مباركة البراهمي - نائب في مجلس نواب الشعب التونسي عن الجبهة الشعبية

 

محمد علوش: بين معظم التجارب السياسية العربية، تخطو التجربة التونسية بثباتٍ نحو الدولة الديمقراطية والحكم الرشيد. أمس، أنجزت البلاد استحقاقاً دستورياً تمثّل في إتمام الانتخابات البلدية بعد انقطاعٍ دام سبع سنوات. لم تحل الظروف الاقتصادية الصعبة ولا التباينات السياسية من دون تحقيق تلك الإنجازات.

ما قد يُحسَب لتونس في الملفات الداخلية قد يؤخذ عليها مثله أو أزيد في الملفات الخارجية. فقد كانت ولا تزال من أكثر البلدان تفاعلاً وتماساً مع ما يمرّ به العالم العربي من أزماتٍ وتحديات. مَن مِنّا لا يتذكّر الشهيد التونسي محمد الزواري الذي قضى غيلةً على يد المخابرات الإسرائيلية بسبب تطويره طائرات الأبابيل للمقاومة الفلسطينية؟ مَن مِنّا لا يتذكّر في المقابل مراحل التطبيع التونسي مع الاحتلال الإسرائيليّ، أو تلك الضجّة التي أثارها مفتي تونس أخيراً بحديثه عن التطبيع؟

تونس الزواري وميلود بن ناجح وعمران الكيلاني وفيصل الحشايشي وغيرهم من شهداء القضية الفلسطينية، لم تعد كذلك، أو هكذا تبدو للمراقب. تحرّكاتٌ خجولة تلك التي خرجت مساندة لمسيرات العودة الفلسطينية في ذكرى النكبة، فما هي أسباب ذلك فيما تنعم البلاد بالحرية وتتكاثر فيها الأحزاب؟ بماذا اختلفت الدبلوماسية التونسية عن نظيراتها في مواجهة المجزرة الإسرائيلية؟ هل باتت تونس اليوم أفضل من ذي قبل؟ ما هي سيناريوهات ما بعد الانتخابات البلدية؟

نرحّب بضيفتنا مباركة البراهمي النائب في مجلس نواب الشعب التونسي عن الجبهة الشعبية.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا إلى هذا الحوار مع السيّدة مباركة البراهمي. طبعاً نرحّب بك ونحيّيك، وكل عام وأنت بخير.

ابتداءً، طبعاً أنجزت الانتخابات البلدية في تونس، البعض اعتبرها خطوة جديدة في مسار تحقيق الدولة الديمقراطية أو الانتقال إلى الحُكم الرشيد، لكن النتائج على الأقل جاءت أقل مما كانت متوقّعة بالنسبة للجبهة الشعبية، وحضرتك نائب عن الجبهة الشعبية في مجلس النواب، بحصول الجبهة على 3 فاصل 95، أي ما يقارب من أربعة بالمئة، مما حلّت الرابع أو الخامس في سلّم الأحزاب التي كانت تتنافس على هذه الانتخابات.

هل من تفسير لذلك لديكم؟

 

مباركة البراهمي: أهلاً وسهلاً، وشكراً لكلّ متابعي قناة الميادين. نحن حضرنا في هذا الاستوديو قبل الانتخابات، كما حضرت قيادات الجبهة الشعبية أيضاً، وحذّرنا من العواقب السيّئة للعزوف عن المشاركة في هذا الاستحقاق الانتخابي.

الائتلاف الحاكم هو الذي تسبّب بهذا العزوف باعتبار الفشل الذريع الذي منيت سياسته ما حدا بكل من يمكنه المشاركة في هذا الاستحقاق الانتخابي، وخاصةً من فئة الشباب، أن يكرهوا صراحةً الأحزاب السياسية، وما عادت هنالك ثقة في الأحزاب السياسية، باعتبار الفشل الذريع الذي مني به الائتلاف الحاكم.

المختلف في هذا الأمر أنّ الائتلاف الحاكم بحزبيه الكبيرين حركة نداء تونس، وحركة النهضة، استطاع أن يسخّر إمكانيات الدولة، وربما تابعتم كيف أن حتى رئيس الجمهورية نفسه نزل إلى الانتخابات ورئيس الحكومة باعتباره تابعاً لحزب نداء تونس أيضاً شارك في الحملة الانتخابية، ووزراء شاركوا في الحملة الانتخابية، مستغلين إمكانيات الدولة، ناهيك عن أنه قبل هذا بسنوات عام 2014 وعام 2011 أيضاً خاصة بالنسبة لحركة النهضة، تلك الأحزاب توفرت لديها إمكانيات مالية كبيرة جداً ضُخّت إليها من الخارج، وتعرفون أنتم الحيثيات التي وصلت بها حركة النهضة إلى الحكم عام 2011 وثم إلى تثبيت وضعها مجدّداً عام 2014، وكذلك نداء تونس باعتبار أن كل رموزهم أبناء الماكينة القديمة وأبناء النظام القديم، كيف أنهم سخّروا خبرتهم وإمكانياتهم ومن وراءهم من رجال أعمال ومن سياسيين وأيضاً حتى من دول كبرى من أجل أن يصلوا إلى هذه النتيجة.

بالنسبة لنا نحن في الجبهة الشعبية، نحن أبداً لسنا راضين على النتيجة ولسنا راضين على الأداء أيضاً، كما كنّا أيضاً غير راضين حتى بنتائج الانتخابات التشريعية التي حصلت عام 2014. فارق بين من لديه ماكينة وبين من ليس لديه ماكينة، الجبهة الشعبية أيضاً دخلت في ماراتون الاجتماعات والتقييمات الذاتية لأدائها، وتلتزم أن تطوّر أداءها في المرات القادمة إن شاء الله.

 

محمد علوش: طبعاً، وإن كانت هي انتخابات داخلية بلدية تحديداً وليست برلمانية، إلا أن صدى هذه الانتخابات كان تأثيره أبعد من تونس إلى ما هو عربي، خاصة أنّ التجربة التونسية تُعتبَر مراقَبة عربياً على صعيد تطوّرها ما بعد الثورات والانتفاضات التي ضربت العالم العربي منذ العام 2011.

كيف قرأت الصحافة العربية ولا سيما التونسية منها نتائج الانتخابات البلدية؟ نشاهد مقتطفات قبل أن نعود إلى ضيفتنا.

 

الشرق الأوسط: "تونس بعد زلزال الانتخابات المحلية: مشهد سياسي جديد والأيديولوجيات تتراجع".

أسفرت نتائج الانتخابات البلدية العامة الأولى في تاريخ تونس عن تغييرٍ جذريٍ في المشهد السياسي، ما سيؤثّر جوهرياً على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرّرة العام المقبل.

ولئن كرّست هذه الانتخابات تصدّر الحزبين الحاكمين الكبيرين للمشهد السياسي والحزبي، فإنّ فوز اللوائح المستقلة بالمرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات وارتفاع نسبة المستقلّين إلى أكثر من 50 في المئة في اللوائح الحزبية أوحيا بحاجة ساسة البلاد إلى تغييرٍ جذري بعد أن تراجع اهتمام الشباب والناخبين بالأيديولوجيات والشعارات والزعامات الكاريزماتية.

السؤال الكبير اليوم في تونس، هل تفهم النخب والقيادات السياسية الرسائل التي وجهها إليها الشارع التونسي من خلال هذه الانتخابات فتبدأ مسار إصلاحاتٍ اجتماعية واقتصادية وسياسية شاملاً وفورياً، أم تواصل سياسة النعامة وتبرير إخفاقاتها بالعوامل الخارجية، فتستفحل مظاهر الفوضى وتحركات النيل من هيبة الدولة والوحدة الوطنية؟

 

الشروق: كتب فاضل الطياشي في جريدة الشروق التونسية تحت عنوان "بين تحسين المؤشرات الاقتصادية وإصرار البعض على رحيلها، أيّ مبرر لتغيير الحكومة حالياً؟"

أصبح الحديث عن إدخال تحويراتٍ على الفريق الحكومي وعلى رأس الحكومة مسلسلاً طويلاً يلقي بظلاله على الوضع العام في البلاد. يحصل ذلك رغم أن الفترة الفاصلة عن انتخابات 2019 لا تتعدّى سنةً وبضعة أشهرٍ، وبالتالي فإنّ أيّ تحويرٍ لشكل الحكومة ولهيكليتها وتركيبتها قد يصبح غير ذي معنى بما أن الوقت يضغط، وقد لا تكفي هذه الفترة لتحقيق الفائدة المرجوّة من التغيير.

تمّ الإعلان مؤخراً عن تحقيق نسبة نمو خلال الثلاثي الأول بلغت 2 فاصل 5 في المئة، كما تم الإعلان أيضاً عن ارتفاع في نسبة الصادرات وفي المؤشرات السياحية وفي الصناعات المعملية. هذه الأرقام والاستنتاجات التي أعلنتها الحكومة في الأيام الأخيرة لم تمنع من توجيه أصابع اتهام كثيرة للحكومة بالعجز والفشل عن تحقيق المنتظر منها على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، في حين يعتبر آخرون أن المشكلة في تونس هي مشكلة برامج وخياراتٍ، ومشكلة منظومة الحكم.

 

محمد علوش: إذاً هي مشكلة برامج وخيارات ومشكلة منظومة الحكم، تختم الشروق.

أعود إليك سيّدة مباركة، وأبدأ بما قالته الشرق الأوسط بأنّ نتائج الانتخابات كانت انعكاساً لفشل كل الأيديولوجيات والخيارات والأطروحات والزعامات الكاريزماتية كما تقول في تونس، أي أن الأمر لا يطال فقط من هم في الحكم، أيضاً من هم خارج الحكم، أي بمعنى آخر الأحزاب أو الائتلاف الذي تتشكّل منه الجبهة الشعبية. ما قولكم؟

 

مباركة البراهمي: نعم، هو إلى حد كبير صحيح هذا التحليل، ولكن هذا يعود إلى حال العزوف، والمهم أن تعرفوا أنّ نسبة المشاركة في التصويت في الانتخابات البلدية كانت نسبة ضعيفة جداً. المتضرّر الوحيد من انخفاض المشاركة بالانتخابات هو المعارضة طبعاً، لأن الأحزاب الكبرى لديها قاعدتها الانتخابية التي ركّزتها، بالنسبة لحركة النهضة حتى منذ العهد البائد ومنذ انتخابات العام 2011 بما توفّر لها وأمكنها من إمكانيات مالية، وإمكانيات إعلامية، وإمكانيات لوجستية ضخمة. كذلك بالنسبة لنداء تونس أيضاً، هما غير معنيين بدفع الناس للمشاركة في الحكم، بل بالعكس، هم المستفيدون من حال العزوف هذه. وبالتالي نحن مثلما نبّهنا سابقاً قبل الانتخابات إلى أنه هناك حال من العزوف على الدولة أن تتداركها، هم لم يعملوا على تداركها لأنه بالنسبة لهم حتى وإن كانت المشاركة بسيطة، فإنهم يضمنون الكتلة التي ستصوّت لهم، وغير معنيين بمشاركة البقية. هذه هي الانتخابات والديمقراطية التشاركية المحلية هذه ما هي إلا أكذوبة كبيرة يروّج لها الائتلاف الحاكم. بالنسبة لهم هم غير معنيين بذلك.

 

محمد علوش: في المقابل كيف تفسّرون تراجع أو فشل أحزاب المعارضة في جذب الناخبين لا سيما الشباب منهم طالما كان أداء من هم في السلطة أداء متواضعاً وإلى حد ما فاشلاً ببعض المقاييس التي تطرحها المعارضة؟

ألم يكن بالإمكان لدى المعارضة بما تحمله من أطروحة سياسية أن تقنع الناخب التونسيّ بالذهاب والانتخاب للمعارضة بدل الانكفاء والعزوف عن الانتخابات؟

 

مباركة البراهمي: بالنسبة لنا نحن لا نقول إن النتيجة التي تحقّقت للمعارضة، سواء في كتلة الجبهة الشعبية أو في بقية الأحزاب المعارضة الأخرى، لا نقول إنها تحصيل فاشل. هذه كانت إمكانياتنا. بالنسبة لنا في الجبهة الشعبية نعترف أنه حدث سوء تقدير حيث لم نشارك في جميع الدوائر البلدية، من أصل حوالى 350 دائرة بلدية الجبهة الشعبية قدمت 120 قائمة، وبعد ذلك اعتبرنا هذا قصوراً كبيراً، كان بالإمكان الدخول بقائمات أكثر. نحن نتعلّم. هذه المرة الأولى التي تشارك فيها الجبهة الشعبية في انتخابات بلدية. كما تعلمون في النظام السابق كانت كل الانتخابات محسومة مسبقاً. هذه أول مرة نحن نشارك بانتخابات بلدية بهذا الحجم. كان لنا تقدديرنا وكانت لنا إمكانياتنا، وهذه أول تجربة نحن نتعلم منها.

 

محمد علوش: طبعاً لو تحدّثنا في ما يتعلق بما أفرزته هذه النتيجة من خارطة بين القوى الحزبية، البعض يقول أنه الآن بات في حكم الأمر الواقع، وهو تغيير الحكومة الحالية، تغيير حكومة الشاهد، والبعض يقول لا، تطعيمها بوجوه جديدة تمهيداً للانتخابات القادمة بعد سنة من هذا التاريخ.

تقديركم في الجبهة الشعبية، المسار السياسي الذي سينشأ بناءً على نتائج الانتخابات كيف سيكون شكله؟

 

مباركة البراهمي: طبعاً المشهد الذي اتّضح بعد انتهاء الانتخابات البلدية، أنّ النهضة والنداء حافظا على موقعيهما، وإن كان هناك تراجع كبير جداً في عدد الأصوات التي حصلوا عليها بالمقارنة بالانتخابات التشريعية في 2014. حركة نداء تونس تراجعت بحوالى مليون صوت، وحركة النهضة تراجعت أيضاً بحوالى 700000 صوت، ما يُعتبَر أنه حدث عندهما أيضاً تراجع كبير جداً.

المشهد السياسي اليوم هو ربما تثبيت أكثر فأكثر التحالف الحاصل بينهما، بين تحالف من في الحكم، النداء والنهضة. بالنسبة للتغيير الحكومي، الحقيقة نحن في الجبهة الشعبية نعتبر أنها مسرحية يعتمدها الائتلاف الحاكم في كل مرة، وفي كل مرة عندما يصطدم وجهه بالحائط يتجّه إلى كبش فداء. المرة السابقة لجأ إلى استغلال رئيس الحكومة السابق السيّد يوسف الشاهد كبش فداء، وجاؤوا به يوم أن حصل على موافقة البرلمان على حكومته، فعلاً هم جاؤوا به بالطبل والزمر، وبعد أشهر قليلة أيضاً بعد فشل خياراتهم وبعد فشل سياساتهم، أيضاً ضحّوا بالحبيب الصيد أيضاً وجاؤوا به لمجلس النواب في مشهد مخزٍ جداً وأيضاً انتزعوا منه أيضاً بالطبل والمزمار.

جاؤوا برئيس الحكومة الحالي السيّد يوسف الشاهد وجاءت معه حملة كبيرة لمصلحته وحملة سُخّر لها الإعلام وكل الأحزاب المكوّنة للائتلاف الحاكم، جاءت به على أساس أنه البديل وهو رئيس حكومة شاب، وجاء هو بنفسه بشعارات رنّانة إلى البرلمان، أحياناً يستشهد بأقوال لثوريين كبار ولسياسيين كبار، أحياناً لسياسيين في أقصى اليسار من العالم على غرار كارل ماركس أو لينين وتشي غيفارا، وفي آخر خطاب له قال أنا أتشرّف أنني أحد شباب الثورة، ولكن بعد ذلك عندما تفشل السياسات التي تتخذها الحكومة ويفشل ما جيء من أجله بيوسف الشاهد أو بغيره، يضحّون به.

بالنسبة لنا نحن عندما لم نعطِ أصواتنا لحكومة الحبيب الصيد، لأنه بالنسبة لنا نحن لسنا ضد السيّد الحبيب الصيد في شخصه ولكن نحن ضد خيارات الحكومة وضد سياسات الدولة وضد هذه السياسات التي تعتمد على نسف السيادة الوطنية، سواء كان بعلاقة في الملفات الداخلية أو بالملفات الخارجية، فشل الحبيب الصيد في النهوض بالاقتصاد الوطني فرموا به إلى سلّة النسيان، وثم جاؤوا بيوسف الشاهد اليوم، أيضاً يعدّون العدّة ويشحذون سكاكينهم من أجل أن يأتوا به وينتزعون منه الثقة. نفس المجموعة التي منحته الثقة منذ أشهر تستعد وتشحذ سكاكينها من أجل سحب هذه الثقة والتعاطي معه ككبش فداء تمسح فيه الحكومة ذنوبها وستلصقها بيوسف الشاهد. ولذلك تجري اليوم محاولة جديدة.

 

محمد علوش: الخوف والقلق هو من أن تعود نفس الدائرة من جديد سيّدة مباركة، لو عدنا إلى قراءة في نتائج الانتخابات، نجد أنه، وإن كان هناك عزوف كبير ونسبة المشاركين حوالى 33 فاصل 7 بالمئة بحسب الهيئة العليا للانتخابات، لكن أتى في المرتبة الأولى المستقلّون، القوائم المستقلّة التي حازت  نسبة 32 فاصل 9 بالمئة، تلاها طبعاً حزب النهضة ثم نداء تونس.

السؤال بما يتعلّق بالقوائم المستقلة التي طبعاً فازت بالمرتبة الأولى في هذه الانتخابات، البعض يقول إنّ عدوى فشل الحكومة سينتقل الآن إلى المجالس البلدية، كون هؤلاء المستقلّين غير مؤطَّرين، بل سيعمد البعض منهم إلى نسج تحالفات مع قوى حزبية، خاصة أن البعض منهم في الأصل حزبي لكنه تحت ضغط القانون اضطر إلى الدخول في قوائم مستقلّة، وبالتالي عودة الآلية نفسها التي كانت موجودة في البرلمان والحكومة، قد تتكرّر في المجالس البلدية.

هل تجدون بالفعل هذا أمراً محبطاً أم أنه حقيقة تؤول إليه الأمور؟

 

مباركة البراهمي: ما يحدث سيتكرّر طبعاً في المجالس البلدية باعتبار كما ذكرتم أن حتى المستشارين البلديين الموجودين في قوائم مستقلة، القلّة القليلة هم مستقلون ولكن أغلبهم كانوا ينتمون إلى أحزاب وإلى مدارس سياسية، عمد أيضاً العديد من الأحزاب خاصة أحزاب الائتلاف الحاكم باعتبار صراحة حال عزوف الناس وعدم الثقة بالائتلاف الحاكم، عمدوا أيضاً إلى التسلّل بقوائم مستقلّة، وسنرى أن العديد من المستقلّين سيتحالفون مع الائتلاف الحاكم باعتبار أنهم من نفس المدرسة وجاؤوا لنفس الهدف. إذا كان الائتلاف الحاكم فشل في أعلى هرم السلطة، فشل في تسيير شؤون البلاد في الحكومة، وفشل أيضاً فشلاً ذريعاً في البرلمان اليوم أيضاً، واليوم نرى أن العديد من القوانين التي قدّمتها الحكومة يتم إسقاطها عمداً من قِبَل الائتلاف الحاكم، وآخر المشاريع التي جيء بها مشروع إصلاح المنظومة الاجتماعية، مشروع الأمان الاجتماعي الذي تحدّثت عنه الحكومة كثيراً، هذا المشروع أسقطه الائتلاف الحاكم عبر تعمّد غياب نواب الائتلاف الحاكم، لأنه قانون أساسي يتطلّب تصويت 109 نواب، وهم تعمّدوا الغياب من أجل إرباك الحكومة، ومن أجل أيضاً إرباك برامج السيّد الحبيب الصيد لهذا المشروع، الذي كان يضعه من ضمن الإصلاحات الكبرى التي تقدّم بها الحبيب الصيد، ونعلم جميعاً ما يحدث من صراع أجنحة في الائتلاف الحاكم، والذي يعكس صراعاً على السلطة خاصة أن الاستحقاق الانتخابي باقٍ عليه سنة وبضعة أشهر تقريباً، ومستقبل الرئاسة في تونس أيضاً يريدون أن يشرعوا في تحديده من الآن.

 

محمد علوش: طبعاً سنكمل في تداعيات وقراءة في نتائج الانتخابات البلدية في تونس، وأيضاً موقف تونس الرسمي والشعبي من القضية الفلسطينية لا سيما مع المستجدات الأخيرة التي كان آخر أحداثها ارتكاب مجزرة بحق الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال الإسرائيلي، لكن بعد فاصل قصير.

مشاهدينا أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا، وضيفتنا من تونس السيدّة مباركة البراهمي، وهي نائب في مجلس الشعب التونسي عن الجبهة الشعبية.

نتحدّث طبعاً عن نتائج الانتخابات البلدية مؤخراً في تونس، وأيضاً الحراك الدبلوماسي والشعبي التونسي لجهة دعم القضية الفلسطينية.

سيّدة مباركة، طبعاً استكمالاً لما كنّا نتحدّث عنه قبل الفاصل، في ما يتعلق بالمطالب التي رُفِعت في الانتخابات البلدية، كان طبعاً تحقيق مطلب اللا مركزية، التمييز الإيجابي، رفع التهميش المزمن عن الدواخل وتحقيق حد من التوازن التنموي بين الجهات، كانت أهم المطالب التي رفعت والبعض يقول أن سبب العزوف لدى قطاع كبير من الشباب كان بسبب عدم اقتناعه بقدرة الطبقة السياسية الحالية في الحكم والمعارضة على تلبية مثل هذه الأمور.

هل سنشهد وفق هذا الإطار انكفاءً في هذه المعدّلات التي رُفِعت، بهذه المطالب التي رُفِعت؟ بمعنى آخر أن عملية الانتقال من المركزية الإدارية إلى اللا مركزية لن تكون في مرحلة جيّدة في الأيام القادمة؟

 

مباركة البراهمي: أنا أعتقد أنه طالما هناك ارتجال في عمل الحكومة، وطالما هناك غياب الرؤية الواضحة في الأداء الحكومي، وطالما أن الحكومة عاجزة عن إيجاد برنامج عاجل لإنقاذ البلاد، فقط همّ الائتلاف الحاكم هو تثبيت نفسه، وأن يأتي برئيس حكومة ينفّذ أجنداته والتي هي ليست أجندات الائتلاف الحاكم وإنما هي أجندات الدوائر المالية العالمية التي تمنح الدولة وبشروطها، طالما أنه لا يوجد هناك استقرار، وطالما أنه لا توجد هناك فعلاً سياسة جادّة وبرامج جادّة من أجل إنقاذ البلاد ومن أجل إنقاذ المواطن ومن أجل الالتحام بمشاغل المواطن اليومية، طالما أنّ هذه الحكومة تهرب إلى الأمام، والمشاكل اليوم، هي مجرّد حكومة اليوم والطاقم الوزاري اليوم هو مجرّد موظفين لتسيير الأعمال.

رؤية واضحة وأفق واضح وبرامج واضحة غير موجودة، وبالتالي فإن ذلك سينعكس على إدارة وتسيير المجالس الجهوية، ربما سنشهد تغيّراً طفيفاً في علاقة بعض الخدمات البلدية على غرار التنظيف وربما الإنارة والمسائل التي يمكن للمجالس البلدية أن تقدر عليها، قد يقع التقدم بها. ولكن مشاكل الجهات التي تنفذها البلديات ولكن في علاقة بالسلطة المركزية أعتقد أنه لن نتقدّم في ذلك شيئاً باعتبار أن السلطة المركزية لا تملك زمام المبادرة ولا تملك مفاتيح أمورها بيدها. دولتنا نحن تسيَّر من الخارج، والطاقم الحكومي ما هم إلا موظفون لدى دوائر مالية ودوائر سياسية في الخارج، فكيف نستطيع أن ننجز نقلة نوعية كبرى؟ لن تحصل. المشاكل متكدسة ومتراكمة وهي مشاكل خطيرة جداً، الفقر زاد عن حدّه بشكل متقدّم جداً، نسب البطالة رهيبة في تونس، غلاء الأسعار مرتفع جداً، المديونية، تونس تغرق في مديونية مهولة، والحكومة تهرب إلى الأمام، تستدين من أجل الدفع وتسديد بعض الديون.

أصبحت الصناديق الاجتماعية عاجزة، وصلوا لعدم القدرة على سداد أجور الموظفين، ووصلوا إلى درجة أن تقديمات المتقاعدين تتأخّر بشكل لافت، فحكومة بهذا الوضع عاجزة وفي حال شلل تام سينعكس هذا على المجالس الجهوية بالتأكيد.

 

محمد علوش: هذا التكبيل من قبل مؤسسات مالية دولية كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، على الحكومة، وبالتالي تحديد خياراتها السياسية أو أدائها السياسي داخلياً، تقديرك هل يلعب دوراً أيضاً في رسم سياسة الدولة الخارجية، لا سيما أنه كدبلوماسية خارجية الآن للحكومة التونسية في ملفات عربية عديدة، نجد أنه تتراوح ما بين الانكفاء وإما التدخّل المتواضع، وإما أحياناً كما يرى البعض، بأنه موقف لا يكون إيجابياً كما هو مطلوب من الحكومة التونسية أو من الدولة التونسية بشكل عام.

الآن في القضية الفلسطينية على سبيل المثال، كيف تقيّمين أداء الدبلوماسية التونسية؟

 

مباركة البراهمي: طبعاً سيّدي، أنا أكرّر دائماً، ونحن في الجبهة الشعبية نقول إن نقطة الخلاف الرئيسية والتي تجعلنا نكون في خطين متوازيين نحن والائتلاف الحاكم، هي مسألة السيادة الوطنية. هذه هي معركتنا مع الحكومة ومع هذا الائتلاف. إذا ثمة سيادة وطنية وثمة مجموعة في الحُكم تقودها أو تحرّكها السيادة في اتخاذ قراراتها، فطبعاً سنكون في وضع مختلف. هذا طبعاً ينعكس على السياسة الخارجية. في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وما تفرّع عن القضية الفلسطينية لأنه لم تعد القضية الفلسطينية فقط، فالقوى الدولية الكبرى والاستعمار والصهيونية يعملون ويبذلون كل جهدهم من أجل حرف البوصلة عن فلسطين عبر اختلاق معارك أخرى في الوطن العربي على غرار ما حدث في سوريا وفي اليمن وليبيا والعراق وما حدث في تونس أيضاً ومصر وغيرها من الدول. هذا كان الهدف منه حرف الصراع عن القضية المركزية، وهي القضية الفلسطينية.

الموقف التونسي صراحةً، وأقصد الموقف الرسمي، يتّجه شيئاً فشيئاً نحو الصفاقة والوضوح. سابقاً، في عهد المنظومة القديمة كان كل من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة والرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، كان كل واحد منهم يقول قضيتي الشخصية وقضيتي المركزية، رغم أننا كنا نعرف أنهما غير صادقين في هذا، ولكن اليوم أصبح التطبيع على المكشوف. اليوم عندما يقوم مفتي الجمهورية الذي لا يعرفه الشعب التونسي، نحن لا نراه إلا في هلال العيد، اليوم يصرّح ويقول داعياً الشعب التونسي إلى مد أيدي الصداقة والجسور وعُرى وكل هذه المُصطلحات، ويقول أنه يجب أن نتعرّف على بعضنا، هذا أصبح تجاوز التطبيع. نحن في الجبهة الشعبية قدّمنا مشروعاً لتجريم التطبيع، كنا نتصدّى للتطبيع الثقافي والتطبيع الأكاديمي وأن هناك أكاديميين يذهبون من تونس إلى الكيان الصهيوني والعكس بالعكس وهناك تطبيع رياضي، فتبيّن أننا متخلّفون قليلاً، لأنه أصبح التطبيع، تحوّل إلى خيانة بالمكشوف.

تقول لي أن موقف وزارة الخارجية يراوح مكانه أو يتقدّم قليلاً أو يتأخّر قليلاً. موقف وزارة الخارجية ليس بيد السيّد خميس الجهيناوي وزير الخارجية التونسي والسياسة الخارجية لا يحدّدها السيّد الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية ولا وزير خارجيته. سياستنا الخارجية تحدّد خارج حدودنا وعلاقاتنا بالملفات العربية والاقليمية تحدّدها دول الخليج، تحدّدها السعودية وقطر والإمارات وتحدّدها أميركا وفرنسا وإسرائيل. غير ذلك تونس، لا تملك من السياسة الخارجية غير تعيين السفراء، هذا إذا كانت حرّة أيضاً في تعيين السفراء.

 

محمد علوش: سيّدة مباركة، بتقديرك ما الذي كان بإمكان الخارجية التونسية أن تفعله أكثر من ذهاب وزير الخارجية إلى القمّة الإسلامية في إسطنبول والتصريح بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في كل حقوقه ودعمه في المحافل الدولية؟

ما الذي تستطيع تونس في ظلّ الإمكانات المُتاحة لها أن تفعله على الصعيد الدبلوماسي؟

 

مباركة البراهمي: يا سيّدي حضور وزير الخارجية وحتى جميع وزراء الخارجية في لقاء وزراء الخارجية العرب، أو المؤتمر الإسلامي، هو فيلم من الأفلام التي تؤدّيها مؤسسة الجامعة العربية في كل مرة.

نحن لا نطالبهم بتفعيل بعض الاتفاقات التي تأسّست عليها جامعة الدول العربية، كالدفاع المشترك، لأن دولة عربية وجزءاً من الشعب العربي يقع الاعتداء عليه، ويقع اغتصاب أرضه ويقع تشريده من أرضه وتقتيله وتجويعه إلى آخره.

هذا نحن لا نطالب به، ولكن نحن أقلّه طالبنا في تونس بتجريم التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني. هناك العديد من الاتفاقات كانت تجري سرّاً أصبحت تطفو على السطح، وأصبح يتجرّأ عضو من الحكومة، لأن مفتي الجمهورية بمثابة وزير، القضايا العربية هي قضايا متشابكة. ما يحدث في سوريا اليوم، النظام التونسي والخارجية التونسية أجبن من أن تتّخذ به موقفاً، إعادة العلاقات مع سوريا، أجبن من أن يتّخذوا فيها موقفاً. من لم يقدر على اتخاذ موقف إيجابي مما يحدث في سوريا، من هذه الحرب الوسخة التي تجري على سوريا، ومن لم يستطع أن يتّخذ موقفاً إيجابياً مما يحدث في اليمن، شهادة ما يحدث في اليمن هو جريمة وحرب إبادة جماعية ضد الشعب اليمني. هذه لا يقدر عليها السيّد خميس الجهيناوي.

وزراء الخارجية العرب اتفقوا في لقاءات سابقة أدانوا المقاتلين اليمنيين الذين يذودون عن أرضهم والذين دفعوا الضحايا بالآلاف ووقفوا مع الدولة السعودية المعتدية، هذه الأفلام التي يكرّرونها كل مرة، يحصل حدث من هذا النوع. لماذا لم يحصل رد على قرار ترامب في تحويل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس؟ هذه الملفات لا يتجرّأون أن يتّخذوا فيها موقفاً، وخميس الجهيناوي وزير الخارجية التونسي هو فرد من طاقم وزراء الخارجية الذين يأتمرون، وهم مجرّد موظفين لدى الإدارة الأميركية ولدى المخابرات الصهيونية.

 

محمد علوش: طبعاً، من باب الشيء بالشيء يُذكر، وحضرتك كنت تتحدّثين عن الموقف من نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، كموقف عربي، طبعاً شهدنا في الفترة الأخيرة أقلّه هناك عقوبات متجدّدة فُرِضت الآن على إيران، على حزب الله في لبنان. طبعاً هذه العقوبات لم تكن فقط أميركية من وزارة الخزانة الأميركية، أيضاً هناك دول خليجية شاركت في هذا الموضوع، وكان هناك موقف عربي أيضاً من وزراء خارجية جامعة الدول العربية في فترة لاحقة تجاه حزب الله.

الموقف التونسي كيف تقيّمين دوره في ما يتعلق بموضوع العقوبات المستجدة حديثاً سواء كان على حزب الله أو على إيران؟

 

مباركة البراهمي: تونس الحقيقة سياسياً وسياستها الخارجية هي دولة ضعيفة، لا تستطيع أن تكون في موقف مختلف، هي دائماً تسير في جوقة النظام الرسمي العربي وتسير في جوقة المنظومة الأميركية، وتونس نفسها لا تعرف عن نفسها أنها في حلف، قالوا لها أنت في الحلف السعودي الإسرائيلي، هذا الحلف المعتدي على اليمن، قالت أنا نعم معكم، قالوا لها أنت في الحلف التركي القطري الذي قاتل الشعب السوري، قالت نعم. هي تونس أيضاً لا تتحسّس طريقها ويبدو إنها غير معنية بهذه الملفات.

بالنسبة لتصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً، هذا لا يحدث لأول مرة، وأعتقد أنه لم يعد يثير لا المقاومة ولا أحرار هذه الأمّة، لأنه كلما تقدّمت المقاومة خطوات إلى الأمام، كلما تقدّمت على الميدان، تكثر هذه التصنيفات أنها تنظيمات إرهابية.

اليوم بالنسبة للنظام الرسمي العربي، حزب الله تنظيم إرهابي، سوريا دولة إرهابية، إيران دولة مموّلة للإرهاب، وروسيا أيضاً، وربما موازين القوى لا تسمح بأن يقولوا أن روسيا دولة إرهابية، أي كلّ مَن تمترس في الخط الذي قال لا لأميركا ولا لدولة العصابات الصهيونية ولا لهذا التخاذل والتآمر العربي صنّفوه إرهابياً، إذا كان هذا الإرهاب فنعم الإرهاب الذي نسير عليه هذا الخط، خط المقاومة.

 

محمد علوش: كنا نسأل طبعاً عن التوجّه الدبلوماسي أو الموقف الحكومي في تونس بشكل عام، موقف السياسات الخارجية، أداء الدبلوماسية التونسية في الخارج، لا سيما في القضايا العربية وقضايا المنطقة، ماذا عن الموقف الشعبي التونسي؟ كيف تم تأطيره؟ وهل استطاعت الأحزاب أن تؤطّر هذه العاطفة لدى الشعب التونسي، أقلّه مثلاً في ما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية؟

قبل أن أسمع منك الإجابة سيّدة مباركة، نذهب إلى مقتطف من موقع الميادين نت، هناك مقالة للأستاذ فيصل جلول يتحدّث فيها عن مواقف الشعوب والحكومات العربية تجاه ما حصل في فلسطين. نشاهد معاً.

 

الميادين نت: "وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟... تعالوا نبحث عنها وعنه" لفيصل جلول.

عندما تصرخ امرأة فلسطينية في قطاع غزّة المُحاصَر، "وين العرب وين؟ وين الملايين؟" يبدو سؤالها اتهامياً ولا يضمر البحث عن إجابة. ومع ذلك يستحق سؤال تلك السيّدة المفجوعة عن ملايين العرب إجابة تفصيلية.

ملايين ليبيا يا سيّدتي حشرهم الربيع العربي في أقاليم ما قبل الجماهيرية.

ملايين الجزائر عبّرت عن نفسها في استاد كرة القدم، فأشعلت إسم غزّة وسط ظلامٍ طارئٍ بواسطة الهواتف النقّالة.

وملايين تونس يخشى رُعاتها من الدفع بها إلى الشارع فيتأثر اقتصاد البلاد المُتهالك جرّاء ارتباطه الخدماتي بالسوق الأوروبية.

أما ملايين مصر فقد مرّ عليها الربيع العربي وحشرها في صراعٍ بين سلطة انتقالية لا تنتقل والإخوان المسلمين المخلوعين من الحُكم.

وملايني السودان في عهدة البشير الذي تخلّى عن جنوب البلاد من دون أن يضمن بقاء دارفور فيها ومن دون أن يضمن بقاء سلطته.

وملايين السعودية والإمارات والبحرين في عهدة وليّ الأمر الذي قرّر تدمير اليمن وإعادته إلى القرون الوسطى والعمل في فلسطين وفق ضرورات الحماية الأميركيّة.

أما ملايين الأردن، فهي موزّعة بين العرش الهاشمي الذي جمع خبرةً لا يُستهان بها في فن البقاء وسط قوى متطاحنة، وضمن الحماية الغربيّة لنفسه عبر اتفاقية وادي عربة، وبين الإخوان المسلمين الذين فضّلوا العمل في سوريا مع جبهة النصرة.

 

محمد علوش: سيّدة مباركة، بالنسبة للشعب التونسي تقديرك إلى أي حد كان أداؤه أو استطاع الخروج أو تمكّنت الأحزاب من إخراجه بشكلٍ مؤطّر دعماً للقضية الفلسطينية في الفترة الأخيرة؟

 

مباركة البراهمي: للأسف أداء الشارع كان ضعيفاً في تونس، وهنا أنا أحمّل الطرفين المسؤولية، أولاً السلطة التي بأدائها السيّىء جعلت الناس تكره العمل السياسي وتهرب من العمل مع الأحزاب، وثانياً النُخب السياسية التقدمية الحقيقة لم تلعب الدور الذي يجب، والشارع التونسي دوره يتراجع عاماً بعد آخر، يتدحرج سنة عن أخرى، التعاطي مع الملف الفلسطيني السنة الفارِطة كان أفضل من هذه السنة، والسنة التي قبلها كان أفضل من السنة الفارِطة.

كانت هناك قضايا عندما نتحدّث عن فلسطين، وعندما ينزل الشارع في فلسطين، كان الشارع ينزل، وكانت القوى السياسية تتمكّن من أن تجنّد شبابها وتجنّد الشعب التونسي من أجل ذلك. اليوم وصل بالمواطن التونسي وبالشباب التونسي تحديداً إلى حد أنه أصابته حال من الإحباط واليأس إلى درجة أنه لم يعد الشباب ينزل من أجل فلسطين.

في المرة السابقة، ببداية هذا الأسبوع، تقريباً يوم الثلاثاء، نظّمنا وقفة احتجاجية، الائتلاف المدني من أجل فلسطين، وقفة أمام السفارة الأميركية، كانت الحقيقة وقفة ليست بالحجم المطلوب، وكانت وقفة محتشمة، وما هذه تونس، وما هذه نُخَب تونس، الشعارات الكبرى التي رفعها الشعب التونسي لمّا كان الدم للرّكب في مواجهة الاستبداد أثناء الثورة، ويوم 17 كانون الأول (ديسمبر) تحديداً، كانت الشعارات المركزية لقضية فلسطين، كانت شعارات تدعو لتحرير فلسطين وتجريم التطبيع مع دولة العصابات الصهيونية. اليوم الشعب التونسي يئس من كل شيء، يئس حتى من أن تتحسّن أوضاعه الداخلية وبثّوا فيه روح اليأس هذه. هذا الائتلاف الحاكم أصبح يروّج إلى أننا نغرق في مشاكل واقتصادنا متدهور ووضعنا سيّىء، فماذا يفيد الخروج من أجل فلسطين؟

هذا أعتقد أنه دور النُخَب، اليوم مساءً أمام المسرح البلدي في العاصمة، جمعية النساء الديمقراطيات، هذه الجمعية المناضلة العتيدة تنظم أيضاً وقفة أمام المسرح البلدي مساندة للشعب الفلسطيني، والحقيقة ما هذه تونس التي نعرفها، كانت تخرج بالآلاف في تظاهرات في فترة ليس بعيدة، وكانت هي منذ فترة ليست بعيدة لمّا الجامعة العربية أصدرت بياناً حول إدانة حزب الله واعتباره تنظيماً إرهابياً وشاركت وزارة الخارجية بهذا البيان، أسقطناه يومها، وخرج الشارع التونسي في يومها في تحدٍ كبير لمنظومة الحكم وارتفعت رايات المقاومة في شوارع تونس الرئيسية، وسقط هذا الموقف وانسحبت تونس من هذا البيان بعد ضغط الشارع. اليوم ماذا يحدث للشارع التونسي؟

 

محمد علوش: هل معقول أن يتغيّر مزاج الشعب التونسي بين ليلةٍ وضحاها؟ حضرتك ألقيتِ باللّوم على الأداء السياسي سواء كان للحكومة أو للأحزاب المعارضة، لكن هذا الأداء السياسي مضى عليه من العام 2011 إلى اليوم، كان هناك حراك شعبي تونسي، فعّال، شبابي، ناضج، يرفع شعارات، مُتقدّم على سائر الشعوب العربية.

اين أصبح في هذه اللحظة؟ هل ممكن بين ليلة وضحاها أن تتلاشى كل هذه الشعارات التي كان يحملها والمبادئ التي كان يرفعها؟

 

مباركة البراهمي: لا تتلاشى، لا يمكن أن تتلاشى، ولا يمكن لفلسطين أن تخرج عن ضمير التونسيين، ولا يمكن للقضايا العربية وقضايا التحرّر العالمي أن تخرج عن ضمائر التونسيين. الشعب التونسي والشارع التونسي نزل إلى الشوارع منذ عقود، وتونس سيّرت قوافل شهداء على درب تحرير فلسطين، والتوانسة سُفِكت دماؤهم في فلسطين وفي لبنان، وحيثما كانت حرب عدوانية ضد الأمّة العربية وُجِد هناك شهداء توانسة.

اليوم على النُخَب السياسية أن تتدارك أمرها، وأن هذه فضيحة أعتبرها بالنسبة للشارع التونسي، أنه يحدث ما يحدث اليوم في فلسطين المحتلة، وهذا الحجم الكبير من الشهداء ومن التضحيات ومن العدوان ومن الغطرسة الأميركية ومن تآمر وخيانة النظام الرسمي العربي على المكشوف، أدعو أنا من هذا المنبر ومن قناة الميادين، أدعو النُخَب السياسية إلى أن تتحمّل مسؤولياتها، وأدعو قوى المجتمع المدني أن تنزل وبكلّ قوّة وبكلّ فعالية انتصاراً لأكبر قضية إنسانية، ولأطول احتلال، بل ضد أطول احتلال عرفته دولة عربية أو حتى دولة في العالم في التاريخ العربيّ الحديث.

هذه أعتبرها أنا فضيحة لتونس، وما هذه تونس، وما هذا الشعب التونسي، ويجب أن تعود البوصلة إلى الشارع التونسي في أقرب وقت. هذا لن يحدث إلا عندما تتحمّل النُخَب السياسية والثقافية والأكاديمية مسؤولياتها. موجة التطبيع تقوى أيها التونسيون، والنظام اليوم أصبحت أوراقه على المكشوف، سواء النظام التونسي أو النظام الرسمي العربي، هم يتحرّكون اليوم بلا خجل، علينا نحن أيضاً أن نتحرّك من دون حسابات ومن دون تخاذل، وأن نكون أوفياء لدماء الشهداء سواء التوانسة الذين سقطوا على درب فلسطين، أو كل الشهداء العرب الذين ارتقوا في هذا الطريق النبيل.

 

محمد علوش: طبعاً تلك الحال التي توصفينها سيّدة مباركة بالنسبة للشعب التونسي مع القضية الفلسطينية حالياً، هل هو ظرفٌ عابر أم أنها مرحلة للانكفاء نحو الملفات الداخلية، وبالتالي تقوقع تونس شعباً وحكومةً تجاه الملفات الداخلية الضاغطة اقتصادياً واجتماعياً؟

 

مباركة البراهمي: الحكومة، نحن لا نطمع أن تنزل الحكومة مسيرات مساندة للشعب الفلسطيني، والحكومة الذي فيها يكفيها. وأعتقد أنه إذا كان قلب الحكومة على الشعب الفلسطيني، بيننا وبينهم قانون لتجريم التطبيع. نقطة انتهى.

أنا أدعو الشعب التونسي وأدعو النخب التونسية أن تعود، أن ترجع، البوصلة يجب أن تعود، وقع انحراف قليل في مسيرة التوانسة وفي أداء القيادات والنخب السياسية والنخب الثقافية وقوى المجتمع المدني، نظراً لحجم المشاكل الداخلية التي انغمسوا بها، ولكن أعتقد أنه علينا أن نعود، هم حفروا جباً لوأد القضية الفلسطينية. النظام الرسمي يريد أن يئد القضية الفلسطينية في تونس، ولكن القضية الفلسطينية وكل القضايا الإنسانية حيّة في ضمير التوانسة، ويجب أن ننتبه إلى هذه المؤامرة التي تحاك من هنا ضد القضية الفلسطينية وضد تعاطي وتعاطف الشعب التونسي مع هذه القضية.

أنا أعتبرها مسألة وقتية، وستعود الأمور ربما أفضل ممّا كانت عليه، وسيعود الشارع التونسي أقوى مما كان عليه، لأنّه شارع كان يخرج بعشرات الآلاف منذ أشهر ومنذ سنوات قليلة جداً، اليوم ينكفئ على نفسه لهذه الدرجة، مسألة نحن لا يمكن أن نقبلها، ولن نقف عند هذا المستوى بل من الضروري أن يعود ويتحرّك الشارع من جديد.

 

محمد علوش: شكراً جزيلاً لكِ النائب في مجلس نواب الشعب التونسي عن الجبهة الشعبية السيّدة مباركة البراهمي. شكراً لحضورك معنا.

كما نشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.