تكريماً لهم.. زَرْع غابة أرز تحمل أسماء ضحايا انفجار مرفأ بيروت

بمبادرة من القيمين على"محميّة أرز الشوف"، سيشهد تشرين الأول/أكتوبر المقبل زراعة أشجار أرز تحمل أسماء ضحايا كارثة مرفأ بيروت تخليداً لذكراهم.

  • تكريماً لهم.. زَرْع غابة أرز تحمل أسماء ضحايا انفجار مرفأ بيروت
    تكريماً لهم.. زَرْع غابة أرز تحمل أسماء ضحايا انفجار مرفأ بيروت

اعلنت "محميّة أرز الشوف" الطبيعية أنها ستقوم، في موسم زراعة الأرز تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بزرع غابة منه تخليداً لذكرى أرواح ضحايا كارثة مرفأ بيروت، حيث ستحمل كل أرزة فيها إسم أحد الضحايا عزاءً للعائلات وأملاً بلبنان أفضل. 
وبهذه المناسبة، نستعرض بعضاً من تاريخ شجرة الأرز التي يُخلّدها اللبنانيون، ويُقدّسها بعض منهم.

***

"الأرز" من الأشجار الصُلبة، والمُعَمِّرة، غطّت جبال لبنان لحُقَبٍ تاريخية مديدة، والمُتبقي منها إن هي إلا أحراج، أو تجمّعات أشجار، مُتوزِّعة على قمم السلسلة الغربية لجبال لبنان، تؤشّر لصلابتها، وعُمرها الطويل ضخامة الجذوع المُتقارِبة الحجم المتواجدة على قمم مُتوازية الارتفاع عن سطح البحر.

سبب تراجُع واقع "الأرز" في لبنان يكمُن في نوعيّة الشجرة، وجودتها، وصلابتها، ما جعلها مَطْمَع شعوب الأرض الذين عاشوا بجوار غاباتها، أو غزوا منطقة شرق المتوسّط، مُستفيدين من الأشجار بتصنيع قصورهم، أو أساطيلهم البحرية، أو بناهم التحتية.

ونظراً إلى صلابة الأرز وديمومته، اكتنزت الأرزة ذاكرة الحُقَب التاريخية المختلفة التي مرَّت على لبنان ومنطقة الشرق. 
  
عدّة تجمّعات من هذه الأشجار لا تزال صامِدة على القمم، لكن كل تجمّع ينفصل عن الآخر طارحاً تساؤلات كثيرة عما أصاب هذه الغابة حتى لم يبق منها سوى القليل، وما الذي أنقذها في اللحظات الأخيرة من الاندثار.

بعض من هذه التجمّعات أعلنت محميّات طبيعية بيئية تخضع لقوانين الحماية الصارِمة، مثل غابة أرز الشوف، وغابة أرز تنّورين، وغابة أرز بشري، بينما تُحمى بقيّة الغابات بقانون الحماية الزراعية مثل أرز جاج، وأرز القموعة، وهي حماية قانونية تشمل مختلف الأشجار الحرجية في لبنان.

تتميَّز شجرة الأرز بقُدرتها على مقاومة البرد على ارتفاعات عالية تُناهز الألفي متر، وتستطيع مقاومة الحرّ الشديد صيفاً من دون الحاجة إلى مياه.

حمٌلت الشعوب المُتعاقبة على المنطقة شجرة الأرز طابعاً قدسياً على مرّ العصور، والأساس في ذلك، صلابتها، وقُدرتها على مقاومة الطبيعة، ولذلك تظهر وحدها في الجبال من دون أشجار أخرى، وتبدو كأنها تُلامِس السماء، ما حدا بالجبليين اللبنانيين  تقديس الشجرة، وأطلقوا عليها تسمية "أرز الرب"، ولذلك اعتادوا منذ قرون طويلة على الاحتفال بالشجرة في السادس من آب/أغسطس من كل عام في مناسبة تُعرَف بيوم "التجلّي" أو "عيد الرب"، حيث يرتادون تجمّعاتها، ويقيمون الصلوات الخاصة بالمناسبة في ظِلالها.

  • احتفالية دينية في أرز جاج
    احتفالية دينية في أرز جاج

ويتحدَّث الدكتور نبيل نمر -عالِم حشرات وإيكولوجيا الغابات- عن تاريخ هذه الغابات وأهميّتها، فبنظره، "يعود تاريخ الأرز في هذه المنطقة إلى 12 ألف سنة قبل الميلاد ممتدة من لبنان إلى سوريا وصولاً إلى تركيا، وهذه الغابات كانت خليطاً من الصنوبريات والورقيات. بينما كان أغلب الأشجار من الشربين، ثم اللزاب، والأرز، ثم الصنوبر.

والورقيات تعود إلى 100 ألف سنة قبل الميلاد، كالزيتون، والسنديان، والعفص، والملول وسواها، وهي أقدم من مختلف الصنوبريات ومنها الأرز”.

ويُضيف نمر: "غابات الأرز المنتشرة على القمم هي من الغابات الكبيرة السابقة. ما تبقّى هو ما نعرفه اليوم، والبقية قطعت في ظروف تاريخية مختلفة منذ أيام الفينيقيين، وكل مَن جاء بعدهم من شعوب. وقد استخدموا هذه الأشجار لضروراتٍ حياتية على مدار الأزمنة".

وفي عرضٍ لمحطات تاريخية تتعلّق بالأرز، يذكر نمر أن "الأرز ذُكِرَ في الوثائق السومرية، وفي ملحمة غلغامش، وساهم مساهمة كبيرة في بناء الحضارة الفينيقية التي قامت على بناء السفن، فتمكّنوا من تطوير تجارتهم بواسطتها، وأصبحوا في مُقدّم تجّار العالم عبر البحار. وصدَّر الفينيقيون خشب الأرز إلى الفراعنة المصريين فأثاروا مطامعهم، وقاموا بغزو فينيقيا للحصول مباشرة على خشب الأرز لبناء هياكلهم، وقصورهم، وسفنهم".

  • الدكتور نبيل نمر
    الدكتور نبيل نمر

نمر يتابع عن المواقع التي استخدم الأرز فيها: "في تاريخ لاحق، غزا البابليون فينيقيا، وحصلوا على شجر الأرز وبنوا منه الجنائن المُعلّقة، كما ورد ذِكر الأرز في التوراة فكان ذلك سببا لمعرفة العالم بلبنان، ويسجّل التوراة كيف أن الملك سليمان، ملك إسرائيل القديم، طلب من أحيرام ملك صور تزويده بخشب الأرز لبناء هيكله. كما كان الأرز مصدر الخشب لبناء أسطول فارسي قاوَم اليونانيين في صراع السيطرة على شرقي المتوسّط. وفي العصر الروماني، كان لتوسّع الرومان أثر سلبي على الأرز إلى أن قام الامبراطور أدريان بحمايتها وأتبعها لديوانه القيصري. وفي القرن  العشرين اعتمد العثمانيون على الأرز لبناء خط حديد الحجاز الذي بنوه لتزويد محرّكاتهم بالوقود، وأستخدم الإنكليز شجر الأرز كقواعد سكّة الحديد التي بنوها بين تركيا ومصر".

يذكر أن بقايا مناشر الخشب الضخمة الإنكليزية لا تزال قائمة في القموعة في عكار حيث كانت تُقطَع الأشجار الضخمة، ويجري تصغير قطعها تسهيلاً لنقلها. 

لماذا هذه البقع هي من الأرز فقط خصوصاً على ارتفاعات مُتقارِبة؟ يردّ نمر بقوله: "خصائص شجرة الأرز أنها تحتاج إلى برد لتعيش، ويجب أن تعيش بلا ماء صيفاً، وإلا أثّر الريّ الصيفي على نموّها. البقع التي يناسبها الارتفاع هي المناطق الممتدة من 800 إلى 2000 متر، في هذه الارتفاعات يمكن للأرزة أن تتكاثر وتنمو، والاستثناء الوحيد هو شجر اللزاب الذي يستطيع أن يعيش من هذه الارتفاعات حتى 2800 متر.

لذلك، نجد بقع غابات الأرز متركّزة في نقاط مُحدّدة، منها أرز بشري، وأرز تنورين والباروك وأهدن، وهي مناطق مرتفعة تتناسب مع نمو الأرز بشكل طبيعي، وهو يمكن أن يتكاثر في المناخ الموجود على هذه الارتفاعات".

عن أهميّة الغابات، يقول نمر: "في لبنان نجد الاهتمام بها لأنها اعتُمِدَت رمزاً للعَلَم اللبناني، أي أنها تشكّل هوية البلد. ولكن تاريخياً، وعلى مدى العصور، كان الأرز موجودا في الأدب المُقدّس، وأعطى القدماء للأرزة دلالات دينية قوية، واستعمل الأرز وأمثاله من الصنوبريات من قِبَل الفراعنة في أزمنة قديمة حيث استخرجوا منه مواد تحنيط الأموات، وكان الناس يحملون معهم الأرزة في بحثهم عن مكان يستقرّون فيه، فيزرعونها حيث استقرّوا، وكانت الأرزة شاهداً على قدومهم. بمعنى آخر، الأرز شاهِد على تطوّر الحياة بمراحلها التاريخية المختلفة".  

  • أرز تنورين
    أرز تنورين

وعن عناصر تقديس الأرز، يستعرض نمر "هيكل سليمان المبني من شجر الأرز، وهياكل الفراعنة الذين وجدوا في صمغه المواد الضرورية للتحنيط. وقد ترافق التعلّق بالأرز مع قُدرته على المقاومة. فهو يستطيع مقاومة الجفاف ومقاومة البرد. وخشبه قوي جداً، فاستُعمِل في بناء السفن والأساطيل، وبإنشاء السكك، خصوصا الحديد، وإنشاء البيوت القديمة، وهي تتحمَّل مناخات متنوّعة، وتستطيع المقاومة من دون اهتراء على مدار الأزمنة. هذه الصنوبريات خشبها أقوى بكثير من الصنوبريات الحديثة، وهذا ما جعل للأرز مكانة خاصة لكل الشعوب لأنها شجرة صلبة مقاومة قلما تمرض بمرض معيّن، فطري أو بكتيري أو حشري، ذلك أن الشجرة تقاوم الفطر بذاتها لما تختزنه من مواد حماية ذاتية، وليست بحاجة إلى تدخّل خارجي لحمايتها. كما استخدمت بعض المواد منها في صناعة الأدوية. أهميّتها المُتعدّدة الجوانب جعلت للشجرة مكانة خاصة عند الإنسان"، يقول نمر.

وعن سبب تسمية اللبنانيين له بأرز الرب، يُجيب نمر:"التسمية جاءت أولاً من منطقة محصورة قرب بشري، ومفصولة عن بقيّة الغابات في لبنان، وهي جاءت مع جماعة من المسيحيين الذين جاؤوا إلى المنطقة، وهم زرعوا الأرز، وبنوا كنيسة أرز الرب للصلاة فيها. وليس لدينا أية دلالة أخرى على التسمية. بينما يشير واقع بقية الغابات إلى أنها كانت متواصلة، وهذا التواصل منعدم مع غابة بشري بسبب الوديان العميقة التي تفصل هذه الجبال عن بقية جبال سلسلة لبنان الغربية". 

ويجد نمر أن "روايات كثيرة تروى عن أسباب تهديد غابات الأرز بالانقراض، وكان تقطيع الأشجار، تحقيقاً لغاياته، أسرع وتيرة من نمو أشجار جديدة. فرب شجرة يبلغ عُمرها ألف عام مثلا، تُقْطَع ببضع ساعات، ولم يكن من سلطات تحمي الغابة وتمنع تعرّضها للأذى الكبير". 

يتذكّر بعض الحطّابين المُعمّرين كيف كانت مناشرهم الطويلة، التي يعمل بها حطّابان، واحد من كل جهة، تحزّ الجذوع الضخمة في المرتفعات حيث يستغرق القطع نهاراً كاملاً، من دون أن يؤدّي ذلك بالشجرة إلى أن تهوي نظراً لضخامة قاعدتها، فكانوا يضطرون لربط أعاليها بالحبال الطويلة، وينتظرون حلول الليل لهبوب رياح تدفع بها، فيعملون على شدّ الحبال بهدف إسقاطها. 

وعن العُمر الحقيقي للأشجار، قال نمر: "من الناحية العلمية، يتحدَّث كثيرون عن أشجار عُمرها ستة آلاف أو سبعة آلاف سنة، غير أن الذاكرة العلمية أثبتت أن أعتق شجرة أرز في لبنان هي الموجودة في غابة بشري، لكن عُمرها ليس بهذا القدر، وأكبر شجرة أرز مُعمَّرة يتراوح عُمرها بين 1250 و1500 عام لا أكثر".  


 

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت