فاصل حياة

منذ أن فتح جفونه كانت فوضى ذلك الصباح غريبة. یحدث أن يستیقظ بمزاج مُبَعثر بلا أسباب، وكأن روحه قد خاضت شيئاً ما في عالم آخر ناقلة تعبها إلى جسده المنهك بثقلها.

  • فاصل حياة
    فاصل حياة (Ahmed Alsoudani)

یجلس وحیداً یحشو غليونه أفكاراً وینفثها دخاناً في غرفته، التي یتسلّل الضوء إليها بكسلٍ لا یكشف عن وجوده، سوى ذلك الدخان الذي یُمازج هواء الغرفة.

صوت التلفاز المُعلّق بین انقطاع البثّ وعودته كان یتسلّل إلى مسمعه، وهو یجلس على الأریكة مفترشاً أوراقه التي یستجلب بها وَحي الكتابة.

بتململٍ وضجرٍ ینهض ليفتح الستارة، تاركاً للضوء أن يتسلّل أكثر إلى عتمته. عند النافذة يطلق نظره للشارع من دون أن ترمش عیناه الناعسة. المارّة وصوت الجوّالة والباعة كانت كثیرة. بین ضوضاء الخارج وداخله كان هناك فارق كبیر.

منذ أن فتح جفونه كانت فوضى ذلك الصباح غريبة. یحدث أن يستیقظ بمزاج مُبَعثر بلا أسباب، وكأن روحه قد خاضت شيئاً ما في عالم آخر ناقلة تعبها إلى جسده المنهك بثقلها.

یبدو أن هذا الصباح لا یعد بشيء. بقیت أوراقه بیضاء عذراء من دون أن یُغیّر بیاضها حرف. یلتقط سترته الداكنة، یُصفّف شعره المُجّعد بأصابع یده ویخرج من غرفته. أخذته خطواته من الشارع إلى مكان لم یكن لیقصده قطعاً في یوم آخر، لولا أنه استيقظ بهذا المزاج الذي أطلق لقدمیه. حریة اختیار وجهته.

مأذنة كبیرة وقبة یعلوھا هلال جامع. كان الیوم ھو التاسع  والعشرین من شهر رمضان المبارك كما في معظم الأحیاء التي تتوسّطها جوامع تتزیّن بالزینة استعداداً لاستقبال العید والصلاة الموحّدة فيها.

أحياناً تكون قاب قوسین أو أدنى من الموت من قدرك المكتوب بینما، ھو یقترب من دون أدنى فكرة. لِم هو هنا. فغالباً لا تأخذه قدماه إلى هذا المكان. بین زُحام الناس في السوق وتنظیف الجامع وتعلیق الزینة، كان شخص بملابس محكمة الإغلاق من عنقه إلى آخر السترة، كأنما يخفي شيئاً تحتها یخترق الزحام بخفیّة. لا یزال زیاد ینظر إلى المارّة ویسرح بفكره بعیداً، لكنه أحیاناً یسأل نفسه لِمَ هذا الصباح یبدو غریباً؟

تلمح عیناه رجلاً غریباً مُقترباً نحوه بتثاقل وكأنه یسیر بحمل. یمرّ بجواره لیرى بین یدیه قطعة من الحدید تشبه زناد إطلاق شيء ما. تحرّك خلفه بخطواتٍ حَذِرَةٍ. عندما أحسّ زیاد أن الرجل انتبه له أخذت خطواته تتسارع. ركض نحوه واحتضنه من الخلف واسقطه ارضاً، لكن الزر المعدني كان لا یزال بید الرجل. لحظة مسك یده فات الأوان. كانت لحظة. حدث الانفجار وتحوّل معه إلى أشلاء.

استيقظ.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
علاء عدنان

كاتب من العراق