كورونيات

صديقي. أراك في العالم الآخر. حتى ذلك الوقت، أتمنّى أن تعيش سعيداً وتعمّر كثيراً.

  • كورونيات
    كورونيات

تتصلّب يداه فوق لوح الكتابة. لا يستطيع التنفّس بعمق. يبحث بعينيه عن قارورة الماء الصغيرة. يجد صعوبة أيضاً في النهوض من الفراش.  كانت هنا، ربما أخذها إلى المطبخ أول من أمس.

- أنت مستلق هنا مثل جثة هامدة منذ يومين كاملين، لم تأكل ولم تشرب ولم تذهب حتى إلى الحمام!

- وهل ترى أن رجلاً بقي من عمره يومان أو ثلاثة بحاجة إلى الأكل والشراب؟

- وماذا تحتاج؟

- رؤية وجه أمّي

صرف النظر عن قارورة الماء التي اختفت فجأة. الغرفة مليئة بالأكياس الفارغة والمُمتلئة. كتبه التي اصفرّت ولم يهدها لأحد لأنه ما من أحد حوله. الأبحاث التي قدّم نسخاً منها إلى الوزارة ولم تُنشر مكدّسة فوق بعضها. اقتنع بفكرة أخيرة وهي أنه حتى الأوراق البحثية المكتوبة، قمامة يجب إعادة تدويرها في زمن إعادة التدوير والرقمنة!

يجد نفسه غير قادر أيضاً على الكتابة على الجهاز المحمول الذي أهداه له صديق مغترب في المجر. يحاول منذ عام تخطّي هذا الحاجز، خاصة وأن الأطباء منعوه من الجلوس طويلاً على المكتب. كانت فكرة اللابتوب أسهل بحيث يستلقي على الفراش ويكتب. لكن هذه الطريقة لم تناسبه حتى اليوم. علاقته مع أشيائه "مقدّسة". القِطَع الأثرية والقلم والورق، يشتهيها كامرأة عشقها في زمن ما ورحلت لا لسبب إلا أنه يعيش في "الوَهم" كما قالت له، واليوم ها هو يواجه "الوَهم" مع هذا العالم الذي يصبح شبه حقيقي بنقرة واحدة!

تذكّر حبيبته وكل الأصدقاء الذين خذلوه وتركوه وحيداً للعزلة والمرض والحرب. فجأة تحجّرت الدموع داخل المغارتين الغائِرتين في الندم. الندم على كل ما فعله وما لم يفعله، وعلى الخيبة والفقدان!

- لم أكن أعرف أن الوقت مهم بالنسبة إليك؟ 

- أنت جزء من هَدْر الوقت، وماذا فعلت حتى توقفه؟

- دعني أكتب!

- ولكنك لا تكتب!

يسمع صوت الجار العائد إلى بيته. بعد لحظات سوف يشغل التلفزيون على تلك القناة التافهة.

لن يغطّي رأسه بالوسادة وسوف يصمّ أذنيه عن سماع الضجيج وسيواصل معركته مع الكتابة على هذه الآلة!

- هذه ليست آلة، إنها لابتوب! 

- سينقطع التيار الكهربائي بعد قليل، وسيخرج إلى الشرفة ليتحدّث مع حبيبته المجهولة عن علاقاته السابقة وبطولاته العاطفية!

- لديّ حَدس أن هذا الجار يستفزّك بالحديث مع حبيبته بصوتٍ عالٍ لأنه يعلم أنك وحيد!

 لا يعلّق على الموضوع، يغلق جهازه المحمول، ويلتفّ بالبطانية برغم الطقس الحار ويدخل في غيبوبة الذكريات. يتذكّر المتاحف والمناطق الأثرية والحفريات وجميع الباحثين الأجانب الذين التقى بهم وتعاونه معهم. تذكّر كل الأبحاث التي قام بها. كان سعيداً بتلك العلاقة التي تعيده إلى الاكتشافات والإنجازات ونمط الحياة الأول.

 لم يكن الأولون ديمقراطيين ولا مستبدين، بل كانوا يسعون إلى إنتاج حضارات نموذجية. حاولوا بشتّى الطرق اكتشاف الطبيعة، لكنهم حافظوا على جمالية تناقضها، لم يدّنسوها، عشقوا صمتها وجمالها وكآبتها وجنونها وغموضها، تصرّفت على طبيعتها فألّهوها، أما اليوم فالمجنون والغامض هو الإنسان الذي يسير نحو الانتحار البطيء بمُعاداتها. 

ربما لست الوحيد الذي يشعر أنه شخصية من شخصيات تولستوي في رواية "الحرب والسلم" التي تتحرّك وفقاً لأهوائه، وهو نفسه الذي اعتبر التاريخ مصدر السعادة والتعاسة وأن الحياة ليست ملكاً لنا! 

هل لهذا السبب تطوّرت البشرية في المجالات التقنية وتراجعت في المجالات الأخرى؟ هل لأن العالم يفرض علينا تاريخاً معيناً تغيب فيه الإنجازات والتوازنات ويغلب عليه الانفتاح الرقمي المسموم والاستهلاك؟ هل السبب في عدم إيجاد لقاح لفيروس "كورونا" اللعين هو العولَمة أو الرَقمنة التي يجب أن يتشارك فيها العالم حتى الوباء الذي يرميه كل بلد على آخر ككرة سلّة، إنما الهدف ليس السلّة بل اليد التي ستنتقل إليها العدوى؟

ربما السبب في انتشار الفيروس هو تغييب القوانين الأخلاقية، مثلما يقول تولستوي؟

- أوه.. تولستوي من جديد.

- نعم تولتسوي.. هل تعلم أننا توقّفنا عن تقبّل الآخر، عندما توقّفنا عن القراءة! 

- هل تقصد أنا؟

- لا.. أنا هو أنت، الشخص الذي يراه الناس، الذي يشبه معظمهم، ماديون وأنانيون ومهووسون وقلقون ومتأفّفون، أنا شخص آخر لم يعد يتحمّل العالم رؤيته، يرونني شخصاً سادياً منغلقاً ومتعجرفاً، مثلما يعتقد ذلك الجار المزعج! 

- لن أدخل في هذا النقاش البيزنطي، لنعد إلى صديقك السوفياتي!

- حسناً.. هو اعتبر أن القوانين الأخلاقية تثأر لنفسها، وأعتقد أن هذا الفيروس، سيدفع بالقوانين الأخلاقية للثأر لنفسها، لقد اكتشفنا جميعاً حجم أنانية الغرب.

- هل تعتقد مثل كل السُذّج أن الولايات المتحدة هي المتحكّمة بالعالم!

- أتقصد الثلاثمئة شخصية التي تتحكّم بالقرار الأميركي!

- نعم

- لا يهم مَن يتحكّم، المهم مَن سيحكم العالم بعد ثورة أعتقد أنها ستكون ناعمة لإعادة هيكلة عالم أكثر أخلاقاً.

- مهلاً.. لم أكن أعلم أنك من جموع مَن يؤمنون بـ"نظرية المؤامرة"!

- وهل ترى أن مقتل ملايين الأشخاص بالأسلحة الكيمائية والبيولوجية، غوغائية! وهل تعتقد أن عدم توقيع "إسرائيل" على "اتفاقية جنيف" التي تمنع اللجوء إلى الأسلحة البكتريولوجية في الحروب، قضية لا يجب التوقّف عندها! 

***

لم أتنبّأ بموعد موتي على غرار الكثير من المبدعين برغم يقيني بنهاية صامتة، لكنني كنت أتخيّل نفسي وقد ارتديت بيجاما لونها رمادي، وليس عندي بيجاما أصلاً، ثم أستلقي على فراشي الأبيض، وللمُفارقة ليس لديّ شرشف أبيض أيضاً، وبعد يومين، ستدقّ سكرتيرتي السابقة صاحبة النظارة السميكة الباب عدّة مرات، ثم تتّصل بالشرطة فيجدون جثتي مُتعفّنة!

- سيصيحون ويصرخون، ولكنني لن أهتم.

- مَن؟!

- لا أحد، لكنني تخيّلت هذا المنظر.

- وأقرباؤك وأصدقاؤك؟

- أعتقد أنهم سيكونون مشغولين بالخوف على أنفسهم من الإصابة، رغم أنني لم أزر أحداً منهم! 

- أنت قاطعت الجميع منذ عشرات السنوات، وليس بسبب الفيروس على ما أعتقد!

- أتعرف أيها "الأنا الآخر"، أنني تمنّيت أن تصاب بإحدى خلايا هذا الفيروس اللعين أو بخلايا السرطان التي اجتاحت جسدي ولم تقترب منك ولا أعلم لماذا؟

- ربما يعاقبك الله على أفكارك المتطرّفة! 

- كفاك ازعاجاً.

- ولكنني..

- اصمت

- سأصمت وسأتركك، تُثرثر عن أحلامك بالموت!

- زرت قبري، لم يكن هناك سوى ابنتي وأرملتي، نعم أرملتي التي انفصلت عنها ولم تطلب الطلاق، غريب كيف تنتهي العلاقات الزوجية، خيط رفيع يقطع كل ما كان بين إثنين، بعكس العلاقة بين الآباء والأبناء، لا الموت ولا الغربة ولا الزواج الثاني ولا حتى العاشر ينهيها!

تراني إبنتي في حلمها ويقظتها، ألهمتها كثيراً في حياتي وحتى بعد مماتي. ساندتها كثيراً، تنتظرني كل ليلة، نتحدّث في أشياء كثيرة في الحلم وأشعر بسعادتها وهي تنهض باكراً لتروي لأمّها عن لقائنا وتعيد وتكرّر نفس الحلم حتى تغفو من جديد بانتظار ظهور آخر لي!

- ولكن زوجتك وابنتك في ألمانيا منذ عامين، ولا أعتقد أنهما ستعودان فقط لتقبّل العزاء فيك أو وضع زهور على قبرك! 

- اصمت!

- لا تبك

- لن أبكي، لقد تجاوزت هذه المرحلة منذ عام تقريباً!

- أريد أن أحدّثك عن نفسي قليلاً؟

- وهل تعتقد أنني لا أعرفها!

- أريد الحديث عن نفسي بصوتٍ عالٍ، هل يمكنني؟

- تحدّث وهل هناك ما يمنعك؟

- هل تعتقد أن شخصاً عمره الحقيقي 150,000 عام وربما أكثر، يمكنه الخوف من الفيروس اللعين حتى وإن فكرت قبل التعافي بالموت بسببه وليس بالسرطان. ما يخيفني أكثر هو تلك الفيروسات التي يدعونها "ثقافة" والتي تفوق سرعة انتشارها سرعة الفيروسات والخلايا السرطانية، ولكن الوزارات والمنظمات لم تتّخذ إجراءات احترازية بشأنها ولم يصدر بيان واحد بوقف شركات الإنتاج ودور النشر والسينما، ولم يخضع مريدوها للحَجْر الذاتي!

- أنت دكتور في عِلم الآثار أم عالم اجتماع أو محلّل سياسي؟

- مَن خرَّب الآثار هو مَن يُخرِّب العالم اليوم بهذا الفيروس!

- تقصد أميركا، هي اليوم مُصابة أيضاً بـ"كورونا"!

- إنها حرب وليست معركة ضد فيروس. وصنَّاع الحروب لا يكترثون للخسائر البشرية بل بالخسائر المالية. إنها تجارة، هل تعرف ذلك؟

- أنا لا أعرف سوى ما تقنعني به، وتعهّدت أمام نفسي، أقصد نفسك، بالصمت!

- هنا مربط الفرس!

- لم أفهم؟

- جميع الشعوب اقتنعت بأن الغرب هو مَن يمتلك الحقيقة، ولذلك صمتت!

- وكأنك تُفسِّر الماء بالماء؟

- الكثير من الأصوات صرخت عالياً في أوروبا وسُمِعَ صوتها هنا، هناك كذبة كبيرة اسمها "الدول المتقدّمة" وقد اكتشفنا ذلك معهم، بسبب "كورونا". 

- لم أفهم؟!

- هناك أسرار عن هزائم القوى الغربية المتتالية داخلياً وخارجياً وعلى مستويات عدّة، وهذا الفيروس نزع عنهم تيجان الكذب!

- توقّف عن هذه التفاهات واكتب ولو كلمات بسيطة، تعزّي فيها صديقك، الذي ليس لك غيره في هذه الحياة!

- لست بحاجة إلى تذكيري بذلك، لقد تعافيت من الفيروس، ولكن الفيروس الأكبر برأسي!

***

صديقي العزيز تحية من قلبٍ حيّ وجسدٍ فان

 أنت آخر شخص أحدِّثه بعد مماتي، لا تلمني على عدم الاتصال بك، ولكن كان عليك لومي على ستة وثلاثين عاماً وأنا انتظر امرأة لن تعود! لم تتأهّب للاطمئنان عليّ مثل قادة العالم الذين لم يتأهّبوا للأخطار التي تُحدِق بكوكب الأرض، من أمراض وتلوّث وحروب واعتداءات وكوارث ... حتى جاء فيروس "كورونا"!

العالم خائف مما يُسمَّى بالفيروس "المُستجد" رغم أن حدسي يؤكّد لي أنه حرب "مُستجدّة"، المفارقة المُضحِكة، ورغم موت الآلاف به، أن كل الأمراض المُزمِنة وحوادث السير والحروب التي تغزو العالم، لم تُثِر ذعر وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والمحلّلين والمفبركين. أعتقد أن الرأسمالية بحاجة إلى المال وإعادة ضَبْط آلية حساباتها، لم يجدوا العلاجات لجميع الأمراض لأن المُسكّنات والعلاجات الكيماوية تدرّ ربحاً أكبر والحروب مُربِحة، و"كورونا" سلاح جديد، ربما سيظهر  فيروس آخر بعد سنوات أو ربما بعد أشهر. إنها الفوضى لتركيبة جديدة، لا نعلمها، لذلك لا ترتعب، سأموت بالسرطان وقد تغلّبت على "انفلونزا" إسمها "كوفيد 19" بالمكوث في البيت وشرب الكثير من الماء وتناول الفواكه. شفيت لوحدي من دون دواء.. هل تتخيّل! 

سأموت بعد أيام وحيداً، هذه السنة مرت ببطء، لم يأت أحد لزيارتي، أحنّ إلى أمّي كثيراً ولا أتمنّى في هذه اللحظات إلا أن أضع رأسي على صدرها وألفّ يداي على خصرها لأنام إلى الأبد. لست خائفاً من المجهول، فلا أعتقد أن الله سيُعاقبني في الآخرة، فقد عشت يائساً بائساً، عليلاً ملولاً، ساخطاً عنيداً، جاحداً حاقداً، فقيراً مظلوماً، وحيداً قانتاً والجميع من دون استثناء تخلّوا عني!

صديقي. أراك في العالم الآخر. حتى ذلك الوقت، أتمنّى أن تعيش سعيداً وتعمّر كثيراً.

انتبه إلى صحّتك ولا تخف من "كورونا"، فكورونيّات العالم أبشع بكثير من هذا الفيروس.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سلوى ونوس

صحافية جزائرية سورية