محمد الحامدي - الأمين العام المساعد لحزب التيار الديمقراطي

 

وفا سرايا: مساء الخير.

سبع سنواتٍ مرّت على الثورة في تونس وسط تفاؤلٍ مشوب بالحذر وتشاؤم نتيجة وعود لم تتحقق وطموحات تهاوت بمرور الأيام.

تساؤلات كثيرة يطرحها التونسيون. ما الذي تحقق من أحلامهم؟ ما هو حجم المكتسبات السياسية والحقوقية في تونس بعد الثورة، والتي انتزعها التونسيون بفعل تضحياتٍ متتالية؟ ماذا عن التحالفات السياسية والانتخابات المقبلة؟ وكيف ستنعكس التجاذبات بين نداء تونس والنهضة على المعارضة؟

بعد سبع سنواتٍ، لا يزال التونسيون يعارضون وينتقدون مواقف حكومتهم في اختباراتٍ دبلوماسيّةٍ متلاحقةٍ، من انضمام تونس إلى محاور اقليمية وموقفها الأخير في اجتماع وزراء الخارجية العرب، والجدل الناري تحت قبّة البرلمان، والحديث عن الضغوط التي تتعرّض لها للتخلّي عن الحركات المقاومة ووصفها بالإرهابية، إلى سياساتها الخارجية تجاه سوريا، وليبيا، والاقليم، والأسئلة حول الحاضر والمستقبل تفيض في انتظار أجوبةٍ تطمئن التونسيين وترضي آمالهم.

كل هذه التساؤلات سنحاول طرحها على ضيفنا من تونس السيّد محمّد الحامدي الأمين العام المساعد لحزب التيار الديمقراطي.

مساء الخير وأهلاً بك على شاشة الميادين سيّد محمّد.

بداية سأبدأ من الشأن الداخلي. بعد مرور سبع سنوات على الثورة في تونس، ما الذي تحقق على أرض الواقع؟ هل الإخفاقات طغت على الإنجازات ولا سيما بالمسار التنموي والاقتصادي؟

 

محمّد الحامدي: مساء الخير. تحية لكل مشاهدي قناة الميادين. في الحقيقة بعد سبع سنوات أو ما يقارب السبع سنوات من الثورة التونسية، طبعاً لو أردنا التقييم نقول إن هذه الثورة حققت إنجازات على المستوى السياسي، في صوغ دستور توافقي، في بداية إرساء نظام سياسي ديمقراطي، طبعاً العملية لم تستكمل بعد، ما زلنا، الهيئات المشتقّة عن الدستور أو الهيئات الدستورية مع الأسف هناك نوع من التسويف والمماطلة في تأسيسها، وهناك محاولات من الائتلاف الحاكم، حتى تلك الهيئات التي أسِّست للسيطرة عليها ولتوظيفها حزبياً، لكن بالمقابل، بمقابل هذا النجاح السياسي في ما يتعلق بالحريات السياسية وأسس النظام السياسي الديمقراطي وحرية الإعلام والتعبير، هناك إخفاق في الانتقال الاقتصادي. حتى الآن، لم تخرج تونس من منوال الاقتصاد الذي أرساه بن علي، والذي أثبتت الثورة محدوديّته وقصوره وفشله، ومع الأسف أغلب حكومات إذا لم أقل كل حكومات ما بعد الثورة بقيت حكومات تصريف أعمال داخل نفس المنوال الاقتصادي، ولم تدخل إلى إصلاحات جذرية، ولم تدخل في تعديل الموازنات الاقتصادية الكبرى، ولم تدخل في محاولة جذرية وجريئة لتوجيه الاقتصاد التونسي بحيث يصبح اقتصاداً قادراً على خلق الثروة وتوزيعها بعدل.

 

وفا سرايا: هل نفهم من كلامك أستاذ محمّد، هل النجاحات أيضاً بالمسار السياسي بما أنك أشرت إليه اقتصرت فقط على تكريس الحريات، إجراء الانتخابات التي هي جوهر الممارسة الديمقراطية، وتنظيم هذه الانتخابات التشريعية والرئاسية؟

 

محمّد الحامدي: تقريباً هذا هو، كما قلت صغنا دستوراً توافقياً، خضنا انتخابات عامي 2011 و2014، وهي انتخابات بالمعايير الدولية عموماً انتخابات حرّة ونزيهة وشفافة إلى آخره، بدأنا بإرساء النظام السياسي الديمقراطي والهيئات التعديلية التي نسميها الهيئات الدستورية، لكن كما قلت، منذ أن أستقر هذا الائتلاف الحاكم بعد انتخابات 2014، نلاحظ بعض منازع الارتداد على المسار الديمقراطي، كما لدينا مخاوف حقيقية من محاولات البعض الانحراف بالدستور، مثلاً، على سبيل المثال الدستور يرسي نظاماً شبه برلماني، هناك الآن بعض المحاولات للانحراف بالدستور إلى ما يشبه النظام الرئاسي مجدّداً، كما هناك تسويف وتعطيل من قبل الاتئلاف الحاكم الذي يقوده نداء تونس وحركة النهضة، ثمة تعطيل واضح لإرساء الهيئات الدستورية وثمة محاولات ونزوعات للسيطرة على الهيئات التي وقع إرساؤها.

 

وفا سرايا: بما أنك أشرت، منذ عام 2014 سيّد محمّد، إرساء هذا التحالف بين النهضة ونداء تونس، برأيكم، وقادا التحالف الحكومي حتى الآن، رغم تغيّر الوجوه إن كان رؤساء الحكومات أو حتى الحقائب الوزارية وتغيّر الوزراء، ولكن هل هما في خندق واحد الآن نداء تونس والنهضة، أم نحن أمام تحالف هشّ على ما يبدو في ظلّ هذه التجاذبات بين الطرفين في الفترة الأخيرة؟

 

محمّد الحامدي: هو في الحقيقة توافق نقول عنه عادة أنه مغشوش، هذان الحزبان شيطن كلٌ منهما الآخر ودفع التونسيين إلى استقطاب كاد في لحظة من اللحظات أن يتحوّل إلى حال من الاحتراب الأهلي، وشُحِنت وزُيّتت الماكينة الانتخابية بما سمّي آنذاك بالتصويت المفيد، إذا لم تكن مع النهضة فأنت مع النداء وإذا لم تكن مع النداء فأنت مع النهضة، وقُسّم التونسيون على هذا الأساس، ثم توافقا فجأة، خان كل منهما وتحيل كل منهما على ناخبيه وعلى عموم الشعب التونسي ليتوافقا، لكن على ماذا توافقا؟ وهذا المشكل، نحن لسنا ضد التوافق، نحن مع التوافق ودفعنا في هذا الاتجاه، نحن بحاجة إلى توافق وطني لكن توافق على أية قاعدة؟ في الحقيقة الائتلاف الحاكم الآن والذي قاطرته الأساسية النهضة والنداء ويُجمَّل أو يقع إخراج على أنها حكومة وحدة وطنية في الحقيقة هو توافق على محاصصات من دون أي برنامج اقتصادي واجتماعي، من دون أية وجهة حقيقية لا في السياسات الداخلية ولا في السياسات الخارجية. هؤلاء توافقوا على تقاسم المناصب أي على المحاصصة، وتوافقوا على ما يشبه تصريف الأعمال وإدارة الأعمال اليومية، وهذا الاتئلاف أنا بتقديري يمعن في الإخفاق في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ويمعن في الإخفاق في معالجة السياسات الخارجية.

 

وفا سرايا: إلى أي مدى تتوافق مع فكرة أو ما يقال أستاذ محمّد أنّ هذا التوافق كان تحالفاً بين رجلين قياديين أي السيّد السبسي والغنوشي، لم يرتقِ إلى مستوى الحزبين؟

 

محمّد الحامدي: لا، هو في الحقيقة هو رسمياً على الأقل وفي المنطوق هو تحالف بين حزبي النهضة والنداء، صحيح أنّ ربما من يقود هذا التوافق أو من يحدّد له خارطة طريق هو السيّد الباجي قائد السبسي والفريق المحيط به والسيّد راشد الغنوشي والفريق المحيط به، لكن يقع إخراج الأمر أولاً على أنّه توافق حزبين أساسيين، وثانياً حاولوا تعميم حال الفشل هذه وتقسيطها أولاً بمجموعة من الحكومات التي تتالت بعد انتخابات 2014، والتي في تقديري تعبير عن نفس منظومة الحكم، وثانياً محاولة تعويم هذا الفشل في ما سُمّي بالموقّعين على بروتوكول قرطاج أو وثيقة قرطاج أو في ما سمّي بحكومة الوحدة الوطنية.

 

وفا سرايا: كيف سينعكس ذلك على المعارضة، خصوصاً أعلنت بالأشهر الماضية سيّد محمّد عن هذا التحالف بين حزب التحالف الديمقراطي وحزب التيار الديمقراطي، ما يُحكى عن هذا الحوار بين العائلة اليسارية، كيف سيؤثّر ذلك على خيارات المعارضة في المستقبل، خصوصاً نحن أيضاً أمام استحقاق انتخابي رئاسي مقبل في العام المقبل؟

 

محمّد الحامدي: والله أنا في الحقيقة تقديري أن المعارضة لها فرصة حقيقية، فرصة سانحة. المعارضة في انتخابات 2014 كانت ضحية أمرين، ضحية ما سمّي آنذاك بالتصويت المفيد والذي قسّم البلد بين النهضة والنداء ثم اتضح أنه تصويت غير مفيد، باعتبار أن هذين الحزبين تحالفا في ما بعد في ائتلاف حكومي، وأيضاً المعارضة كانت ضحية تشرذمها وتشتّتها التنظيمي. المعارضة خاصة المعارضة الاجتماعية الديمقراطية لو دخلت الانتخابات الماضية بقوائم مشتركة لكانت ربما القوة الثالثة في البرلمان، الآن هي تعاني كما قلت هذا التشتّت. نحن في التيار الديمقراطي أو بانصهار التحالف الديمقراطي والتيار الديمقراطي في حزب التيار الديمقراطي، أردنا أن نرسل رسالة إيجابية لأصدقائنا ورفاقنا في المعارضة أنه لا خيار لنا إلا أن نتوحّد، وأن نكون القوة البديلة. نحن نلاحظ الآن حال إحباط لدى عموم التونسيين وخيبة أمل واسعة لدى الذين انتخبوا النهضة والنداء، الذين خابت آمالهم وغُرّر بهم، لكن أنا في اعتقادي أن الناخب الذي سيعاقب النهضة والنداء في الانتخابات القادمة، لا يكفي بأنه يعاقب هذين الحزبين اللذين يُمعنان الآن في الفشل ودفع البلد للفشل، ولكن عليه أو من المحبَّذ أن يجد الناخب حينما يصوّت تصويتاً عقابياً أن يجد بديلاً. نحن في التيار الديمقراطي نحرص على إعطاء هذا البديل، نحرص على إقناع المواطن أنّ المعارضة يمكن أن تكون قوة أمل، يمكن أن تكون قوة اقتراح، يمكن أن تكون بديلاً لحال الإخفاق الذريع التي يعانيها الائتلاف الحاكم.

 

وفا سرايا: هل يعني هذا مؤشّر إلى هندسة المعركة الانتخابية القادمة سيّد محمّد، منظومة الحكم الحالي، خصوصاً النهضة، النداء، بوجه مناوئيها إذا أردنا القول؟

 

محمّد الحامدي: التمايز باعتقادي سيكون واضحاً في الانتخابات القادمة بين كما قلت ائتلاف يميني يمعن في الفشل في مستوى السياسة الاقتصادية والاجتماعية وعلى مستوى السياسات الخارجية، في غياب خيارات كبرى، في انعدام البوصلة، في أنه بلا رؤية وأنه يمارس كما قلت تصريف الأعمال، وبين معارضة اجتماعية قادرة على تقديم المقترحات، قادرة على تقديم البدائل، وما انصهار التحالف الديمقراطي والتيار الديمقراطي إلا رسالة في هذا الاتجاه. نحن في التيار الديمقراطي نريد أن تكون عملية الانصهار التي تحدّثتِ عنها منذ قليل خطوة أولى في إطار محاولة تجميع المعارضة الديمقراطية الاجتماعية، وفي إطار محاولة إقناع المواطن أنّ هذه المعارضة يمكن أن تكون بديلاً جدياً يعوّل عليه وأن الفشل ليس قضاء وقدراً.

 

وفا سرايا: هل تواصلتم مع كافة هذه الأقطاب في المعارضة سيّد محمّد حتى مع الجبهة الشعبية؟ هل تواصلتم مع كافة أطراف المعارضة أنتم كحزب تيار ديمقراطي وحزب التحالف الديمقراطي، تواصلتم مع كافة الأطراف لتشكيل هذا البديل أمام الناخب التونسي في المستقبل؟

 

محمّد الحامدي: طبعاً نحن في حال تشاور دائم، وسأعطي مثلين، نواب التيار الديمقراطي في مجلس نواب الشعب أولاً هم جزء من الكتلة الديمقراطية التي تضم أحزاباً أخرى، ثمّ نحن في تفاعل مع كتلة الجبهة الشعبية، سواء في التصدّي للقوانين التي نرى أنها غير دستورية أو في التصدّي للقوانين التي نرى أنها تمرّ بمصلحة الطبقات الوسطى والضعيفة، والتي تتعارض مع مصالح شعبنا، كما أننا نسّقنا وأنشأنا تنسيقية المعارضة للتصدّي لقانون تبييض الفساد والفاسدين، الذي سُمّي آنذاك بقانون المصالحة، أي حال التشاور مع أحزاب المعارضة في التيار الديمقراطي نحن نعتبرها خياراً أساسياً وخياراً مبدئياً. مستوى هذا التشاور ومستوى هذا التنسيق يتراوح بين الأدنى وهو التنسيق وبين الأوسط وهو احتمال الجبهات وبين الأقصى وهو عملية انصهار كما حدث بين التحالف الديمقراطي والتيار الديمقراطي.

 

وفا سرايا: إلى اي مدى الشارع التونسي والناخب التونسي سيتأثر بهذه البرامج الانتخابية، خصوصاً هنالك معضلات، طموحات تهاوت طيلة هذه السبع سنوات برغم تواتر العديد من الحكومات والأطياف السياسية أستاذ محمّد؟ وإلى أيّ مدى، هنا سأنتقل أيضاً إلى السياسة الخارجية المتّبعة، لأنه على ما يبدو سقف مطالب الشارع التونسي هو أكبر بكثير مما تقدّمه السياسة الخارجية التونسية، وسأعود لتفصيل كل نقطة معك، ولكن بشكل عام هل تؤثّر على الناخب التونسي؟

 

محمّد الحامدي: طبعاً الناخب التونسي يعاني من حال نفور كما قلت من السياسة وحال عزوف من السياسة، لأنه محبط من أداء الفريق الحاكم. هذا الفريق الحاكم مُنِح تفويضاً شعبياً عريضاً، لا أقول غير مسبوق ولكنه تفويض عريض، الائتلاف الحاكم لديه أغلبية ساحقة في البرلمان، المعارضة في نهاية الأمر أقلية في البرلمان، لكن هذا الائتلاف الذي منح تفويضاً عريضاً لم ينجز وعوده، بل كما قلت أمعن في الإخفاق والإخفاق هذا يعيشه المواطن يومياً في مستوى المعيشة، في مستوى الارتفاع الجنوني للأسعار، في مستوى التدهور الصاروخي للقدرة الشرائية، في مستوى انعدام الأفق وانعدام الأمل، لأنّ هذا الائتلاف الحاكم بقدر ما يدعو التونسيين إلى التضحيات ولكنه لا يرسم أيّ بصيص أمل في آخر النفق، فعموم التونسيين في حال عزوف. لكن نحن في المعارضة نسعى لكسر حال العزوف ولإقناع التونسيين أنّ الفشل إنما يخصّ هذا الاتئلاف الحاكم وليس قدراً، الفشل ليس قضاء وقدراً على كل النخبة السياسية التونسية. بإمكان تونس أن تكون أفضل، بإمكان تونس أن تقلع اقتصادياً واجتماعياً، بإمكان تونس أن تكون قطراً رائداً في محيطها المغاربي أو في محيطها العربي، بإمكان تونس فعلاً أن تفتتح طريقاً جديداً تكون لها فيه الريادة على مستوى المنطقة العربية. هذا ممكن، هذا ليس عزيزاً على تونس، ولكن الفريق الحاكم لا يتوفر لا على رؤية ولا على إرادة لإنجاز هذا الأمر.

 

وفا سرايا: هنا هذه نقطة مهمة جداً أشرت إليها سيّد محمّد، هذه الإرادة والرؤية التي تتواجد لدى هذا الفريق الحاكم ما الذي يعيقها، خصوصاً لا بدّ من الحديث عن التطوّرات الأخيرة، ما حصل في قبّة البرلمان، الخطاب الناري للسيّدة والنائبة مباركة البراهمي حينما تقول، سأقتبس بشكل رئيسي، حينما سأل أحد الزملاء متى ستعيدون العلاقات مع سوريا ونحن نعلم عام 2012 قطعت السلطات التونسية والرئيس منصف المرزوقي العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وقام السيّد السبسي برنامجه على الوعد بإعادة هذه العلاقات، حتى الآن لم تعد هذه العلاقات. تقول السيّدة البراهمي عندما يشير عليكم النظام السعودي ستقومون بإعادة هذه العلاقات.

هل هي ترزح وترضخ لهذه الإملاءات والتحالفات التي على ما يبدو دخلت فيها كعضو موجود، بدا واضحاً ذلك في اجتماع وزراء الخارجية العرب وتواجد تونس في الاجتماع؟

 

محمّد الحامدي: على كل، ليس هذا هو الوعد الوحيد في برنامج نداء تونس الذي لم يتم إنجازه، هذا واحد من عشرات الوعود التي لم يتم تنفيذها. أما في ما يخصّ السياسة الخارجية التونسية، مع الأسف السياسة الخارجية التونسية هذا إذا تحدّثنا عن وجود سياسة أصلاً، يبدو لي ليس هناك سياسة خارجية تونسية أو هناك سياسة خارجية تونسية بلا بوصلة. سأقدّم مثالين. المثال الأول هو الوضع الليبي. الوضع الليبي يفترض أننا نحن كتونسيين الأقدر على التأثير فيه، بحكم القرب الجغرافي وبحكم الوشائج التاريخية والروابط الاجتماعية مع الشعب الليبي، وبحكم أنّ فعلاً أمن ليبيا هو أمن تونس. لو كان الوضع في ليبيا غير الوضع مثلاً لساهمت الشقيقة ليبيا مثلاً في امتصاص جزء كبير من البطالة التي تعانيها تونس. هذا أبسط مثال، بينما نجد أن تونس على مستوى سياستها الخارجية تكاد تكون غائبة عن المشهد الليبي بينما يتدخّل فاعلون وآخرون يأتون من أقاصي الأرض حتى ما سمّي بالمبادرة التونسية يبدو لي مبادرة ضعيفة وأتت متأخّرة جداً.

المثال الثاني هو مسألة اصطفافات تونس في الوضع الاقليمي. أنا مع الأسف أقول أن الائتلاف الحاكم يصطف في المحور الخطأ، هم يزعمون أنهم ينأون بتونس عن المحاور، لكنهم غارقون في المحور، تونس الآن رسمياً هي في ما يسمّى بالمحور الإسلامي لمقاومة الإرهاب والذي يقوده النظام السعودي. إذاً تونس اصطفّت في هذا المحور والموقف، موقف وزير الخارجية التونسي.

 

وفا سرايا: هل تونس انتقلت من مرحلة التحالف التركي القطري إلى التحالف السعودي الأميركي وللأسف المدعوم حتى بمواقف واضحة إسرائيلية للعدو الإسرائيلي؟

 

محمّد الحامدي: هو مع الأسف كما قلت الخارجية التونسية بلا بوصلة، لو تحدّثنا عن بوصلة ممكنة للسياسة الخارجية لأيّة دولة لقلنا إنّها لا تخرج عن أمرين، المبادئ والقيم والقناعات والمصالح. لست أدري أين هي المبادئ والقناعات من جهة وأين هي المصالح في السياسة الخارجية لتونس.

أنا كما قلت اصطفاف تونس في التحالف الذي تقوده السعودية بين قوسين لمقاومة الإرهاب، وهنا نطرح أكثر من سؤال على جدارة وشرعية هذا المحور في مقاومة الإرهاب، إذا لم نقل إنّ هذا المحور بالعكس تورّط في دعم كثير من الظواهر الإرهابية باعتراف كثير من مكوّناته.

ثانياً، نأخذ مثالاً ثانياً وهو موقف الخارجية التونسية في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير، وهو موقف أنا أعتقد أنه فضيحة بالمعنى القومي وبالمعنى المبدئي، وفضيحة أن تكون الخارجية التونسية التي تعبّر عن تونس ما بعد الثورة، أنا لا أتحدّث عن نظام استبدادي، أنا أتحدّث عن دولة ثار شعبها وأرسى نظاماً ديمقراطياً خارجيتها تصنف المقاومة إرهاباً وتصطف مع الأسف مع المشروع الصهيوني. هذا موقف فضيحة وأنا أعتقد أنه موقف غريب عن ثوابت وعن وجدان عموم الشعب التونسي.

 

وفا سرايا: هذا الموقف كان هنالك ردود فعل صاخبة، 41 نائباً من كتل برلمانية مختلفة قدّموا عريضة تطالب وزارة الخارجية بالتنصّل من البيان الصادر، وخصوصاً في ما يتعلّق باتّهام حزب الله وتصنيفه كمنظمة إرهابية، لأنهم يعتبرون ذلك وصمة عار على تونس الثورة كما قلت وخيانة لدماء شهدائها.

في المقابل السيّد خميس الجهيناوي يقول إننا نحن نقوم بمصالح تونس تجاه حتى كل المنطقة والسياسة الخارجية لا تحدّدها لا الشعارات ولا الأيديولوجيا.

 

محمّد الحامدي: لا، السؤال الذي نوجّهه إلى السيّد الجهيناوي ما هي مصالح تونس في هذا الاصطفاف؟ ما مصلحة تونس في أن تصطف في محور يصنّف حركة مقاومة حركة إرهابية؟ هذا أنا لا أعتقد أنّ الأمر لا يخدم إلا مصلحة الكيان الصهيوني. ليس هناك أية مصلحة لتونس ولا للتونسيين، وطبعاً هذا لو لم نتحدّث عن القِيَم والمبادئ، لو تحدّثنا عن القِيَم والمبادئ نحن لسنا على استعداد لبيع قِيَمنا ومبادئنا ولسنا على استعداد لبيع ذممنا للموقف الذي يعادي المقاومة ويريد التطبيع مع الصهيونية، ويريد أن يصطفّ في مواقفه مع الكيان الصهيوني، وأنا أحيّي نواب المعارضة الذين صاغوا هذه العريضة، ومن ضمنهم طبعاً نواب التيار الديمقراطي ضمن قائمة الـ41، وأنا أدعو هؤلاء النواب إلى توجيه مساءلة، مساءلة لوزير الخارجية على هذا الموقف الذي في اعتقادي لا يعبّر بالمرة عن الثوابت والقِيَم التي بني عليها وجدان التونسيين، بل هو موقف أدنى وأحط بين قوسين حتى من مراحل سابقة في الدبلوماسية التونسية. مثلاً لو نأخذ مرحلة الزعيم حبيب بورقيبة السياسة الخارجية التونسية رغم أنها كانت براغماتية جداً ورغم أنها أحياناً كانت تمارس نوعاً ممّا تسميه الحياد الإيجابي ولا تجاهر بمواقف مبدئية، لكنها لم تنحدر إلى هذا المستوى الذي يصنّف حركة مقاومة على أنها حركة إرهابية.

 

وفا سرايا: ما الذي يعنيه اتخاذ هكذا مواقف، أو حتى إعادة العلاقات الثنائية بين تونس وسوريا يُحكى بحاجة أنها بحاجة لضوء أخضر سعودي إماراتي؟

إلى أين ذاهبة السياسة الخارجية التونسية أيضاً في ظل ما يُحكى في المنطقة عن اتجاه خصوصاً في دول خليجية مثلاً كالسعودية التي تتّجه نحو هذا التحالف، تونس، محاولة نحو التطبيع مع العدو الإسرائيلي؟

 

محمّد الحامدي: أنا مع الأسف لا أرى في الأمر إلا ارتهاناً لهذا الموقف السعودي والموقف الخليجي، وهو ارتهانٌ بتقديري مجاني، ليس له ما يبرّره لا من حيث المبدأ ولا من حيث المصلحة. طبعاً مع الأسف وزارة الخارجية التونسية، نحن منذ تشكيل الحكومة قلنا مع الأسف أن وزارة الخارجية في تونس ما بعد الثورة تُسنَد إلى شخص كان هو المسؤول عن مكتب العلاقات مع الكيان الصهيوني في أيام النظام البائد، في أيام نظام بن علي.

يبدو أن هذه الرمزية السلبية، وكأنها تأتي في سياق فعلاً الإئتمار بالمال السعودي والمال الخليجي، وفي حين في الحقيقة لا نرى لا مالاً سعودياً ولا مالاً خليجياً يدعم تونس، لكن نوع من الخضوع للابتزاز الخليجي والابتزاز السعودي في اتجاه نوع من التطبيع مع الصهيونية. لكن أنا بتقديري الشعب التونسي لن يقبل بهذا الأمر، الشعب التونسي لم يقبل بهذا الأمر حتى في ظل نظام الاستبداد، حتى في ظل محاولات بن علي للتطبيع مع الصهاينة تصدّت المعارضة التونسية، وتصدّى الفاعلون، المدنيون والنقابيون التونسيون لكل محاولات الاستبداد، وأنا أذكر التحرّكات الحقيقية رغم حال الحصار وحال العزلة التي فرضها علينا نظام بن علي سنة 2005 عندما حاول أن يحوّل قمّة المعلومات إلى فرصة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، أنا أتذكّر حجم الاحتجاجات وحجم التظاهرات وحجم الصدامات التي وقعت مع نظام بن علي، هذا الشعب التونسي الذي يلتحم بقضية فلسطين وبقضايا المقاومة وقدّم أجيالاً من الشهداء من أجل المقاومة ومن أجل فلسطين لا يمكن أن يقبل بالتطبيع مع الصهاينة خاصة بعد ثورة وبعد أن تحرّر التونسيون.

 

وفا سرايا: وهذا أكبر رهان على هيبة وكرامة الشعب التونسي المقاوم. أستاذ محمّد الحامدي الأمين العام المساعد لحزب التيار الديمقراطي أشكرك جزيل الشكر على وجودك معنا في هذه المقابلة الخاصة، كنت معنا من تونس. والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة. في أمان الله.