هل يشهد العالم موجة ثانية من فيروس كورونا؟

بعد أن انحسرت أعداد الإصابات بفيروس كورونا في بعض الدول، وحدوث ارتفاع في عدد الإصابات أو تفشٍ في دول أخرى، كثرت الأسئلة حول الموجة الثانية من الفيروس، وهل بدأنا نواجهها أم ستأتي في أول الشتاء المقبل؟

  • موجة ثانية من فيروس كورونا
    يشهد العالم طفرات جديدة من فيروس كورونا المستجد تنبئ بحدوث موجة ثانية منه

مع دخول قرار رفع الحظر، كلياً أو جزئياً، حيّز التنفيذ عالمياً، وتخفيف تدابير الإغلاق وإجراءات العزل، واستئناف النشاطات الاقتصادية، بالتوازي مع استمرار تسجيل أعداد مرتفعة من الإصابات بفيروس "كوفيد 19"، وإعلان بعض الدول طفرات جديدة في انتشار العدوى، تتعزّز المخاوف من حدوث موجة جديدة من فيروس كورونا المستجد، وتتجدد معها المخاوف من تضاعف الإصابات والوفيات، بعد أن وصلت حالياً إلى حوالى 10 ملايين إصابة وأكثر من 500 ألف حالة وفاة.

في الصين، سجَّلت البلاد مؤخراً إصابات جديدة بفيروس كورونا، بعد ظهور المرض مجدداً في بكين. وكانت السلطات الصينية قد فرضت منذ منتصف حزيران/يونيو حجراً صحياً على 11 حياً في العاصمة، بسبب ظهور بؤرة جديدة في سوق مجاور لها.

وفي الولايات المتحدة، التي سجلت أكثر من 2.5 مليون إصابة، في أكبر حصيلة في العالم، تمكّنت السلطات من إبطاء انتشار الفيروس في أيار/مايو، لكنّها شهدت تفشياً جديداً في الأسابيع الأخيرة في مناطق ريفية وأماكن أخرى لم يصلها الوباء من قبل، بعد أن انتقل باتجاه الشمال الشرقي والغرب والجنوب. وشهدت البلاد تفشياً سريعاً في حزيران/يونيو بوتيرة متسارعة في حوالى 20 ولاية أميركية. 

وتدرس أستراليا إعادة فرض قيود التباعد الاجتماعي في ولاية فيكتوريا، كبرى الولايات الأسترالية من حيث عدد السكان، بعد أن أعلنت البلاد عن أكبر زيادة يومية في عدد الإصابات بفيروس كورونا خلال أكثر من شهرين، مع تسجيل 75 إصابة في 29 حزيران/يونيو، في أكبر حصيلة يومية منذ 11 نيسان/أبريل، بعد أسابيع عديدة من تسجيل أقل من 20 حالة إصابة يومياً، ما أثار مخاوف من حدوث موجة عدوى ثانية.

وفي فلسطين، أعلنت وزيرة الصحة الفلسطينية، مي الكيلة، في 18 حزيران/يونيو، دخول موجة ثانية من جائحة "كوفيد -19" إلى الأراضي الفلسطينية، بعد ارتفاع مطرد في أعداد الإصابات بين الفلسطينيين. وقالت إن الموجة الثانية تعد "أخطر من الموجة الأولى بسبب اكتشاف العديد من البؤر الوبائية غير معروفة المصدر، إضافة إلى إصابة كوادر طبية وصحية بالفيروس".

يأتي ذلك بالتزامن مع تحذير الأمين العام المساعد لمنظمة الصحة العالمية، رانييري غويرا، من موجة ثانية "أكثر شراسة" بعد انتهاء الصيف قد تودي بحياة الملايين من الأشخاص، مؤكداً أن الفيروس "يتطور بالطريقة نفسها التي توقعناها، وهو يشبه الإنفلونزا الإسبانية".

ورغم تسجيل العديد من البلدان انخفاضاً ملحوظاً في الإصابات، وإعلان بعضها السيطرة عليه، فقد أشار غويرا إلى أن تراجع الجائحة خلال فترة الصيف وانخفاض عدد المرضى في غرف العناية المركزة أمران متوقعان أصلاً، مشدداً على أن السلطات الصحية الإيطالية تتخذ حالياً إجراءات تهدف إلى ضمان الحد من انتشار الفيروس في الخريف المقبل، وأن ظهور بؤر تفشٍ جديدة في إيطاليا، بل أوروبا بشكل عام، أمر لا مفر منه.

فما هي الموجة الثانية من الفيروس؟ وما العوامل التي تؤدي إلى حدوثها؟ وهل ستكون الموجة الثانية مشابهة للموجة الأولى؟ وهل سيزيد الشّتاء الأمور سوءاً؟ أسئلة كثيرة تطرح، وخصوصاً مع الشائعات التي تحفل بها وسائل التواصل الاجتماعي حول الفيروس.

كيف نعرف أننا دخلنا الموجة الثانية؟

  • لا يوجد تعريف علميّ دقيق للانتقال من الموجة الأولى إلى الموجة الثانية
    لا يوجد تعريف علميّ دقيق للانتقال من الموجة الأولى إلى الموجة الثانية

تقول المختصّة في الأمراض الجرثومية، نسرين قطيش، في حديث إلى "الميادين نت"، أن لا تجارب عمليّة كافية تاريخياً نستمدّ منها تعريفات دقيقة للموجات المتلاحقة والمسافة الزمنية المحددة بينها، لأن عدد الجائحات عالمياً لم يكن كبيراً. وبالتالي، لا يوجد تعريف علميّ دقيق أو تصوّر واضح للانتقال من الموجة الأولى إلى الموجة الثانية.

ويتم تعريف الموجة بتحديد تصاعدها وذروتها، ومن ثم انحسارها، إلى أن تصل إلى رقم منخفض لوقت كافٍ. وبذلك ينتهي الحديث عن الموجة الأولى، إذا ما تبعتها موجة ثانية بعد فترة. وهنا لا نتحدث عن أرقام صفر لتحديد الانحسار، تشرح قطيش.

وتضيف: "بعد فترة زمنية، إذا بدأت أعداد الإصابات تتزايد بشكل ملحوظ ومستمرّ، ووصلت إلى ذروة ثانية مماثلة لذروة الموجة الأولى، أو كانت أخف أو أشد منها، يمكن الحديث عندها عن وجود موجة ثانية. على سبيل المثال، إن جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي ضربت العالم، وأودت بحياة أكثر من 50 مليون شخص، سجَّلت ثلاث موجات بين العامين 1918 و1919. بدأت الموجة الأولى في آذار/مارس 1918، وامتدت إلى صيف العام نفسه، ثم شهد العالم موجة ثانية منها في الخريف، وحلّت الموجة الثالثة في الشتاء. وكانت الموجة الثانية هي الأعنف".

أما جائحة "كوفيد 19"، ففي العموم، وباستثناء البقع الجغرافيّة التي سجّلت أرقاماً مرتفعة جداً، تشرح المختصَّة في الأمراض الجرثومية أننا "ما زلنا نشهد حالياً الموجة الأولى المنتشرة من شرق الأرض إلى غربها، وهي تأخذ مسارها الطبيعي من دولة إلى أخرى، وتتفاوت في ما بينها بحسب انفتاحها تجارياً وسياحياً وأعداد الوافدين والمهاجرين والمسافرين إليها". 

وفي بعض المدن، من مثل نيويورك وبوسطن الأميركيتين، وصل الوباء إلى ذروته، وأخذ بالانحدار والانحسار، وسجّل أرقاماً منخفضة نسبية وثابتة، ما ينذر بانتهاء الموجة الأولى.

  • كانت الموجة الثانية من الإنفلونزا الإسبانية هي الأعنف بين الموجات الثلاث التي شهدها العالم
    كانت الموجة الثانية من الإنفلونزا الإسبانية هي الأعنف بين الموجات الثلاث التي شهدها العالم

هل سيختفي كورونا أم يجب أن نتعايش معه؟

تؤكّد قطيش أنَّ انتهاء الموجة الأولى لا يعني اختفاء الفيروس عن وجه الأرض، بل انحساره، لإصابة معظم الناس به، وصولاً إلى ما يُسمى "مناعة القطيع"، فيخفّ بالتالي انتقال العدوى بين الناس، ولكن عندما تتوفر بعض الظروف المناخية، وأهمها انخفاض حرارة الطقس وحلول فصل الخريف، وبعد أن تخفّ المناعة المكتسبة ضد الفيروس، وهي متوقّعة بعد مرور 3 أشهر، على سبيل المثال، على الإصابة بفيروس كورونا لأول مرة، يرجّح بروز موجة ثانية منه.

وفي العموم، لا يمكن تحديد الدول التي شهدت موجة ثانية من الوباء، أو ربما ستشهدها بعد فترة ما، ذلك أننا لا زلنا نشهد الموجة الأولى منه، فأعداد الإصابات والوفيات عالمياً لا تدل على أننا وصلنا إلى ما يُسمى "مناعة القطيع"، بحسب قولها. 

وتستدرك قطيش قائلة: "الوضع اليوم مرهون بإنتاج لقاح ناجع أو دواء يثبت فعاليته، ونحن نأمل نجاح دواء "أفيفافير"، المنتج الياباني الروسي الذي أصدرته شركة الاستثمار الروسي في حزيران/يونيو 2020، في التصدي للفيروس. وبذلك، يمكن إجهاض حدوث موجة ثانية أو ثالثة، ولو بقدر معقول. وعلى الرغم من أن الاختبارات جارية حالياً على العديد من اللقاحات، وبعضها في مراحلها الأخيرة، فلن يكون لدينا لقاح مثبت الفعالية قبل الشتاء المقبل، فذلك هو الوقت الطبيعي لإثبات فعالية أي لقاح، سواء كان فيروس كورونا أو غيره".

هل سيكون كورونا موسمياً؟

ويبقى الوقت عاملاً أساسياً في رصد وتيرة تفشي الوباء ومساره عالمياً. وحتى الآن، لا يمكن الجزم إذا ما كان فيروس كورونا موسمياً، مثل الإنفلونزا، أو أنه سيختفي بعد عام أو عامين، تشرح قطيش، ولكن ما يخفف وطأته في العالم هو تعايش الناس معه، وتحصيلهم خبرة في تجنّبه، واكتسابهم مناعة ضده مع التعرض له مراراً.

في الشتاء عموماً، تضيف، تُسجَّل أرقام مرتفعة في التهاب الرئة الجرثومية البكتيرية المؤدية إلى الفشل الرئوي، وتزداد الحاجة إلى العناية المركّزة وأجهزة التنفس الاصطناعي، كما تسجل أرقام مرتفعة في الإصابة بما يُسمى "streptococcus pneumonia" و"staphylococcus pneumonia" و"klebsiella pneumonia"، وغيرها من الأمراض الفيروسية، وأبرزها الإنفلونزا الموسمية، التي تفتك بالعديد من سكّان العالم.

ففي الولايات المتحدة الأميركية، أودت الإنفلونزا بأكثر من 60 ألف شخص في العام 2019، على الرغم من وجود علاجات فعالة وتوفّر لقاح ضدها. أما في العالم العربي، فتوضح المختصة في الأمراض الجرثومية أن فصل الشتاء، الذي يعد قصيراً وأخف حدة مقارنة مع أوروبا أو أميركا، والظروف المناخية الحارة نسبياً في معظم الدول العربية، يسهمان في التخفيف من انتشار العدوى.

وتضيف: "من الواضح أن مجمل الدول العربية شهدت أعداداً منخفضة في الإصابات والوفيات مقارنة بغيرها من الدول. يعود ذلك إلى عدّة أسباب، منها أن تكون هناك "مستقبلات" (Receptors) أقل للفيروس لدى النسل العربي، أو أن هناك "Protective genes" يحمي النسل العربي من الحالات الحادة، إضافةً إلى أن نسبة البدانة في الوطن العربي منخفضة مقارنة بالدول الغربية".