فقه الابتلاء: عقوبة ربّانية أم فرص وتحدّيات؟

هذا الابتلاء الذي وسّع البشرية فيه فرصة كبيرة لنهوض المُستضعَفين وهم يرون ذاك المُستكبِر يئنّ من وطأة الفيروس، فرصة كبيرة لمواجهة التحديات والاعتماد على النفس والتحرّر من أية تبعية وأن تترك البكائيات وتنهض من سباتها العميق. 

  • فقه الابتلاء: عقوبة ربّانية أم فرص وتحدّيات؟
    فقه الابتلاء: عقوبة ربّانية أم فرص وتحدّيات؟

ابدأ بهذه القصة حيث توفّرت لمُهندسَين قبل 40 عاماً فرصة عمل ذهبية في الولايات المتحدة. ابتلي أحدهما بالمنع من السفر حيث أعادته سلطات الاحتلال. 

والآن سأعطي الحديث لصاحب الفرصة الأميركية حيث فتحت له أبواب الرزق هناك وبدا أنه كان صاحب الحظ الأوفر. 

يقول حفظه الله وقد بلغ من العُمر عتيّاً وعاد حاملاً أعظم أمنية وهي أن يُدفَن في بلده ويحوي عظامه ثرى هذا الوطن العزيز.

"كنت في البداية حزيناً على صاحبي الذي ابتُلي هذا الابتلاء القاسي وحُرِم من فرصةٍ لجَمْعِ ثروة كبيرة من المال. بعثت له رسالة عزاء ورثاء ومواساة على هذا المصاب الجَلَل. عاد مسكيناً محروماً إلى حياته الأكاديمية في الجامعة التي كنا نعمل بها، بينما أنا ذهبت إلى بلاد الثراء والغِنى الفاحِش. اشتغلت مُهندساً في شركة "بوينغ لصناعة الطائرات" حيث يعمل فيها قرابة 5 آلاف مهندس كنت بينهم. بداية الطريق كانت شيّقة ومُمتِعة وتُشْعِر صاحبها بالفخر والاعتزاز لأنه ينتمي إلى هذه الشركة العملاقة، فكانت تنتابني مشاعر الزهوّ    والسموّ لذاتي والحزن والكَمَد لما أصاب صاحبي.

بعد عدّة سنوات من العمل الجادّ والإنجاز في عالم المال والولد حيث تزوّجت ورُزِقت أطفالاً، انتابني شعور بأني مُجرّد برغي في عَجَلة اقتصادية ضخمة لبلدٍ غريبٍ وحتى أن أبنائي الذين خلّفتهم ليسوا لي وإنما لهذا البلد. 

تحوّلت مشاعر الحزن على صاحبي إلى مشاعر الغبطة، أغبطه على حياته التي بدت لي جميلة جداً، حتى أن حاجز الاحتلال الذي كان يقطع الطريق بين المدينة والجامعة فيضطر صاحبي إلى السير على قدميه ليواصل رسالته في جامعته، أصبحت أراها نعمة أنعَمها الله عليه. إنه عنصر في عَجَلة الحياة والتحدّي في بلده، بينما أنا مُجرّد برغي صغير في عَجَلة بلاد تصبّ عداءها على أمّتي وتُناصِر مَن احتلّ بلدي. تبدَّلت مشاعر الحزن والأسى والفخر والاعتزاز. صرت أحزن على نفسي بينما أفخر وأعتزّ بصاحبي. يا لهذا الابتلاء الذي كان مردّه جميلاً على صاحبي، وصرت أتمنّى لو ابتلاني الله بما ابتلاه به ومُنِعت من السفر حينها وعدت خادماً لبلدي. 

التقينا بعد 40 سنة فقلت لصاحبي: تذكر كم حزنّا على الابتلاء الذي أصابك حينها، أجمل أيام حياتي السنتين التي عملت بهما مُعيداً في جامعة بيرزيت، حياتي كلها بذلتها هناك وولدي من بعدي أيضاً لهم، ليتني ابتليت مثلك واهتبلت فرصتي في الحياة هنا، بالفعل هنا الفرصة الذهبية وليست هناك. 

وأذكر أن ضابط مخابرات صهيونياً حقّق مع شابٍ فلسطيني وقرَّر الإفراج عنه قائلاً: "أنا قادر على سجنك الآن ولكن أنا متأكّد أنك ستدخل السجن فدائياً صغيراً وتخرج منه فدائياً كبيراً لذلك قرَّرت إطلاق سراحك". (السجن صار بالإمكان تحويله من عقوبة ومحنة إلى فرصة ومنحة: وهذا ما أثبتته الحركة الأسيرة بكلّ جدارة).

اليوم صرت أفهم جيّداً لماذا يبتلي الله عباده، ولماذا جاءت الصِيَغ القرآنية حول الابتلاء بهذه الصورة المُذهِلة من الغرابة والدهشة، مثلاً: "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يُميّز الخبيث من الطيّب". التعبير: ما كان الله يعني ولا يمكن أن تسير الحياة هكذا وإنما لا بدّ من الابتلاء والتمحيص أو لأقل دونما فُرِص اختبار وتحديات، عندئذ ستسير الحياة إلى العجز والكسل والضعف والوَهن ومن سيّىء إلى أسوأ ، فتأتي الابتلاءات لتهيّئ الفُرَص وتستفزّ الطاقات الكامِنة وتخرجها إلى حيّز الحياة والفعل والإنجاز، تماماً عندما يُحقَن الجسم بالمُضاد الحيوي فيُخرِج هذا الجسم قواه للانقضاض على المرض وإثبات الذات في المواجهة. 

كذلك الصِيَغ القرآنية التي جاءت بهذه الصوَر الضارِبة في عُمق الوجدان الإنساني: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين "، "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضرّاء وزلزلوا" .... فطريق الجنة محفوفة في الجهاد والصبر على محكّ البأساء والضرّاء وشدائد هذه الحياة وتحدياتها. 

ولو تصوّرنا العكس أن طريق الجنة مفروشة بالورود والدعة وأن الله يعطي عباده ما يتمنّون ويريدون من دون كدّ وعمل ودونما أن يخرجوا ما بدواخلهم من قُدراتٍ إبداعيةٍ ومُجاهَدة وصبر واحتمال، لو كان الأمر كذلك لما صَلُح أمر هذه الحياة إذ سيقوم حينها على الأكثر كسلاً وفشلاً. 

لكن الله أراد لهذه الحياة أن تقوم على الأكثر نشاطاً وجهداً، "وليعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين". فالحياة قائمة على بذل الجهد لا على الكسل وطلب الراحة في مواطن العجز والفشل. 

ومن صفات الرّب أنه سبحانه المُربّي أيّ يربّي عباده لما يصلح أحوالهم ويجعل الحياة الدنيا جنّة لهم لا عذاباً ومقتاً. لذلك جعل الابتلاء وهو كما أسلفنا ممكن استبداله بكلمة فرصة حيث يجدر بالإنسان أن يقف أمام تحدياته بقوّة وجَدَارة، واليوم سمعنا أن اليابانيين مثلاً جعلوا كلمة فرصة بدل مشكلة، فكل حلّ يحتاج إلى مشكلة لا لكل مشكلة حلّ كما كان سائداً. 

البشرية اليوم أمام تحدّ كبير وهو مواجهة فيروس "كورونا" الخبيث ووضع العلاجات المناسبة وهو تحدّ للمؤمِن والكافِر على حدٍّ سواء، كما تساءل مصطفى محمود عن المؤمن والكافر عندما يتعرّضا للغَرَق فمَن ينجو ومَن يغرق؟ فمًن يُتْقِن السباحة ينجو ومَن لا يُتقِنها يغرق كان مؤمناً أم كافراً. 

كما أن هذا الابتلاء يفتح الفُرَص أمام شهود ضعف البشرية وانزوائها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الحادّ أمام فيروس يهاجمها من كلّ أطرافها لإعادة التفكير في طبيعة هذا الاستكبار العالمي وحال الطغيان والغَطرسة التي يظهر بها هؤلاء، وأن البشرية بحاجةٍ إلى العدالة ووضع حد للطُغيان والجبروت، وأن على الضعيف أن يصبح قويّاً ويتخلَّى عن حال الاستلاب الحضاري والهزيمة أمام هذا المُستَكبر.

هذا الابتلاء الذي وسّع البشرية فيه فرصة كبيرة لنهوض المُستضعَفين وهم يرون ذاك المُستكبِر يئنّ من وطأة الفيروس، فرصة كبيرة لمواجهة التحديات والاعتماد على النفس والتحرّر من أية تبعية وأن تترك البكائيات وتنهض من سباتها العميق. 

الاحتلال الصهيوني يريد احتلال عقولنا ونفوسنا وأن نبقى ضعفاء، وهذا التحدّي مع جملة التحديات الأخرى يضعنا وجهاً لوجه أمام معادلة الهزيمة والنصر، والانتصار في كل الميادين هو مقدّمة لانتصارنا في معركتنا الفاصِلة مع مَن احتلّ أرضنا أو مَن أراد أن يستلب قرارنا. 

أختم بحكمة لإبن عطاء السكندري: "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفَهْم في المَنْع صار المَنْع عين العطاء". 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
وليد الهودلي

روائي من فلسطين وعضو إتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين