المشرق العربي بحضارته الانسانية ضمير البشرية ومنقذها

في هذا العالم المتهاوي في وحشية الانتفاخ المالي، والمهدد بمخاطر الفناء، يمكن للمشرق العربي أن يطل مجدداً، بقيمه، وشرائعه، وقوانينه الانسانية ليمتص وحشية الطامعين بالأرض، الرافضين لسواهم مشاركتهم في المصير.

  • المشرق العربي بحضارته الانسانية ضمير البشرية ومنقذها
    المشرق العربي بحضارته الانسانية ضمير البشرية ومنقذها

إلى مشرقنا العربي نعود، وتعود الانسانية لتلقى ما يحفظها، فتستمر في الوقت الذي تتهددها فيه الأطماع الكبيرة بالفناء. 

إلى مشرقنا العربي نعود حيث ظهرت أم الشرائع التي كان الانسان في صدارة اهتمامها، من أكاديا وسومر وبابل إلى فينيقيا، ومن دمشق إلى بغداد، في مراحل تاريخية وصيغ اهتمام مختلفة، لكن مياه الينابيع المتعددة تصب في النهر عينه.

لم تكن صدفة تاريخية أن يكون المشرق العربي أب الشرائع، والحضارات الانسانية. فهنا الجمال يفرضه تغلب النور والإشعاع على الظلام، وانتشار أشعة الشمس في فترات طويلة من العام، في مناخ الاعتدال، والراحة، وفي أرض خصبة مشبعة بالمياه، من دجلة والفرات إلى نهر الاردن، وبردى، وأنهار لبنان الأربعة عشر.

كأنك في رسم للجنان، رمزيتها جنائن بابل المعلقة، فيها خرج إنسان الهدوء والسكينة، لا إنسان العصبية والتوتر والجنون. هكذا كان المشرق هدفاً للغزاة ولم يغز. أعتدي عليه ولم يعتدِ. فيه ظهرت قيم التسامح، والحب، والألفة، وقبول الآخر، فبقي حياً مستمراً في تنوعه، تختلط فيه كل الأصناف والأنواع والعقائد، يحترم كل منها الآخر، ولا يلغيه، فإذا نحن أمام فسيفساء انسان متنوع الرؤى والثقافة والعقائد، وكل واحد مزيج من الآخرين، والكل مندمجون في صيغة سمحاء من التعايش.

في المشرق العربي، وعلى مدى آلاف السنين، ولدت أم الشرائع التي اختبرت الصالح من الطالح، والمفيد للإنسان من الضار، ومنه خرجت قيم النظافة، والتطهر لمجابهة الأمراض والموت، وفيه تحدد ما يؤكل وما لا يؤكل، بينما كان العالم بمختلف اتجاهاته يعيش ظلامه مقارنة مع أنوار الشرق. 

كان مشرقنا على الدوام في حالة استرخاء، وارتياح في صراعه مع الطبيعة التي لم تكن فظة، فهي ليست كالتجلد الأوروبي والشمال أميركي، القارس، حيث مدن الضباب، والصقيع، والأمراض، ولا في حر الاستواء الحارق، فكان إنسانه تواقاً للحياة. لم يشعر بتحدي الاستمرار والبقاء، إلا بمواجهة الأطماع الخارجية، لكنه كان متصالحاً مع طبيعته، مما وهبه القدرة على التفكر بما يطور به حياته ويصلحها، فكانت الشرائع المتطورة مع تقدم مراحل التاريخ.

هذا المشرق العربي هو قلب العالم الحي، المُشرق، البهي، فإذا فتحنا الخارطة وجدناه منتصفاً له، فهو ركيزته، كالشمس، وما تبقى أصداء إشعاعاته، وكلما ابتعدت، ضعفت ووهنت حتى التلاشي. 

منه يعبر العالم من شرقه إلى غربه، ومن غربه إلى شرقه، ولا مفر من عبوره وصولاً إلى الآخر. وليس من مهرب لكل أصناف البشر من وقائعهم المذهلة، وصعوبات حياتهم، إلا بالوفود إليه للارتياح، والتنفس، قبل الاختناق في متاهاتهم، ولجج ظلامهم. 

لذلك، كان مطمع كل الشعوب من شرقها إلى غربها، فغزته، وشنت عليه الحروب، وسيطرت عليه لحقب طويلة، وهو متسامح، باسم، يغويها بابتسامته في خلفية نزعته التسامحية، وحب الانسانية.

وللمتعبين في الأرض، يمكن للمشرق العربي أن يردد: "تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين بالأحمال وأنا أريحكم". فقد حملنا كل غزوات التاريخ. هم رحلوا ونحن بقينا، ونستمر. 

وللمنتظرين فقدان الأحبة، وللمتعبين من ذواتهم، ومن أبنائهم، وأهاليهم، يريدون رحيلهم ليرتاحوا، يقول لهم: "وبالوالدين إحسانا.. إما يبلغن عندك الكبر أحدهما او كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا".

وللمنتقمين حقداً وحسداً وغيرة، تعالوا، اضربونا على خدنا الأيمن، نُدِر لكم الأيسر، ولمن يريد المحاسبة نقول له مع الإمام الشافعي: تعال نتسامح، فإذا اخطأتُ بحقك تسامحني، وإذا أخطأتَ بحقي أسامحك"، لعل ذلك يخفف تشجنكم، وحشرجتكم، وكرهكم للبشرية. 

هنا، في مشرقنا، خرجت شرائع التسامح. هنا فقط يمكن للبشرية أن تردد مع المسيحية: "من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له الأيسر، ومن سخرك ميلا فامشِ معه ميلين".

وهنا فقط، ومن دون أي عقيدة أو شريعة أخرى في العالم، يمكنكم أن ترددوا مع الإسلام: "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين".

حضارات مرت من هنا، وزالت، واستمر الشرق بما يحتويه، ويكتنزه من قيم المحبة، والتسامح، واثق من البقاء، والوافدون راحلون.

في المشرق العربي، وعلى أعتاب "كورونا"، والعالم مهدد بمصيره، حروباً متدحرجة لا نعرف أين يمكن أن تصلنا، في ظل رعب الحروب السابقة، وختام أهوالها قنبلتا هيروشيما وناغازاكي، انطلق منهما الامبريالي الأميركي ليسيطر على العالم، يخشى بوحشيته أنه لن يتردد في ممارسة متكررة حفاظاً على بقائه، ولو هدد البشرية جمعاء بالفناء. 

في هذا العالم المتهاوي في وحشية الانتفاخ المالي، والمهدد بمخاطر الفناء، يمكن للمشرق العربي أن يطل مجدداً، بقيمه، وشرائعه، وقوانينه الانسانية ليمتص وحشية الطامعين بالأرض، الرافضين لسواهم مشاركتهم في المصير.

هنا، في المشرق العربي، تعالوا للقاء، والهدوء، والصبر، وراحة البال، لعل البعض يكتسب شيئاً من الحب والتسامح، فيجنّب البشرية خطر التلاشي.     

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت