات الأوروبية بادوا، باريس، إلخ. جامعات مختلفة في حقيقة الأمر، هذه الجامعات شهدت صراعاً حول إبن رشد، وأيضاً على الصعيد الديني حتى البابا نفسه تدخّل، وأصدر مراسيم تحريم في هذا المضمار، وعلى الصعيد السياسي أيضاً هناك ملوك رفضوا الرُشدية، رفضوا أفكار إبن رشد. هناك لوحة شهيرة لوحة رفايال في مدرسة أثينا يُصوِّر فيها إبن رشد كأنّما وهو ينقل عن الفلاسفة اليونانيين في نهاية المطاف حتى عندما قبلته أوروبا اختصرته بكونه الشارِح الأكبر هو مُجرَّد شارِح لا غير، ونُظِر إليه على أنّه هو مُجرّد ناقِل، مُجرّد جسر عبور للفلسفة اليونانية إلى أوروبا بواسطة العرب عبر إبن رشد. ولكن هذا الاستقبال الأوروبي شيئاً فشيئاً بدأ يتهاوى مع مرور الوقت. 

والآن هناك إعادة اعتبار لإبن رشد باعتباره أب التنوير الأوروبي ذاته لأنّ هنالك حلقة وسيطة، أيضاً ينبغي الاهتمام بها، فإبن رشد عندما ضُرِبَت فلسفته كأنّما تلك الفلسفة بُعِثَت حيّة مع إبن ميمون على سبيل المثال صاحب كتاب دلالة الحائرين، واليهود استقبلوا إبن رشد وترجموا كُتبه واحتفظوا حتى ببعض كُتبه بلغتها الأصلية، لكن مكتوبة بأحرف عبرية حتى قيل إنّ كُتب إبن رشد الموجودة باللغة العبرية نسبة نشرها أو تداولها تأتي هذه النسبة بالمرتبة الثانية بعد التوراة. وأوروبا بتوسّط إبن ميمون تعرّفت أكثر فأكثر على تلك القيمة، ثم كان إسبنوزا الذي قرأ إبن ميمون، وأكاد أجزم أنّ أفكار إبن رشد وصلته أفكار إبن ميمون وإسبنوزا، وخاصةً في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة كأنّما يقرّر، كأنّما يبرز بعض أفكار إبن رشد تلك التي وصلته، وخاصة الفصل بين الدين والسياسة، بين السلطتين الدينية والسياسية. لا ننسى قول إبن رشد أيّها النّاس لست عالِماً بأمور دينكم، وإنّما أنا عالِم بأمور دنياي، هذه الصرخة قلت ربما دوَّت في أوروبا قاطِبة، وعندما جاءت الثورة البرجوازية الديمقراطية في أوروبا، وفي هولندا أولاً قبل الثورة الفرنسية حتى كان هناك صدى لذلك التنوير الرُشدي، وكان هناك امتداد لذلك التنوير الرُشدي. ومن هنا أقول إنّ الإنسانية قاطبة ربما مُدينة لإبن رشد وغيره من الفلاسفة وبطبيعة الحال، ولكن إبن رشد له هذا الحضور الذي له أهميّته الكُبرى، ولكن المُفارَقة الرُشدية الذي جرى الحديث عنها كثيراً هي التالية:

إنّ الأمَّة التي كتب إليها واستهدفها بتنويره تنكَّرت له، ولكن الأمم التي لم يُخطابها، ولم يكن يَدْر بخُلده أنّه سوف تنتصر له ربما تلك الأمم عندما شهدت تحوّلات تاريخية كبرى  استقبلت فلسفته، لكن في البلاد العربية حتى أنهي وأختم بهذا القول إنّه لا وجود لحضور إبن رشد في التدريس، وفي المعاهد الثانوية في البلاد العربية قاطبة في الجامعات وجوده قليل أيضاً إلى حد هذه اللحظة. وعندما تحدّثنا عن داعش وأخواتها لكي تتمّ تلك المقاومة في الجبهة الفكرية نحتاج إبن رشد إلى ما حد له، بينما قلت تلك الحاجة اليوم لم تصل بعد إلى إدراك قيمتها، وهذا ما نتمنّاه في قادم الأيام.

 

يحيى أبو زكريا: والمرء ما دام حياً يُستهان به، ويعظم الرزء فيه حين يُفْتًقد. دائماً بلادنا العربية والإسلامية لا تحترم العقول، ولا تحترم النوابِغ، والدليل وجود عقلاء في بلاد أوروبا يساهمون في صناعة النهضة الغربية وفي بلادهم مُحْتقرون منسيون مسجنون مُهْمَلون، والجامعات العربية إذا رُزِقَت بنوابغ يتصل بهم ليعملوا جواسيس لدى الدولة، فيما الغرب يستفيد من هذه العقول.

دكتور خليل لحظة وفاة إبن رشد هي بداية السقوط لخط طنجة جاكرتا، وبداية الصعود للعالم العربي والإسلامي. هل إخراج إبن رشد من المشهد الثقافي الفقهي الفكري العربي والإسلامي هو الذي مكَّن للسلفية المقيتة بشكلها المقيت؟ نحن لا نُسيء للسَلَف ونحترم السَلف الصالِح رضوان الله عليهم جميعاً، إنّما أقصد فكر الإقصاء، وفكر الإستئصال، فكر العُنف، فكر عدم الاعتراف بالآخر. هل وفاة إبن رشد وعدم الاهتمام به عربياً هو الذي أدّى بنا إلى ظُلمات اليوم؟

 

خليل قاضي: جزء من هذا صحيح، لماذا؟ لأنّ العقل مساحة مشتركة بين الناس حتى مع المِلَل التي لا تؤمن بهذا الدين إذا حكّمتهم إلى عقولهم فإنّهم سينصاعون لهذا الحق، والحق لا يتعدَّد. وهذا ما ركّز عليه إبن رشد في كل كُتبه الفلسفية والكلامية، حتى والفُقهية كتابه بداية المجتهد ونهاية المُقتصد من أبدع ما ألّف في الفُقه المُقارَن كان يهتمّ بفلسفة اختلافات المُجتهدين، كان لا يذكر فقط الخلاف كما كان مَن سبقه، يذكر في كُتبه هكذا، ولكن كان يُفَلْسِف هذا الاختلاف، الأسباب والعِلل الكامنة وراء هذه الاختلافات. ثم يعرض الآراء عرضاً شيقاً، هذا في كُتبه الفُقهية، فما بالك بالكلامية والفلسفية. فإبن رشد هو إضافة نوعية في الفكر عامّة، وفي الفلسفة خاصة في تُراثنا الإسلامي.

لذلك حين توفى رحمة الله عليه لم يكن هناك تلامِذة تبنّوا فكره مباشرة، وإنّما مضت قرون، ولم ينبغ أحد كإبن رشد فعدّوه آخر الفلاسفة. وفي عصر النهضة أرادوا إعادة بعثه من جديد بدايةً مع جمال الدين الأفغاني الذي جاء بعلوم الأوائل هذه، وبثّها في كل البلاد التي زارها وخاصة في مصر حين استوطنها زمناً، وتأثّر بأفكاره محمّد عبدو في الأعمال الكاملة التي جمعها محمّد عمارة مشكوراً يورِد فقرات كاملة لإبن رشد، ويصفه بالإله، يقول اتّهم إبن رشد من مُعاصريه ومن الغربيين عامّة بأنّه من الفلاسفة الماديين الذين يعنون بالأمور التي تنزع نحو البُعد عن التجريد والتنزيه، وكذا خاصة في الإلهيات، ولكن كان هو من الفلاسفة الإلهيين بعد أن درس فلسفته دراسة عميقة، ودرسها لتلاميذه وتأثّر من بعده الدكتور محمود قاسم الذي قدَّمت أحد كتبه محمود قاسم هو إبن رشد المعاصر.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل قاضي: سخَّر كل إمكانياته في التعريف بهذا الفيلسوف الكبير والتعريف بكُتبه وتلخيصها أحياناً في مقالات محمود قاسم، كان يقابله علي سامي النشّار الذي يمثل الأشاعِرة، ومحمود قاسم الذي يمثّل المُعْتَزِلة، ولكن عُني بإبن رشد كثيراً. ثمّ محمد عمارة أيضاً ألّف عن إبن رشد، وكان عازماً على أن يجعل رسالته للدكتوراه عن إبن رشد، فلما اكتشفت بعض المخطوطات عن المُعْتَزِلة في اليمن حول وجهته إلى المُعْتَزِلة. لذلك أثر إبن رشد في زمننا هذا ضئيل لما كان يجب أن يكون. فالفكر السطحي هذا أو الفكر الذي يفضي بأصحابه إلى أن يرتكبوا هذه الجرائم، هذا الفكر لو كان في هذه المساحة العقلية، لو كان فيه بعض المساحة العقلية لما أمكنهم أن يفعلوا هذا. نحن لا ندعو إلى تغليب العقل على النقل، وإنّما النقل نفسه يفهم بالعقل، النقل نفسه لا يمكنك أن تفهمه إلّا بالعقل.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور خليل أشرت إلى أنّ إبن رشد الاهتمام به ضئيل، ولذلك سأختم حلقتي مع الدكتور فريد فيلسوف تونس. دكتور فريد لو جاء إبن رشد اليوم إلى  أي مطار عربي يحطّ؟ مطار هوّاري بو مدين؟ مطار قرطاج؟ مطار بيروت؟ مطار الرياض؟ أو أي مطار عربي..؟ هل يُعْتَقل ويُسْجَن؟ هل سوف يؤخَذ إلى مشفى المجانين والأمراض العقلية؟ أم سوف يُحاصَر ويُطْرَد من حيث جاء؟ ما هو مصيره؟

 

فريد العليبي: ربما كان مصيره هو التالي سوف يجري تبّنيه، ومن ثمّ تطويعه لأنّ السلطة السياسية اليوم أيضاً كما بالأمس كيف تتعامل مع الثقافة، وكيف تتعامل مع الفكر، وكيف تتعامل مع الفلسفة. تتعامل مع ذلك كلّه من موقع التطويع، ينبغي أن يستثمر في اتجاه تكريس تلك السلطة، وضمان ديمومتها. لا ننسى أنّ إبن رشد وأختم أيضاً بهذا إبن رشد كان شخصية قلقة، كان يقول إنّ النفس مما تخلّل هذه الشريعة لا في غاية الحزن لا تقول أنا حزين. أنا حزين لأنّ الشريعة ممّا تخلّلتها تلك الفِرَق المُتصارِعة المُتنابِذة التي بسطت يدها على جموع الناس والسلطة السياسية، ماذا فعلت؟ وجدت بتلك السلطة الدينية ضالّتها فتحالفت معها ضدّ إبن رشد، طُرِدَ من الجامع بمعيّة إبنه، وآثار الوضوء على قدميه، إذاً هناك تحريف.

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوَّة إلا بالله دكتور فريد، وسلام على الفكر في الأوّلين.

الدكتور فريد العليبي من تونس الحبيبة شكراً جزيلاً لك، الدكتور خليل قاضي من الجزائر المجاهدة الحبيبة شكراً جزيلاً لك.