"دماء الجرحى عبرت الممرات".. طبيب يروي أحداث ليلة انفجار بيروت

لم تمر لحظات على انفجار مرفأ بيروت، حتى حلت الكارثة في المدينة. فاض الحزن فيها عابراً كالنهر بدماء الجرحى والشهداء. الأطباء والمسعفون تجندوا لإغاثة الذين لا زال في أنفاسهم روح. الطبيب هادي عز الدين يروي للميادين نت أحداث الليلة الأولى من انفجار بيروت.

  • الرداء الأبيض الذي كان يرتديه الطبيب هادي عز الدين في المستشفى أثناء إسعاف جرحى الانفجار
    الرداء الأبيض الذي كان يرتديه الطبيب هادي عز الدين في المستشفى أثناء إسعاف جرحى الانفجار

لم تمرّ دقائق على انفجار بيروت، حتى خرجت أصوات أنين من تحت الركام والأنقاض. أنين لوجع جماعيّ عبَرَ كنهر من الدماء السائلة في ممرات المدينة. 

يقولون إن حرباً لم تكن لتُحدث ما خلفته لحظة واحدة. قصص انفجرت في المكان، تكاد تشبه الأفلام في رواية محكمة. انفجار أنهى حكايات كثيرة كانت في طريقها إلى تتمات ينتظرها محبّون، وأحلام تُعمّر بيوت بيروت المنكوبة.

لحظات من الهمهمة، قبل أن يعلو صراخ الهلع والخوف.. منهم من نام على دمه إلى الأبد، وآخرون خرجوا بوجوه فزعة وعيون شاخصة تنظر إلى اللاشيء علّها تفهم ما الذي حدث. 

شيء واحد ظلّ حياً في الذين لم يدركهم الموت، لهفة الناجين ليغيثوا الأنفس التي لا زال في أنفاسها روح. تجند الأطباء والممرضون لإسعاف الناس لحظة وقوع الكارثة. الذين طالهم الأذى والضرر أيضاً، إذ إن الانفجار لشدته لم يترك حجراً على حجر في المناطق المحيطة به. 

يتحدث الطبيب الطالب الذي يتخصص في جراحة العظم هادي عز الدين للميادين نت عن تجربته أثناء تواجده في عمله بمستشفى السان جورج - الروم في منطقة الأشرفية، والتي لا تبعد عن مرفأ بيروت سوى كلم واحد. يتحدث عن تجربة يقول إنها لا تبرح تفارق باله. 

كان من المفترض أن يكون يوم 4 آب/أغسطس يوم عمل عاديّ. أتى عز الدين إلى دوامه في المستشفى الساعة الخامسة عصراً، بعد أن استلم من زميله المهام ليبدأ بعمله في قسم الطوارئ. 

لكن، وبعد ساعة و8 دقائق كل شيء تغيّر. "لم يكن يوم عمل عاديّ كما ظننت". يروي كيف كانت اللحظات الأولى من الانفجار، حين بدأ يشعر بهزّة أرضيّة، ولم تمرّ سوى ثوانٍ قليلة حتى وقع الانفجار الأول، ولشدّته ظن أن شيئاً ما حدث في المستشفى. سريعاً أمسك بزملائه واختبأوا في مكان آمن، ليقع الانفجار الثاني، الذي حلت معه الكارثة. 

يقول إن أسقف المكان هبطت، تكسّر كل شيء، انقطع التيار الكهربائي، لم يسلم حجر في المستشفى ولا غرفة أو ممر من أضرار الانفجار. ويضيف أن أول ردة فعل منه كانت أن يهرع إلى زملائه للاطمئنان عليهم، ثم أخذ يزيح الركام في ممرات الطوارئ ليستطيع الدخول إلى الغرف ليطمئن أيضاً على المرضى، الذين لا يقوى عدد منهم على النهوض. 

  • الأضرار التي حلت بمسشتفى الروم جراء انفجار بيروت
    الأضرار التي حلت بمستشفى الروم جراء انفجار بيروت

يحكي الطبيب عز الدين، الذي أصيب بجروح طفيفة، عن لحظات قاسية جداً عاشها، حين تضررت أجهزة التنفس، فاضطر وزملاؤه إلى إسعاف الجرحى الذين كانوا أساساً في المستشفى وتضميد جراحاتهم بالطرق البدائية وبضوء الهواتف. وما كانت إلا دقائق حتى بدأ الجرحى من خارج المستشفى يصلون إلى قسم الطوارئ. يقول إن المكان كان متضرراً بشكل لم يعد يتمكن من استقبال المصابين، مما اضطرهم إلى تأمين المعدات التي سلمت من الانفجار والخروج بالجرحى إلى الشارع ومداواتهم هناك، "أولاً بسبب انقطاع التيار الكهربائي في المبنى، وثانياً بسبب الدمار الهائل الذي كان يعيق عملنا في إغاثة الجرحى".

بعضهم كان يختنق بدمه، يقول هادي، مما اضطرهم إلى سحب هذا الدم بطرق بدائية جراء تضرر المعدات. في وقت عدد كبير من طاقم مستشفى الروم كان من عداد المصابين أيضاً، فيما استشهد 4 أشخاص من الطاقم التمريضي.

الوقت يتسارع، والأنفاس بعضها يعلو وأخرى تخفت. لم تعد قدرات المستشفى تتمكن من استقبال الجرحى الذين كانت حالتهم خطرة وتستوجب إجراء عمليات سريعة، مما اضطرهم، وفق عز الدين، إلى الاتصال بالصليب الأحمر اللبناني ليساعدهم على تأمين أماكن خارج المستشفى لإجراء العمليات الجراحية الطارئة، "لأن عامل الوقت كان مهماً جداً لإنقاذ الأرواح".

استمر عمل فريق مستشفى الروم في تلك الليلة حتى ساعات متأخرة من الليل. حتى أخليت المستشفى نهائياً من المرضى والجرحى والطاقم الطبي والعاملين.

  • الأضرار التي حلت بمسشتفى الروم جراء انفجار بيروت
    الأضرار التي حلت بمستشفى الروم جراء انفجار بيروت

يروي عز الدين حكاية الألم التي عاشها في تلك اللحظات، يقول إن هذه المستشفى هي من أقدم المستشفيات في بيروت، ويعزّ عليه أن يراها الآن مدمرة بالكامل. المكان الذي يعمل ويتعلم فيه ريثما يتخرج من الجامعة ليمارس عمله رسمياً في جراحة العظم.

في اليوم التالي، يقول إنه عاد وعدد من فريق العمل إلى المستشفى، لينظفوا الركام في المكان حتى يتمكنوا من استقبال المرضى من جديد، ويلفت إلى أن هناك مشروع سيتم العمل عليه قريباً، وهو بناء مستشفى ميداني بالقرب من مبنى المستشفى الرئيسي، وذلك لاستقبال المرضى من غير المتضررين من الانفجار.

  • الأضرار التي حلت بمسشتفى الروم جراء انفجار بيروت
    الأضرار التي حلت بمستشفى الروم جراء انفجار بيروت

إذ إن مستشفى الروم كانت افتتحت قسماً لمرضى كورونا، الأمر الذي يعدّ كارثة أخرى على مدينة بيروت المنكوبة، التي يقلّ فيها عدد المستشفيات التي خصصت بأروقتها أقساماً خاصة لعلاج المصابين بكورونا. 

يعيش الطبيب هادي عز الدين اليوم في دوّامة أفكار واسعة تدور حول كلمتين: "ماذا لو". ويوضح "حين مرّت ساعات على الانفجار وهدأ عصف المكان. بدأت بالتفكير بماذا لو استطعت أن أقدم أكثر، ماذا لو كان بحوزتي المزيد من المعدات، ماذا لو عالجت هذا المصاب قبل ذاك، هل كان بمقدوري أن أفعل شيئاً لإنقاذ يد جريح، أو عين جريح آخر؟". 

تداعيات الانفجار لم يعشها هادي وحسب، بل عاشها أبناء بيروت جميعاً، الذين تضرروا بشكل مباشر من الانفجار، أو الذين فجعوا بفقد عزيز، أو الذين آلمهم وجع الناس وبيروت. هذه المدينة وكأن أهلها ولدوا بقلب واحد، ما إن يئنّ فيها فرد حتى يخرج صوت أنين جماعيّ، لا يزال يُسمع صداه في كل بيت وشارع ونفس.