"بازفيد نيوز": كيف تتدفق الأموال القذرة في البنوك الأكثر نفوذاً في العالم

تقدم آلاف التقارير السرية عن الأنشطة المشبوهة صورة لم يسبق لها مثيل عن الفساد والتواطؤ وكيف تسمح الحكومة الأميركية لها بالازدهار.

  •  سمحت القوانين التي كان يُقصد بها وقف الجرائم المالية.. بازدهارها

كشف موقع "بازفيد نيوز" BuzzFeed News في تحقيق مطول لعدد من صحافييه الاستقصائيين أن مجموعة ضخمة من الوثائق الحكومية السرية تظهر لأول مرة كيف يقوم عمالقة البنوك الغربية بتحريك تريليونات الدولارات في معاملات مشبوهة، وإثراء أنفسهم وحملة أسهمهم، مع تسهيل عمل الإرهابيين والفاسدين وأباطرة تجارة المخدرات.

وأوضحت الوثائق أن الحكومة الأميركية، رغم سلطاتها الهائلة، قد فشلت في إيقاف هذه العمليات.

وتقدم ملفات وكالة مكافحة الجرائم المالية (فنسن)  FinCEN، وهي وكالة داخل وزارة الخزانة الأميركية مكلفة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية الأخرى، تضم الآلاف من "تقارير الأنشطة المشبوهة" وغيرها من الوثائق الحكومية الأميركية - رؤية غير مسبوقة للفساد المالي العالمي، والبنوك التي تمكّنه، والوكالات الحكومية التي تراقب ازدهاره. وقام بازفيد نيوز BuzzFeed News بمشاركة هذه التقارير مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وأكثر من 100 مؤسسة إخبارية في 88 دولة.

وتكشف هذه الوثائق، التي جمعتها البنوك، مع الحكومة الأميركية، ولكنها حُفظت عن الأنظار، فجوة الضمانات المصرفية، والسهولة التي استغلها المجرمون. إذ تم السماح للأرباح الناتجة من حروب المخدرات المميتة، والثروات المختلسة من البلدان النامية، والمدخرات التي تم تحصيلها بشق الأنفس، بالتدفق، من خلال مخطط "بونزي" احتيالي، إلى هذه المؤسسات المالية والخروج منها، على الرغم من التحذيرات من موظفي البنوك أنفسهم.

وقال مارتن وودز، المحقق السابق في المعاملات المشبوهة: "بعض هؤلاء الأشخاص في تلك القمصان البيضاء الناصعة ببدلاتهم الفاخرة يغذون مأساة الناس الذين يموتون في جميع أنحاء العالم".

وبدلاً من ذلك، سمحت القوانين التي كان يُقصد بها وقف الجرائم المالية بالازدهار. وطالما أن البنك يقدم إشعاراً بأنه ربما يسهل نشاطاً إجرامياً، فإنه يحصن نفسه ومديريه التنفيذيين من الملاحقة الجنائية. يمنحهم التنبيه بالأنشطة المشبوهة تصريح مرور مجاني لمواصلة نقل الأموال وتحصيل الرسوم.

إن وكالة مكافحة الجرائم المالية (فنسن) FinCEN تجمع الملايين من تقارير الأنشطة المشبوهة، والمعروفة باسم SARs. وهي تجعلها متاحة لوكالات إنفاذ القانون الأميركية وعمليات الاستخبارات المالية للدول الأخرى. بل إنها تجمع تقريرًا بعنوان "Kleptocracy Weekly" يلخص تعاملات القادة الأجانب مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لكن ما لا تفعله هذه الوكالة هو إجبار البنوك على وقف غسيل الأموال.

في الحالات النادرة التي تقوم فيها الحكومة الأميركية بقمع البنوك، فإنها غالباً ما تعتمد على الصفقات الحميمة التي يطلق عليها اتفاقيات الملاحقة القضائية المؤجلة، والتي تشمل غرامات ولكن من دون اعتقالات رفيعة المستوى. زادت إدارة الرئيس دونالد ترامب من صعوبة محاسبة المديرين التنفيذيين، بتوجيه من نائب المدعي العام السابق رود روزنشتاين الذي حذر الوكالات الحكومية من مخاطر ذلك. 

لكن التحقيق في ملفات FinCEN يُظهر أنه حتى بعد محاكمتهم أو تغريمهم لسوء السلوك المالي، استمرت البنوك مثل "جاي بي مورغان تشايس" و"أتش أس بي سي" وستاندرد تشارترد" و"دويتشه بنك" و"بنك نيويورك مالون" في نقل الأموال للمجرمين المشتبه بهم.

وتتدفق المدفوعات المشبوهة في جميع أنحاء العالم إلى عدد لا يحصى من الصناعات ، من الرياضة الدولية إلى الترفيه في هوليوود إلى العقارات الفاخرة إلى مطاعم "نوبو سوشي". 

وتكشف ملفات FinCEN الحقيقة الأساسية للعصر الحديث: أصبحت الشبكات التي تجتاز من خلالها الأموال القذرة العالم بمثابة شرايين حيوية للاقتصاد العالمي. إنها تمكن نظاماً مالياً يعمل في الظل لكنه واسع النطاق وغير خاضع للرقابة إلى درجة أنه أصبح لا ينفصم عما يسمى بالاقتصاد الشرعي. وقد ساعدت البنوك التي تحمل أسماء مألوفة في تحقيق ذلك على غرار:

بنك أوف أميركا في برجه الشهير في مدينة نيويورك.

المقر الرئيسي لدويتشه بنك في الولايات المتحدة في مدينة نيويورك.

مقر ستاندرد تشارترد في لندن.

يوضح تحقيق "بازفيد نيوز" BuzzFeed News في تحقيقه الذي كتبه عدد من صحافييه الاستقصائيين أن:

- بنك "ستاندرد تشارترد" نقل الأموال نيابة عن شركة الزرعوني للصرافة، وهي شركة مقرها دبي اتُهمت فيما بعد بغسل الأموال نيابة عن حركة طالبان الأفغانية. خلال السنوات التي كان فيها الزرعوني أحد عملاء "ستاندرد تشارترد"، شن مقاتلو "طالبان" هجمات عنيفة أسفرت عن مقتل مدنيين وجنود.

-سمح فرع HSBC في هونغ كونغ لشركة  WCM777، وهي ضمن خطة احتيال بونزي، بتحويل أكثر من 15 مليون دولار حتى مع منع الشركة من العمل في ثلاث ولايات أميركية. تقول السلطات إن عملية الاحتيال سرقت ما لا يقل عن 80 مليون دولار من المستثمرين، معظمهم من المهاجرين اللاتينيين والآسيويين، واستخدم مالك الشركة الأموال المنهوبة لشراء ملعبي غولف، وقصر مساحته 7000 قدم مربع، و39.8 قيراط من الماس، وحقوق التعدين في سيرا ليون.

-قام كل من المصارف "بنك أوف أميركا" Bank of America وسيتي بنك Citibank و "جاي بي مورغان تشايس"  JPMorgan Chase و"أميريكان أكسبرس" American Express  ومصارف آخرى بمعالجة ملايين الدولارات بشكل جماعي في معاملات لعائلة فيكتور خرابونوف، العمدة السابق للمدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في كازاخستان، حتى بعد أن أصدر الإنتربول نشرة حمراء لاعتقاله. خرابونوف، الذي فر بالفعل إلى سويسرا والذي يزعم أن هذه المزاعم لها دوافع سياسية، أدين في وقت لاحق غيابيًا بتهم تضمنت الرشوة والاحتيال على المدينة من خلال بيع ممتلكات عامة.

وقالت البنوك المذكورة إنها لا تستطيع التعليق على معاملات محددة بسبب قوانين السرية المصرفية.

وبموجب القانون، يجب على البنوك تقديم تقارير عن الأنشطة المشبوهة عندما تكتشف المعاملات التي تحمل سمات غسيل الأموال أو غير ذلك من أشكال سوء السلوك المالي، مثل المعاملات الكبيرة ذات الأرقام التقريبية أو المدفوعات بين الشركات التي ليس لها علاقة عمل واضحة. 

لا تعد تقارير الأنشطة المشبوهة، والمعروفة باسم SARs،  في حد ذاتها دليلاً على جريمة، ولكن مدير وكالة مكافحة الجرائم المالية FinCEN، كينيث بلانكو، وصفها بأنها "حيوية لتحقيقات إنفاذ القانون".

وقبل هذا التقرير، تم الكشف عن عدد قليل جداً من هذه التقارير حيث تضم ملفات "فنسن" أكثر من 2100 ملف.

يتم تغذية المعلومات من ملايين من هذه المستندات في قاعدة بيانات واحدة، والتي من خلالها يمكن لمسؤولي إنفاذ القانون استدعاء معلومات مالية مفصلة بضربات قليلة على المفاتيح. تفتح ملفات FinCEN نافذة نادرة على هذا النظام الواسع من الذكاء المالي، الذي لا مثيل له في العالم ولكنه غير معروف للجميع. إن هذه التقارير متماسكة للغاية لدرجة أن أفراد الجمهور لا يمكنهم الحصول عليها من خلال طلبات السجلات أو مذكرات الاستدعاء، ولا يُسمح للبنوك حتى بتأكيد وجودها.

لأكثر من عام ، قام موقع "بازفيد نيوز" والمؤسسات الإخبارية الشريكة لها في جميع أنحاء العالم بالتنقيب عن المعلومات الموجودة في عشرات الآلاف من الصفحات لرسم خريطة لأكثر من 200000 معاملة. بشكل عام، أشارت تقارير الأنشطة المشبوهة في ملفات FinCEN إلى أكثر من 2 تريليون دولار في المعاملات بين عامي 1999 و2017. كان بإمكان البنوك الغربية حظرها كلها تقريباً، لكن في معظم الحالات احتفظت البنوك بـحركة الأموال واستمرت في تحصيل رسومها.

تتم كتابة تقارير الأنشطة المشبوهة من قبل مراقبي الجرائم المالية للبنوك،  والذين غالباً ما يكونون في مكاتب بعيدة ويتركون لفهم عدد كبير من المعاملات بموارد قليلة جداً، وكتابة تقارير تقارير الأنشطة المشبوهة  SAR مع القليل من البحث أو التحقق. ذهب بحث "بازفيد نيوز" إلى أبعد من ذلك بكثير، مستنداً إلى كم هائل من البيانات المصرفية الداخلية، وآلاف الصفحات من السجلات العامة، ومئات المقابلات مع مصادر في جميع أنحاء العالم، والعشرات من ملفات قانون حرية المعلومات، وخمس دعاوى قضائية تتعلق بالسجلات العامة، وطلبات لثلاث محاكم اتحادية للكشف عن السجلات، كل ذلك لتجميع تعقيدات النظام المالي المخفي إلى حد كبير.

لا ينشر موقع BuzzFeed News تقارير تقارير الأنشطة المشبوهة SAR بالكامل لأنها تحتوي على معلومات حول أشخاص أو شركات ليست محل شك، ولكن تم العثور عليهم في عمليات بحث البنوك. يتم نشر مجموعة فرعية من الوثائق، مع التنقيحات، لدعم التقارير في قصص محددة.

تلقت شبكة فنسن FinCEN أكثر من مليونين من تقارير الأنشطة المشبوهة العام الماضي. وقد تضاعف هذا الرقم تقريباً خلال العقد الماضي، حيث واجهت المؤسسات المالية ضغوطاً متزايدة بعدما نما حجم المعاملات الدولية. خلال نفس الفترة، تقلص عدد موظفي "فنسن" بأكثر من 10٪. تقول المصادر هناك إن معظم تقارير SARs لا تتم قراءتها أبداً، ناهيك عن اتخاذ إجراء بشأنها.

وفي الوقت نفسه، يقول الخبراء، تتعامل بعض البنوك مع تقارير SAR على أنها نوع من بطاقة الخروج من السجن، حيث تقدم تنبيهات حول مجموعة كبيرة من المعاملات من دون التحرك فعليًا لوقفها. في بعض الحالات، قدمت البنوك تقارير عديدة عن نفس العملاء، توضح بالتفصيل جرائمهم المشتبه بها على مدار سنوات مع استمرار الترحيب بأعمالهم.

بحلول كانون الأول / ديسمبر 2013، قدم بنك "جاي بي مورغان تشيس" JPMorgan Chase ما لا يقل عن ثمانية تقارير مشبوهة SAR عن الحسابات والشركات التي يسيطر عليها مانافورت Manafort، حيث سجلت أكثر من 10 ملايين دولار، وفقًا لتقرير بحثي لوكالة فنسن. أدين مانافورت، الذي كان رئيس حملة ترامب الانتخابية، بتهمة الاحتيال المصرفي والضريبي في عام 2018.

قال بول بيليتيير، المحامي الكبير السابق بوزارة العدل والذي قاد وحدة الاحتيال بالوكالة ذات مرة، إن هذا النهج يجعل النظام يسخر من النظام. قال "لا يمكنك فقط تقديم ملف تقرير مشبوه SAR بعد ملف آخر تلو ملف آخر من دون انتهاك قوانين غسيل الأموال في النهاية. تقطع الصلة بهم وتسقطهم كعملاء. لكنك لا تأخذ أموالهم باستمرار".

وعلى الرغم من الصلاحيات الشاملة للبنوك للتحقيق مع أصحاب الحسابات، يكشف التحقيق في ملفات فنسن FinCEN أن المؤسسات المالية الكبرى غالباً ما تفشل في إجراء معظم عمليات التحقق الأساسية بشأن عملائها، مثل التحقق من مكان وجود الشركة عندما يفتح شخص ما حساباً جديداً. تسمح هذه الثغرات للجماعات الإجرامية بالاختباء خلف الشركات الوهمية، المسجلة من دون تفاصيل تعريفية حول ملكيتها، وإدخال عائدات جرائمها في النظام المالي العالمي.

ترجمة بتصرف: هيثم مزاحم

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

إقرأ أيضاً

سفير إسرائيلي سابق: فوز ترامب سيزيد من...

نقاط القوة والضعف لدى ترامب وبايدن في...

"يديعوت أحرونوت": في الطريق إلى "السلام"...

"واللا نيوز": غانتس سيدفع في واشنطن أضخم...