بريطانيا بين اتفاق "بريكست" هزيل أو اقتصاد متأزم

ستكون الميّزات التي يوفرها أيّ اتفاق بين لندن والاتحاد الأوروبي، أقل بكثير من تلك التي تحظى بها المملكة المتحدة عبر عضويتها في الاتحاد.

  • جونسون خلال مؤتمر صحفي حول كورونا في المملكة المتحدة - 9 نوفمبر 2020 (أ.ف.ب)
    جونسون خلال مؤتمر صحفي حول كورونا في المملكة المتحدة - 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 (أ.ف.ب)

أطالت سياسة المجازفة التي اتبعها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أمد مفاوضات "بريكست" بين لندن والاتحاد الأوروبي حتى اللحظات الأخيرة ليجد نفسه أمام خيارين: إما الموافقة على اتفاق "هزيل" أو مواجهة اضطرابات اقتصاديّة خطيرة في أوج أزمة "كوفيد-19".

وكان للوباء تأثير مباشر على عملية "بريكست"، فتسبب بتعليق المحادثات عندما ثبتت إصابة مفاوض عن الاتحاد الأوروبي بالفيروس، بعد أيام على اضطرار جونسون لعزل نفسه اثر مخالطته نائباً مصاباً بكورونا.

جاء ذلك قبل موعد انتهاء فترة ما بعد "بريكست" الانتقاليّة في 31 كانون الأول/ديسمبر المقبل، وفي ختام أسبوع عاصف في لندن، حيث أخرجت أزمات سياسيّة عدة جهود جونسون لإعادة إطلاق حكومته عن مسارها.

وكانت عملية إعادة الإطلاق السياسيّة تهدف إلى السيطرة على الوضع بعد مغادرة كبير مستشاري جونسون، وأبرز الشخصيات المدافعة عن "بريكست" دومينيك كامينغز، منصبه.

مع ذلك، لا تزال الحكومة البريطانية ثابتة على موقفها المتشدد في ما يتعلّق بملف "بريكست".

وقال المتحدث الرسمي باسم رئيس الحكومة للصحافيين أمس الجمعة: "لا يزال موقفنا التفاوضي على حاله... استعادة السيطرة على أموالنا وقوانينا وحدودنا"، مضيفاً "نريد اتفاقاً يعترف بالمملكة المتحدة كأمة ذات سيادة".

ومن المقرر أن تتواصل المفاوضات عن بعد اعتباراً من الاثنين المقبل، لكن مسؤولي الاتحاد الأوروبي يطالبون جونسون بلعب دور فاعل في التفاوض لحل النقاط العالقة التي عطّلت العملية على مدى شهور.

وأعرب دبلوماسي أوروبي لوكالة الصحافة الفرنسيّة، عن قلقه من أن الفجوة بين الطرفين "لا تتقلّص إلا ببطء"، مشيراً إلى "احتمال نفاذ الوقت قبل إمكان المصادقة على اتفاق بحلول نهاية العام".

وقال الدبلوماسي: "مع ذلك، هناك أمل بشأن إمكان انجاز المفاوضات سريعاً في حال اتخذت القرارات السياسية اللازمة في لندن".

إلى أي درجة يسعى جونسون لإبرام اتفاق؟

يصرّ رئيس الوزراء البريطاني على أن بلاده ستزدهر من دون اتفاق في حال حدوث ذلك، حتى بوجود الرسوم الجمركيّة التي أزيلت منذ عقود.

وفي حال تمّ التوصل إلى اتفاق، فسيكون عليه إقناع النواب المحافظين به، علماً أن كثيرين بينهم سيرفضون أيّ قيود يفرضها الاتحاد الأوروبي على الحريّات التجاريّة في المملكة المتحدة كثمن للاتفاق.

بجميع الأحوال، ستكون الميّزات التي يوفرها أيّ اتفاق أقل بكثير من تلك التي تحظى بها المملكة المتحدة عبر عضويتها في الاتحاد الأوروبي.

كما سيبقى على المصدرين البريطانيين التعامل مع مجموعة كبيرة من المعاملات الجديدة المرتبطة بالجمارك.

وتجاهل جونسون فرصة في حزيران/يونيو لطلب تمديد الفترة الانتقاليّة، في قرار يرى مدير مركز أبحاث "يو كاي إن ايه تشانجينغ يوروب" أناند مينون، أنّه "مجنون تماماً خصوصاً في ظل الوباء". 

كما أعرب مينون خلال مشاركته في ندوة عبر الإنترنت عن "ذهوله" نظراً إلى أن "الشركات التجاريّة لا تعرف ما الذي عليها الاستعداد له قبل أسابيع فقط على انقضاء مهلة الفترة الانتقالية".

ونظراً لضيق الوقت، فلا توجد فرص للتوصل إلى أكثر من اتفاق هزيل يوفر الحد الأدنى الذي يتطلبه منع توقف التجارة عبر "المانش" بشكل كامل اعتباراً من الأول كانون الثاني/يناير المقبل.

وبينما ينخرط الطرفان في سجال بشأن مسائل مثل الصيد، الذي بالكاد يشكّل أي أهمية بالنسبة للاقتصاد البريطاني، تُركت قطاعات أهم بكثير على غرار القطاع المالي على الهامش.

هل المملكة المتحدة وحيدة؟

لم يقرّ جونسون قط بالحاجة إلى القيام بمفاضلات مع الاتحاد الأوروبي، بحسب مينون، الذي أشار إلى أن "الحكومة روّجت كذلك إلى رواية زائفة بشأن الكيفية التي ستبلغ من خلال المحادثات ذروتها".

وقال: "لا يزال يتمّ تداول هذه الرواية الزائفة بأننا إذا صمدنا لفترة طويلة بما يكفي، فسيهرع كل من المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنقاذنا".

كما أشار مينون، إلى أن ذلك لن يحصل، مشدداً على أن "ماكرون سيكون أكثر تشدداً من المفوضيّة الأوروبيّة".

في سياق متصل، استعرض تقرير لمجموعة "كي بي إم جي" التداعيات لجهة الربح والخسارة.

وأفادت مجموعة الاستشارات بأن "الفشل في التوصل إلى اتفاق تجاري سيخفض بأكثر من النصف وتيرة تعافي بريطانيا الاقتصادي من وباء كوفيد-19 العام المقبل، إلى 4,4% مقارنة بتحسن نسبته 10,1% بوجود اتفاق".

وقد ينمو الاقتصاد بنسبة 7,2% في 2021 في ظل سيناريو اتفاق بريكست "هزيل" يستثني الخدمات، بحسب المجموعة.

بينما من المفترض أن تتعافى دول أخرى من الوباء، بحسب كبير خبراء الاقتصاد لدى "كي بي إم جي" في فرع المملكة المتحدة يائيل سلفين، فإن "تداعيات بريكست ستؤثر على بريطانيا أكثر من غيرها من بين القوى الاقتصادية المتقدمة العام المقبل".